مقال جدير بالقراءة: للأقوى !! .. من وصية الإسكندر إلى مفارقة الحرب الإيرانية الاميريكية – بقلم: الفينيق الأخير

حين كان الإسكندر على فراش الموت في بابل، والحمّى تلتهم الجسد الذي عبر به العالم من مقدونيا إلى الهند، انحنى عليه قادته يسألونه السؤال الذي لا يرحم إلا لحظةً ثم يفتح على الزمن أبواب الدم:

لمن تترك إمبراطوريتك؟

لم يذكر اسماً، ولم يسلّم خاتماً، ولم يعيّن وريثاً.

قال كلمة واحدة، وكأنها لعنة أكثر منها وصية: للأقوى.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الإمبراطورية إمبراطورية، بل صارت غنيمةً هائلة تتقاسمها الإرادات. انطلق خلفاؤه، أولئك الذين عُرفوا في التاريخ باسم الديادوخيين، لا يحملون الحداد على سيّدهم بقدر ما يحملون خرائطه في أذهانهم. كان فيهم بطليموس، الأكثر إدراكاً لقيمة الاستقرار، فاختار مصر، كما لو أنه اختار النجاة لا المجد. وكان فيهم ليسيمخوس، رجل الأطراف والحدود الخشنة. وكان فيهم سلوقس، الذي فهم مبكراً أن الإمبراطوريات لا تُبنى بالسيف وحده، بل بالتسوية، والزواج، والتحالف، والانحناء الذكي أمام العاصفة. ثم كان فيهم أنتيغونوس الأعور، ذلك الرجل الذي رأى العالم كما يرى المحارب الجريح السماء: نصفها ظلام، ونصفها معركة. لم يؤمن بالتقسيم، ولم يعترف بأن مرحلة الإسكندر قد انتهت؛ أراد الكل، أو لا شيء.

ومنذ ذلك الحين، بدا التاريخ الشرقي كله وكأنه يتأرجح بين مزاج أنتيغونوس وعقل سلوقس: بين من يرفض الانكسار ولو كلّفه ذلك الاصطدام بالعالم، ومن يقبل أن يربح بالتدرج ما لا يستطيع أخذه دفعةً واحدة.

ولعلّ هذا هو الباب الذي يمكن منه قراءة الحرب الإيرانية الراهنة: لا بوصفها حرب صواريخ فقط، بل بوصفها امتحاناً حاداً بين العناد الإمبراطوري والبراغماتية الباردة، بين مخيلة الشهادة وحسابات البقاء.

إيران: أنتيغونوس يلبس عباءة كربلاء

ليست إيران، في هذه الحرب، دولةً تحارب على حدودها فحسب؛ إنها تحارب أيضاً داخل سرديتها.

ولهذا فإن من يكتفي بعدّ الصواريخ، أو بقياس أعمدة الدخان، قد يرى نصف الصورة ويغفل عن نصفها الأخطر.

ثمة شيء في الذهنية الإيرانية الحديثة يجعلها أقرب، في ظاهرها الصلب، إلى أنتيغونوس: رفضٌ للتراجع، امتناعٌ عن الاعتراف بقواعد كتبها غيرها، وإصرارٌ على تحويل كل ضربة إلى برهان جديد على ضرورة الصمود، لكنها ليست أنتيغونوس الإغريقي الخالص؛ فهي لا تقوم على عناد جافّ، بل على عنادٍ ممتزج بعقيدة. هنا تدخل كربلاء لا بوصفها حادثة ماضوية، بل بوصفها محركاً حياً في النفس السياسية: فكرة أن الخسارة المادية ليست بالضرورة هزيمة، وأن الدم قد يصبح رصيداً رمزياً، وأن القتيل قد ينتصر أخلاقياً على قاتله إذا استطاع أن يفرض على التاريخ روايته.

هذه النقطة بالذات هي مما أخطأ كثيرون في فهمه.

فثمة فارق هائل بين دولة ترى الموت فشلاً، ودولة تستطيع أن تعيد تأويل الموت على أنه معنى.

وثمة فارق بين مجتمع نشأ على الوفرة، وآخر نشأ على التحمل، وبين من يعتبر الحرب انقطاعاً موقتاً عن الحياة الطبيعية، ومن يعتبر الشدّة جزءاً من تعريف الحياة نفسها.

من هنا، يبدو الصمود الإيراني مفهوماً، حتى إن لم يكن أبدياً.

فالدول لا تصمد فقط بما في مستودعاتها من السلاح، بل بما في مجتمعاتها من عتبة ألم.

وإيران، التي عاشت عقوداً تحت العقوبات والحصار والضغط، طوّرت ما يمكن تسميته اقتصاد الشظف ونفسية المحاصر؛ وهما معاً من أشدّ الأسلحة صمتاً وفعالية.

إنها دولة قد لا تكون أغنى من خصومها، لكنها اعتادت أن تعيش بأقل، وأن تصبر أكثر، وأن تُدخل الضيقَ نفسه في جهاز مناعتها السياسية.

إسرائيل: مأزق الدولة التي وُعدت بالأمن

وعلى الضفة الأخرى، تبدو إسرائيل، لا في صورة الدولة المنهارة، بل في صورة الدولة المرهقة.

فهي ليست عاجزةً عن الضرب، ولا فاقدةً للتفوق العسكري، لكنها تواجه الآن ما هو أعمق من سؤال القوة: تواجه سؤال التحمّل.

لقد بُني جزء كبير من العقد الداخلي الإسرائيلي على وعدين كبيرين:

الأمن والرفاه.

والمشكلة أن الحروب الطويلة تأكل الوعدين معاً.

حين تصبح الجبهة الداخلية نفسها معرضةً للخوف اليومي، وحين لا يعود العمق الإسرائيلي محصناً كما كان يُروَّج، وحين تتكرر حالة التعبئة والإنذار والتكلفة، لا تعود المسألة مجرد نجاح أو فشل عسكري، بل تتحول إلى اختبار للبنية التي يقوم عليها المجتمع ذاته.

إن الخطر على إسرائيل، في مثل هذا النوع من الحروب، ليس بالضرورة أن تُمحى في يوم واحد، بل أن تدخل في استنزاف بنيوي: انقسام سياسي متسع، اهتزاز ثقة، نزاع بين الدولة ونخبتها، بين المركز والأطراف، بين من يريدون الحرب إلى آخرها ومن يريدون فقط أن تعود الحياة قابلةً للاحتمال.

وهنا لا بد من طرح السؤال الذي لا يطرحه كثيرون بصراحة:

هل الدولة التي قامت على فكرة التفوق الدائم قادرة على العيش داخل معادلة ردع متبادل طويل؟

أم أن أكبر أزماتها تبدأ حين تكتشف أن خصمها لم يعد قابلاً للكسر السريع؟

أميركا: الحرب التي قد تخسرها في الداخل قبل الخارج

أما الولايات المتحدة، فهي ربما الطرف الذي يبدو أقوى من الخارج، وأضعف من الداخل في آن.

القوة الأميركية لا تزال هائلة، لكن المأزق لم يعد عسكرياً بقدر ما صار سياسياً، فما فائدة القدرة على فتح الحرب إذا كان فتحها أسهل كثيراً من إغلاقها؟ وما معنى التفوق العملياتي إذا لم تصحبه رواية مقنعة عن النهاية؟

لقد دخلت واشنطن—بحسب هذا التصور—في حرب لم تُحسن شرح مخرجها، وهذه هي بداية التآكل في كل مغامرة استراتيجية كبرى. فالحرب التي لا تعرف كيف تنتهي، تبدأ بأهداف سامية ثم تتحول إلى عبء انتخابي وأخلاقي ومعيشي. والاحتجاجات الكبرى التي عمّت المدن الأميركية لا تقول فقط: “أوقفوا الحرب”، بل تقول شيئاً أعمق:

من الذي قرر؟ ولمصلحة من؟ وإلى أين؟

ولعلّ هذا ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً: فالرئيس الذي يدخل الحرب من دون استراتيجية خروج، قد يبحث لاحقاً عن مبررٍ كبير يتيح له أن يتوقف من غير أن يظهر في صورة المنهزم.

وهنا تظهر إحدى أشد مفارقات التاريخ قسوةً:

قد يصبح الشيء الذي بدأت الحرب لمنعه هو نفسه المخرج الذي يوقف الحرب.

المفارقة النووية: حين يصبح الخطر علاجاً للجنون

هذه هي المفارقة التي تستحق التأمل أكثر من أي شعار عسكري:

ماذا لو أن اقتراب إيران من العتبة النووية—أو امتلاكها خيار الردع فعلياً—لا يسرّع نهاية العالم، بل يجمّد الحرب ويمنع امتدادها؟

ليس لأن السلاح النووي خير، بل لأنه شرٌّ من النوع الذي يجعل العقلاء يتراجعون.

الحروب التقليدية تسمح بالوهم: وهم الحسم، وهم الضربة القاضية، وهم إمكان السيطرة على التصعيد.

أما النووي، فإنه يقتل هذه الأوهام دفعة واحدة.

يقول للجميع: من هنا فصاعداً، كل خطوة قد تكون الأخيرة.

ومن هنا تنشأ المفارقة المروعة:

ربما يكون امتلاك إيران لخيار نووي:

هو الإنقاذ لها من مشروع الإلغاء،

والإنقاذ لترامب من حرب بلا نهاية،

والإنقاذ لإسرائيل من عدميّتها القصوى، و حروبها الاستباقية القذرة

والإنقاذ للمنطقة من انحدار مفتوح إلى الجنون.

لا لأن النووي حلّ، بل لأنه قفلٌ،  قفل حديدي يوضع على باب الجحيم.

لا لأنه يهب الطمأنينة، بل لأنه يفرض الرعب المتبادل.

وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما يكون الخوف المنظم أقل كلفة من الشجاعة المنفلتة.

لكن هذا لا يجيب عن كل شيء؛ بل يفتح الأسئلة الأكثر حرجاً:

هل الردع النووي يجمّد الحرب حقاً، أم يجمّد فقط القدرة على حسمها؟

ومع ذلك، فإن التاريخ الحديث يعرف هذه المفارقة جيداً.

فالردع النووي لم يُنتج سلاماً بريئاً بين القوى الكبرى، لكنه أنتج، في أحيان كثيرة، سلاماً قسرياً؛ سلام الخوف، لا سلام الثقة.

سلام الإدراك بأن ضربةً واحدة قد تنهي الجميع، وأن أفضل ما يمكن للعقل أن يفعله هو أن يمنع اليد من الجنون.

ليس سلاماً يرفع مستوى الحضارة، بل سلاماً يخفض سقف الجنون.

ولعلّ هذا، في بعض الأزمنة الرديئة، هو أقصى ما يستطيع العالم أن يبلغه.

الجغرافيا: المعلّم الذي لا يخطئ

إذا كان التاريخ يقدّم الرموز، فإن الجغرافيا تفرض الحدود.

وفي هذا أيضاً عنصر أساسي من عناصر المشهد. فإيران ليست مجرد نظام سياسي، بل فضاء جغرافي واسع، عميق، متعدد الطبقات، يصعب كسره بضربة واحدة. وهي، فوق ذلك، تجلس على شرايين الملاحة والطاقة، بحيث لا تعود الحرب ضدها شأناً عسكرياً صرفاً، بل تتحول إلى أزمة كونية تمسّ النفط، والتجارة، والتأمين، والغذاء، وسلاسل التوريد، ومزاج الأسواق.

ولهذا لم يعد التلويح بمضيق هرمز أو باب المندب تفصيلاً ثانوياً، بل صار جزءاً من تعريف الحرب نفسها. فالجغرافيا هنا ليست خلفية للصراع، بل أحد أبطاله الرئيسيين.

ومن يظن أن الطائرات وحدها تحسم المعارك في هذه المنطقة، يغفل أن المضائق أحياناً أبلغ من القاذفات، وأن الخريطة قد تضغط على العالم بصمت أكثر مما تضغط عليه المدافع بصوتها.

سلوقس يعود من تحت الرماد

إذا بلغ المشهد هذه الدرجة من الانسداد، فلن يكون الخروج منه على طريقة أنتيغونوس.

العناد وحده لا ينقذ أحداً حين تصبح القدرة على الفناء متبادلة.

هنا، لا بد أن يعود سلوقس: لا بوصفه رجلاً من الماضي، بل بوصفه منطقاً سياسياً.

المنطق الذي يفهم أن البقاء ليس في سحق الخصم، بل في إجباره على الجلوس، وأن الدولة التي تعرف متى تنتقل من الميدان إلى المائدة هي الدولة التي تمنح نفسها عمراً أطول.

ربما لهذا تبدو إيران، في أعمق طبقاتها الاستراتيجية، كأنها تمزج بين النموذجين:

عناد أنتيغونوس في تعريف الكرامة والسيادة والرفض، وبراغماتية سلوقس في فهم التحالفات، وشراء الوقت، وتوسيع الرئة الأوراسية، وتحويل الجغرافيا نفسها إلى حليف ردع وتفاوض.

وحين تجتمع هذه العناصر مع عقيدةٍ تستطيع أن تمنح الألم معنى، يصبح كسر الدولة أصعب بكثير من مجرد ضربها.

التعايش المر: منطق سلوقس بعد جنون أنتيغونوس

في النهاية، لا شيء يضمن أن هذه الحرب ستُنتج سلاماً.

لكنها قد تُنتج شيئاً آخر: التعايش المر.

لا هو صلح، ولا هو محبة، ولا هو انتهاء للتنافس، بل صيغة باردة من الاعتراف المتبادل بالعجز عن الإلغاء.

وهذا هو منطق سلوقس حين يتغلب أخيراً على عناد أنتيغونوس: ليس لأن البراغماتية أجمل، بل لأنها أقل انتحاراً.

فالعواصم التي اعتادت الرفاه لن تحتمل إلى ما لا نهاية كلفة الحروب المفتوحة. والدول التي بنت مشاريعها على التنمية لا تستطيع أن تجعل تاريخها كله رهينة للصواريخ. وحتى الجار الذي يُخشى منه، قد يصبح التعايش معه—بكل مرارته—أرخص من الحرب ضده.

وهنا تبرز الحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها:

في الشرق الأوسط، قد لا يأتي الاستقرار من العدالة، ولا من الحسم، ولا من التصالح الأخلاقي، بل من توازن الإنهاك.

حين يتعب الجميع، يصبح البقاء نفسه مشروع تسوية.

السؤال الذي لا يُطرح: من الذي سيتفكك أولاً؟

وسط كل هذا الضجيج، يظل السؤال الأخطر غائباً أو مُغيَّباً:

ليس من سيدمر من؟

بل: من الذي سيتفكك أولاً من الداخل إذا سكتت المدافع؟

فالحروب الحديثة، خصوصاً بين قوى متقاربة في القدرة على الإيذاء ومختلفة في البنية الاجتماعية، كثيراً ما تنتهي لا بانكسار عسكري مباشر، بل بانكشاف داخلي.

حين تتوقف أصوات الصواريخ، تبدأ أصوات الحساب.

من خسر اقتصاده؟

من خسر ثقته؟

من خسر روايته؟

من سيعود شعبه إلى بيته وهو يشعر أنه انتصر، ولو رمزياً؟

ومن سيعود وهو يسأل: لماذا خضنا كل هذا أصلاً؟

قد تكون إيران، إذا خرجت واقفةً، أقدر على تحويل الألم إلى شرعية جديدة.

وقد تكون إسرائيل، إذا استمر فيها النزيف السياسي والاجتماعي، أقرب إلى لحظة كشف كبرى لا تهدم الدولة بالمعنى الحرفي، ولكن تهزّ الفكرة التي قامت عليها.

وقد تكون أميركا نفسها قد ربحت المعركة بالمعنى العسكري، لكنها خسرت جزءاً من صورتها وقدرتها على الإقناع في الداخل والخارج.

الخاتمة: الشرق الذي لم يغادر وصية الإسكندر

مات الإسكندر منذ قرون، لكن كلمته ما زالت حية بيننا: للأقوى.

غير أن معنى القوة تبدّل.

لم يعد الأقوى فقط من يملك سلاحاً أكثر، بل من يملك نفساً أطول، وسرديةً أصلب، وجغرافيا أرحب، وقدرةً أعلى على تحويل المحنة إلى معنى.

وفي هذا الشرق الذي لا ينسى حروبه، ولا يتعلم منها إلا ببطء، قد يكون الدرس القاسي لهذه الحرب أن الانتصار لم يعد يعني إلغاء الخصم، بل إجباره على الاعتراف بأنك لا تُلغى.

ربما لهذا تبدو إيران اليوم، في هذا التصور، كأنها تمزج بين عناد أنتيغونوس ودهاء سلوقس، وتضيف إليهما روح كربلاء: صلابة في الموقف، مرونة في التفاوض، وقدرة على جعل الدم نفسه جزءاً من الحجة.

وربما لهذا أيضاً تبدو المنطقة كلها كأنها تدخل طوراً جديداً: لا طور السلام، بل طور الواقعية المُرّة، حيث لا أحد يحب الآخر، لكن الجميع يكتشف أن البديل عن التعايش هو الخراب.

وفي الحروب الكبرى، كما في الملاحم القديمة، لا تكون النهاية دائماً لمن يرفع السيف أعلى، بل لمن يفهم أخيراً متى يغمده.

سلوقس الذي طُرد من بابل عل يد أنتيغونوس، ولجأ إلى بطليموس في مصر طريداً، هو الذي أسس الإمبراطورية الأكبر حجماً و نفوذاً و التي امتدّت من الهند إلى حدود اليونان..

 فهل تكون إيران “الناجية”هي القوة العالمية الجديدة!؟

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق