
اللهم اني بلغت ف يفهم من يريد ان يفهم !
خطف النساء العلويات ليس فعلا موجها ضد النساء وحدهن، رغم أن أجساد النساء هي ميدانه الأول والأكثر قسوة. هو، في جوهره، هجوم على الجماعة كلها عبر أكثر نقاطها حساسية: رابطة القرابة، معنى الحماية، صورة الأب، صورة الزوج، وصورة الجماعة عن نفسها. حين تُخطف امرأة متزوجة ولها أطفال، أو تُخطف طفلة قاصرة، فالمقصود ليس جسدها فقط، بل العالم الرمزي الذي يحيط بها: بيتها، اسم عائلتها، شعور أطفالها بالأمان، إحساس زوجها أو أبيها بقدرته على الحفظ، وإيمان الجماعة بأن لها حدودا وحرمة ووجودا معترفا به. هنا يتحول الخطف من جريمة فردية إلى تقنية من تقنيات هندسة الإبادة.
في الأنثروبولوجيا، جسد المرأة في المجتمعات المهددة ليس “جسدا فرديا” فقط، بل يصبح حاملا للذاكرة والقرابة والهوية واستمرارية الجماعة. لذلك فإن الاعتداء عليه لا يراد به الإشباع الجنسي وحده، بل يراد به إنتاج معنى سياسي: إذلال الجماعة من داخلها، وكسر صورتها عن نفسها، وتحويل رجالها إلى شهود على عجزهم، وتحويل نسائها إلى ساحات مكتوب عليها انتصار الآخر. هذه هي آلية نزع الذكورة بالمعنى الاجتماعي لا البيولوجي: لا أن يفقد الرجل رجولته كصفة غريزية، بل أن يُدفع دفعا إلى موقع العاجز، المراقب، المحروم من الفعل، والمجبَر على ابتلاع الإهانة في صمت. إنها صناعة مقصودة للشلل النفسي.
لهذا نرى أن كثيرا من المخطوفات لسن فقط شابات عابرات في الفضاء العام، بل زوجات وأمهات وقاصرات. لأن الهدف الأعمق هو ضرب بنية الانتساب نفسها: أن يشعر الزوج أنه لم يستطع حفظ زوجته، وأن يشعر الأب أن اسم الأبوة نفسه جُرح، وأن يشعر الطفل أن العالم لا يرد عنه الأذى. بهذا المعنى، الخطف لا يمس امرأة واحدة ، إنه يعيد ترتيب المشهد النفسي كله داخل الجماعة، ويزرع فيها شعورا مزمنا بالانكسار، وكأن الرسالة تقول: لا بيت لكم، لا حرمة لكم، لا حدود لكم، وما نفعله بنسائكم نستطيع أن نفعله بذاكرتكم وهويتكم أيضا.
ومن هنا نفهم لماذا كان جسد المرأة العلوية هدفا مضاعفا. لأنها، تاريخيا، لم تكن فقط امرأة من جماعة مختلفة، بل كانت أيضا علامة ثقافية على اختلاف أوسع: على قدر من التحرر الاجتماعي، وعلى ضعف الأدلجة الدينية في الحياة اليومية مقارنة بمحيط إسلامي أكثر انضباطا وفقهيّةً وسيطرةً على الجسد واللباس والسلوك. لذلك فإن الاعتداء عليها يحمل بعدا عقابيا واضحا: عقاب الجماعة على اختلافها، وعقاب المرأة على نموذجها ذاته. كأن الرسالة ليست فقط سنؤذيكم بل أيضا: “سنكسر المثال الذي لا يشبهنا، وسنعيد تشكيله بالقوة حتى يصير نسخة قابلة للترويض”. هنا يظهر الوجه التاريخي للمشاريع الإسلامية حين تتحول من دعوة إيمانية إلى جهاز تنميط: كل مختلف يُراد له أن يُكسر أولا، ثم يُعاد سبكه، ثم يُطلب منه أن يشكر القالب الذي سُجن فيه.
هذه ليست حادثة معزولة عن تاريخ طويل من محاولة إخضاع الإسلام ل المختلف دينيا وثقافيا ورمزيا. المشروع السلطوي الديني الإسلامي عبر القرون لا يحتمل التعدد إلا بوصفه نقصا ينبغي إصلاحه، أو شذوذا ينبغي تأديبه، أو عارا ينبغي محوه. لذلك كان كسر المختلف يمر دائما عبر ثلاث مراحل: تجريده من حقه في تعريف نفسه، ثم تلويث صورته، ثم دفعه إلى تقليد الغالب كي يبقى على قيد الحياة. وهذا ما يجعل الخطف والاغتصاب والحجاب والفرض الرمزي على النساء جزءا من سياسة أوسع: ليس فقط محو الأفراد، بل محو إمكانية أن يبقى هناك شكل آخر من الحياة لا يخضع لخيالهم الديني والسياسي.
لكن أخطر ما في هذه العملية ليس الألم المباشر فقط، بل ما تزرعه في النفس من سم بطيء: أن يبدأ الرجل المكسور بتبني نظرة العدو إلى نفسه، وأن تبدأ الجماعة باستدخال العار بدل أن ترده إلى مصدره، وأن يُحمَّل جسد المرأة عبء الهزيمة بدل أن يُرى بوصفه موقع الجريمة الواقعة عليها. هنا تبدأ الهزيمة النفسية الحقيقية: حين يتحول الوجع إلى لوم داخلي، وحين يتورط المقهور في تكرار لغة قاهره. وهذا بالضبط ما يجب مقاومته.
المقاومة النفسية تبدأ من رفض هذه الترجمة كلها. يجب أن يُقال بوضوح لا لبس فيه: العار ليس في المرأة المخطوفة ولا في الزوج ولا في الأب، بل في الخاطف وفي النظام الرمزي والسياسي الذي يبرر له. ليست المرأة “سبب الفضيحة”، بل هي الشاهد الحي على الجريمة. وليس الرجل الذي عجز عن منع الجريمة موضع الاتهام الأخلاقي، لأن المطلوب أصلا من هذه الجريمة أن تصنع منه عاجزا. أول أشكال المقاومة إذن هو أن نفشل الخطة في داخلنا: ألا نبتلع تعريفهم لنا، وألا نقبل نقل الذنب من الجاني إلى الضحية.
ثم تأتي المقاومة الأعمق: أن نعيد تعريف الحماية نفسها. الحماية ليست خطابا ذكوريا متضخما عن “الستر” و”الشرف” ثم الانهيار عند أول اختبار؛ الحماية هي تضامن، توثيق، تنظيم، تسمية الجريمة باسمها، حماية النساء من الوصمة، وحماية الرجال من السقوط في حفرة العجز الصامت أو الانتقام الأعمى. الحماية أيضا أن نفهم أن الجماعة لا تستعيد كرامتها بالضجيج، بل بإعادة بناء معناها الداخلي: بأن تقول لنسائها أنتن لستن وصمة، وتقول لرجالها إن كرامتكم لا تسترد بلوم المرأة بل بالثبات معها، وتقول لأطفالها إن ما حدث ليس قدرا طبيعيا بل عنفا مقصودا يجب أن يُفهم ويُقاوم ويُذكر.
وإذا كان نزع الذكورة الجمعية هو تحويل الرجل إلى كائن مخصي سياسيا ونفسيا، فإن مقاومته لا تكون باستعراض فحولة مريضة، بل باستعادة الفعل العاقل: حماية الذاكرة، منع العار من الالتصاق بالضحايا، رفض لغة التبرير، وقطع الطريق على كل خطاب يريد تحويلنا إلى نسخ خائفة من جلادها. فالنجاة هنا ليست نجاة الأجساد فقط، بل نجاة المعنى نفسه: أن تبقى الجماعة قادرة على أن تعرف نفسها بنفسها، لا باللغة التي فُرضت عليها تحت السكين.
لهذا، فإن خطف النساء العلويات ليس قضية نسائية منفصلة، وليس عرضا جانبيا للحرب. إنه قلب المعركة على الجماعة: على هويتها، وعلى رجالها، وعلى نسائها، وعلى أطفالها، وعلى قدرتها أن تبقى مختلفة من دون أن تعتذر عن اختلافها. ومن يفهم هذا، يفهم أن المقاومة ليست فقط استعادة المخطوفات، رغم أن هذا واجب مطلق، بل أيضا استعادة اللغة من أيدي الجلاد، واستعادة الكرامة من منطق العار، واستعادة النفس من الانكسار الذي يراد لها أن تسكنه جيلا بعد جيل