عندما تحدث جريمة يكثر المحققون والمفتشون .. وتظهر الشائعات والاتهامات والفرضيات .. وتطفو القصص القديمة المنسية .. وتصبح القصص التي لامعنى لها تلبس لبوسا غامضا يتم الباسها للجريمة وشخصيات الجريمة والضحية .. ولكن عندما تظهر تفاصيل الجريمة ويكتشف المجرم .. تموت الافتراضات والنظريات والاتهامات وتصبح الشائعات مثيرة للسخرية .. وقد يراها البعض مهينة بعد ان كانت محط تقدير واعجاب او على الاقل مثار فضول وتستحق التعاطي معها بجدية .. وحتى ولو بقدر من الشك .. دون القدرة على رفضها طالما انها تستند الى غموض الحقيقة .. والغموض سلاح وقوة وهيبة ..
اليوم بعد هذه السنوات على الحرب .. ظهر الذين تستروا على الحقيقة .. وقالوا اعترافاتهم ؟؟ كل بعظمة لسانه .. ودون اي مواربة .. ودون محاولة تجميل او مناورة ديبلوماسية .. من بين هذه الاعترافات الأولى كانت اعترافات القطريين بلسان حمد بن جاسم الذي كان المدير التنفيذي للحرب في بدايتها وكان مفوضا من قبل المجموعة التي قررت اطلاق الحرب بكل اجراءات اعلان الحرب وادارة الجزيرة والمؤتمرات وتوزيع الادوار بين الجامعة العربية وبقية الأطراف اعلاميا وسياسية ومن ثم عسكريا .. وهو في اعترافاته يقول مايعرف .. ومن الواضح انه كان يعرف جزءا من الصورة لكنه لم يكن يدري الجزء الآخر منها .. فهو يعلم انه مفوض باثارة القلاقل والشك وتفكيك بنية الدولة وتفكيك المجتمع وتحويل الدولة الى دولة فاشلة عندما يحصل شك بقدراتها وتفقد هيبتها الامنية وتفقد احترام مواطنيها .. ويثير الشبهات بكل تصرفاتها وبكل تاريخها .. ولكن الجزء الآخر من اللعبة لم يكن على دراية به لأن دوره كان في التمويل السخي وتفكيك المجتمع والدولة … ومابعد ذلك كان هناك دور للأتراك والاميريكيين والسعوديين في خلق الجسم المسلح بعد ان قامت كاسحات الالغام بفتح الطريق امام الجهاديين الذين استفادوا من سقوط هيبة الدولة والامن .. واستفادوا من جو الصدمة وانهيار الثقة بقدرة الدولة او بصدقها .. وكان كثيرون من السوريين لايعرفون ان كان من الصواب تصديق الدولة ام تصديق الرواية الاخرى .. وهل من الحصافة الرهان على نظام يموت علنا ويبشر كل شيء في الدنيا بنهايته الى حد اليقين ؟؟ وهل من الحصافة ان يصدق احد ان هذا النظام يمكن ان يكون افضل مصيرا من الحكم العراقي برئاسة الرجل القوي صدام حسين؟ او الليبي بقيادة شخصية عالمية اممية مثل القذافي؟ كل هذا جعل الكثيرين رغم كل تخبطاتهم وعواطفهم سواء مع الدولة او ضدها بين خوف او لايقين .. بين الغموض والوهم ..
بعد ظهور هذه الاعترافات توالت الاعترافات .. وظهر ايهود اولمرت بعظمة لسانه وهو يقول: “لو قبل الاسد بالسلام مع اسرائيل لما مر الربيع العربي في سورية ولكان الاسد قد جنب نفسه وشعبه هذا الخراب والدمار ولكنه لم يقبل بالسلام فدفع ثمن موقفه” ..
ويظهر في تركيا اشخاص ومنهم داود اوغلو ويظهر في اوروبة أشخاص يقرون ان الخلاف مع الاسد انه لو قبل بأن يسلم الحقائب الأساسية للاخوان المسلمين لما حدث له ماحدث .. وكانت هذه الوزارات هي اخطر الوزارات .. وليست الخارجية ولا الدفاع طبعا .. بل وزرارة التربية والتعليم العالي والثقافة وبعض الوزارات الخدمية .. فيتم تغيير المناهج التعليمية لاطلاق مجتمع جديد ينفصم عن الدولة وعن حالة ثقافة المواجهة مع الغرب لاقامة ثقافة الخلافة الاسلامية وتقييم الناس دينيا وايمانيا .. ومن ثم يخضع المجتمع كله للفتوى ويصبح منظر التيار الديني في المجتمع هو ضابط الايقاع وتخضع له موسسة الجيش والامن .. وبعدها تصبح الدولة العميقة في المساجد ..و جمهور الائمة .. الذين تمسك بهم الدول التي تقوم بتصديرهم وتمويلهم واطعامهم .. وهؤلاء وجدنا كيف انهم في السعودية انقلبوا من متشددين بحقوق الله والدين والاسلام وأمرين بالنهي عن المنكر ومطوعين .. الى مدافعين عن الترفيه والمنكر والتفكك الاخلاقي والاجتماعي وتغيير الشعائر بما يتناسب مع العهد الجديد .. أي ان المجتمع السوري تصبح حركته متعلقة بفتوى خارج البلاد .. مثل الشيوعيين القدامى الذين كانوا يتبعون توجيهات الرفاق في موسكو .. وكان الناس يقولون عنهم (انهم اذا امطرت في موسكو فانهم يحملون المظلات في دمشق) .. وهذا ليس انتقاصا للشيوعية كنظام وكفكرة ولكنه انتقاد لأن يكون الانسان صاحب مشروع وطني ليفيد بلاده ولكنه يظن ان الرفاق في موسكو يدركون مصلحته أكثر مما هو يدركها .. وهذا نفس الشيء في الولاء الديني لمرجعيات دينية خارجية .. وهو نفس الشيء الذي نراه في العلمانيين العرب والمشرقيين الذين يتبعون حركة الاجرام السماوية في لندن ونيويورك وباريس .. فهم يتحركون بما يفيد مصالح هذه العواصم بحجة ان هذه العواصم تفهم في الحرية وطريقة ادارة الحياة السياسية أكثر منا ويجب اتباع ماتنصح به من وصفات البنك الدولي الى وصفات التطبيع والابتعاد عن الشرق والتماهي مع حالة الاغتراب الثقافي والسياسي ..












