وهكذا .. صورة سائحة كادت ان تُقيم الدنيا ولم تُقعدها لأن شعور مجاميع المسؤولين والسياسيين وثلاث ارباع شعب بلاد اليورو قد إنجرحَ وأُصيبَ بالصدمة الفورية والكآبة وتعرَّض للإضطراب والإيذاء النفسي الذي تَتطلَّبَ ويتطَّلب تنديداً شنيعاً بالصورة الفاجعة وصاحبتها الرذيلة والبراءة منهما .. ( من الصورة وصاحبة الصورة!) والتهويل والتخويف والتهديد بالويل والثبور لمن تُسَّوِل له نفسه بتكرارها!…
صورة سائحة نسفت ديموقراطيتهم وتاريخهم نسفاً فاضحاً …صورة سائحة قامت بتعريتهم و بإسقاط ورقة التوت عن عورات اخلاقهم .. فتنافسَ المتنافسون هنا في إسقاط ابشع الصفات اللااخلاقية على الصورة وصاحبتها … فجأةً وبدون مقدمات رأيتهم مثاليون صادقون نزيهون عقلانيون وصار الجميع يسأل عن مراعاة الشعور ويتساءل أين هي الاخلاق الرادعة للنفس الشريرة من التقاط هكذا صورة بشعة امام معتقل !؟. يا للهول
لاشك ان القلب يطرب لسماع أناشيد العرب وهم يحيون بعضهم ويثنون على بعضهم ويقبلون شنبات بعضهم ولحى بعضهم .. من بعد حرب ضروس .. كانت فيها الكلمات مسلحة .. والدين مسلحا .. والله نفسه حمل السلاح في حروب العرب على العرب .. وفي حروب العرب تعاد كل الحروب القديمة والحديثة .. وتعود الى الحياة كل الحروب التي انقرضت بين العرب .. حرب داحس والغبراء وحرب البسوس وحرب الجمل .. وفي هذه الحروب عادت عظام الصحابة حية وهي رميم وعادت عظام السقيفة وعظام الجمل .. وكانت كل الكلمات تقاتل بعضها .. ذبحت الكلمات فيها أعناق الكلمات .. وابادت كلمات الكراهية كل ذريات الحب .. ونسينا حب عنترة وعبلة وقيس وليلى ولم يبق في جعبة العرب من تراث سوى حروب الزير سالم وجساس وبني مرة ومفردات الابادة عن بكرة الاب من أجل ناقة .. واجتثت كلمات الوعيد كل جذور السلام والحب .. فقد كان الكلام العربي مصابا بالجنون والهستيريا ..
حدث طوفان نوحي من كلام الكراهية والبغض والتحريض .. وبعض كلمات التصالح والتسامح اختفت وبعضها دفنت على قيد الحياة .. وخرجت من القواميس ونزعت عنها الجنسية ونامت في الملاجئ أو أخفيت قسريا او هربت مع اللاجئين في قوارب الموت وغرقت معهم أحيانا .. وكان من المستحيل ان يتصالح العرب مع العرب لأن يوم القيامة سيأتي فيما لو تصالحت هذه القبائل .. وللصدفة فقد جاء يوم القيامة .. وتصالح العرب مع العرب .. تصالحت قطر والسعودية دون ان تقوم القيامة وتصالحت مصر مع قطر .. وفجأة شربت الارض كل الكلام المسموم الذي كان مثل ماء الفيضان العكر .. وغاض ماء طوفان الكراهية والحقد .. كما غاض طوفان نوح .. ورست سفينة سورية التي ضربتها العواصف والانواء على الجودي .. ولم تفلح العاصفة الكونية والعربية والاسلامية في تحطيم صواريها وأشرعتها ..
فبعد كل هذه الحروب .. تحول كل شيء وكأن ساحرة طيبة قررت ان تضرب بعصاها قلوب العرب الغاضبة المليئة بالقيح والحصى .. وتجعلها لينة .. وتغسلها من السم .. فمن يسمع الكلام الجميل العربي هذه الايام عن المصالحة والاخوة والوئام والسلام والاسلام ووحدة الصف يتعجب مما يسمع .. ويستغرب السامع من كم الحب والثناء والتقدير وقدرة الكلمات على القيام بهذه المناورة الرشيقة و ان تدور قافلة راجعة عن مسارها وقد تخلت عن ثياب الحرب وخلعت الدروع والسيوف القاطعة التي تبللت من دم الكلمات التي أبيدت في مجازر اقيمت للحب العربي .. وحملت أغصان الزيتون وسعف النخل وورود الياسمين .. كم العرب مضحكون عندما يتقاتلون مع العرب .. وماأحلاهم وهم يتصالحون مع بعضهم من بعد عراك طويل .. انه طعم الثلج وطعم النار ..
كم يشبه الشتاء الشتاء .. ماء وأمطار وغيوم سود .. وكم يشبه الصيف الصيف .. بحر وشمس وضوء .. وكم يشبه الربيع الربيع .. زهر وأرض خضراء وسنونو .. ولكن كما تشبه الفصول الفصول فان فصول السياسة تشبه بعضها .. وربيع العرب مثل ربيع ايران ومثل ربيع أوكرانيا وربيع فنزويلا وربيع كوبا .. وأنت لاتحتاج الى ان تتمعن في الفصول السياسية طويلا كي تعرف كم أنها متشابهة .. ولكن بدل طيور السنونو والزهور واللون الأخضر تجد الغرب وطائراته وتجد الحرب وتجد الكذب وتجد الضخ الاعلامي والغرف السوداء وبقع الدم .. وترى كيف ان الشقيق يطعن في ظهر الشقيق .. وأن الأمة تتصرف مثل أفعى تعض نفسها عندما تكون جريحة .. ربما باركنا الله بنعمة معرفة فصول السياسة رغم ان تلك المعرفة معمدة بالدم والقهر .. فليس مرورنا بمرحلة الربيع كان شرا كله .. بل اننا تعلمنا وصرنا أفضل الامم في معرفة طقوس الربيع السياسي وعرفنا ان ليس كل مايحلق هو طيور سنونو بل دابير وخفافيش .. انه الربيع الذي تصنعه اميركيا والغرب مثل سلاح الطقس الذي تروج له وتسميه ( سلاح هارب).. فهي تثير العواصف والامطار والزوابع والرياح في غير فصولها ودون اي انذار .. كما أثارت الثورات في غير فصولها .. فالثورات الشعبية لها فصولها وتمر بشتاء وخريف وربيع وصيف وفلسفة وتثوير .. ولكن ثورات هذا الزمان تأتي بلامقدمات وبلا أسباب وتحدث حيث لايجب ان تكون .. وتغيب حيث يجب ألا تغيب ..
فأنت تتوقع ان الثورة نضجت ظروفها وفصولها في بلد وجغرافيا واكتملت شروطها تجد انها مجهضة وتولد ميتة .. كما هي الحال في المستعمرات الاوروبية الخاضعة للهيمنة الامريكية التي يجب ان تنطلق فيها فصول الثورات لاستعادة ألق اوروبة وعصرها الذهبي واستقلال القرار الاوروبي عن اوروبة الجديدة التي تخضع لاستعمار الشركات ورأس المال الاحتكاري وتلحق باميريكا وبنوكها .. فاذا افلست بنوك اميريكا افلست كل اوروبة وعانت شعوبها .. واذا قررت اميريكا ان تبرد اوروبة التحف الاوروبيون السماء والبرد ودفعوا الفواتير وهم صاغرون ولايقدرون على ان ينتقلوا الى فصل الربيع والثورات السياسية .. واذا قررت اميريا ان تخاف اوروبة من أشباح روسيا تدفقت اوروبة الى حظيرة الناتو مثل الماشية المذعورة من عواء الذئب ..
وعلى العكس فان الدول التي لايوجد منطقا للثورة فيها .. ولم تكتمل دورات الفصول الاقتصادية والسياسية والفكرية فيها فانها تمر بعواصف هوجاء وكأن المناخ السياسي يخضع لبرنامج (هارب) السياسي .. كما حدث في الربيع العربي .. حيث ان مناخ الثورات لم يكن ناضجا ولاتوجد له مبررات كافية لا في سورية ولا في مصر ولا في ليبيا ولا في اليمن .. بل كانت كل فصول الثورات يجب ان تنهض في دول مثل الاردن والمغرب ولبنان والعراق والخليج حيث الاستقلال الوطني يتعرض للقوارض السياسية والمعاهدات الخبيثة .. او ان الفقر ولافاقة يجب ان ينضجا ظروف التتغير المناخي السياسي ونهوض الثورات ..
ماأحلى الحنين للأيام الخوالي .. وكأن احدنا يكبر بحثا عن المستقبل ويطارده فاذا به يكتشف ان مابقي له من أمنيات يجمعها كلها في أمنية واحدة وهي ان يعود الى الزمن الذي مضى .. ويضج فيه الحنين والذكريات .. والذكريات هي آلة الزمن الوحيدة التي نقدر على ركوبها والسفر فيها الى اي مكان من الماضي .. نقف فيه ونراقب الاحداث .. ولانقدر ان نغيرها .. ثم نطير مغادرين …
في نظرية اينشتاين يمكنك ان تبدأ حياتك من المستقبل وتنهيها في الطفولة اذا عشت في مكان سرعة الضوء فيه أقل من سرعتك .. حيث يبدأ المستقبل ويمضي نحو الطفولة .. وتتزوج قبل ان تخطب !! في السياسة هناك شيء غريب يحدث هذه الأيام وكأننا نعود من المستقبل نحو الماضي .. ونعود الى حيث بدأنا .. فقبل سنوات طويلة خرج العرب من دمشق .. وأخرجوا دمشق من ثوب العرب .. وخرجنا من الجامعة العربية .. وخرجت الجامعة العربية منا .. خرجت حماس من دمشق .. وأخرجتنا من غزة .. وأخرج الاسلام من دمشق عنوة وطاف في كل العواصم .. ودخلت تركيا الى سورية وكأنها عادت من مرج دابق .. ودخلت السعودية وكأنها الدولة الوهابية التي وصلت الى درعا يوما .. ومنذ سنوات دخل مئات آلاف الاشخاص الغرباء كأنهم غزو يأجوج ومأجوج .. وكان الغرب يستعد لتقاسم سايكس بيكو الثانية .. ويومها كان نتنياهو يقف على ذرى الجولان يراقب سقوط كنعان بعد سقوط بابل .. وكان كلما هبط عن الهضبة وقد اصابته الخيبة وعاد جنوبا يقول في نفسه غدا سنهبط من الهضبة ونتجه شمالا .. ونصلي صلاة يهودية في دمشق الى جانب صديقنا اردوغان الذي سيسبقنا الى الجامع الاموي ..
كان الاسرائيليون يتلذذون ان دمشق التي أشعلت الانتفاضة ونسفت شوارع تل ابيب يوما عبر انتفاضة فلسطينية عارمة تتذوق ماتذوقته تل أبيب .. وبنفس السلاح الايماني الاسلامي الانتحاري .. وأن دمشق التي أعطت صواريخها لتقصف بها تل أبيب تقصف الان من الغوطة وتسقط القذائف في قلب ساحة الامويين بدل ساحات تل ابيب .. وكأن الغوطة صارت غزة في سورية .. وصارت سورية هي اسرائيل ..
قبل أن تلج مشارف هذا المقال, إعلم أنك لاتقرأ عن رد شخصي مقيد إلى طغيان الانفعال الأناني, بل نحن نتحدث عن مواجهة مع حالة فكرية مشحونة بالتفوق الوهمي, تتعدى الاشتباك الضيق مع شخص, والمدعو ياسر العظمة في هذه الملحمة يمثل الطرق على باب الردود فيأتي الرد على محاولة فرض مايقوله ياسر أنه حال الواقع من حيث قراءة الحرب وفق ماهو يراه لا كما تنصه الحقيقة, وهذا المتوهم للفكر المقدس يتقلد ما يعتقد به على قاعدة أنه يمثل حالة فكرية “منقذة” للأمة السورية, لأنه ممن يعتقدون أنه من أصحاب القامات العظيمة وهذا ما يقوله له جمهوره الذي لم يتمكن من ايجاد قامة عظيمة على أرض الواقع لقيادته في (أقدس معاركه), إلا أن جمهوره وجده على الفيسبوك يطل زعيما للكلام لكن مراياه التي كانت تعكس حالة الزقاق والفساد لم تتسع لكي تعكس احداث وحقائق أقذر وأخطر حرب شهدتها البشرية, إن المرايا التي كانت تنقل الواقع سابقا لم تستطع أن تنقل اليوم سوى ياسر العظمة وليس الواقع,
لقد أطلق هذا الجمهور العنان للتعاطي مع هذه الشخصية كحالة تمثل قائدا يمكن أن يكون الغطاء على فشل الكثير من جمهوره للقيام “بثورة”, ومن المثير للشفقة أن جمهور هذه (القامة العظيمة) هو أيضا جمهور الناطق بإسم مستعمرة قطر فيصل القاسم حيث اشتهر هؤلاء بقراءة الحرب على سوريا بخلاف ما يقوله الواقع, فمن الممكن أن يشاهد ياسر العظمة في ممثل ما شخصا شجاعا, ولكنه لايمكن أن يرى في قائد مصالحات يتعرض إلى الخطف والقتل في المجتمع السوري إنسانا شجاعا, هنا يمكن فقط للعظمة أن يرى أن الشجاعة تكمن فيمن يتخندق ليبدع في تسعير الاحتراب بين فئات المجتمع السوري الواحد .
ولايمكن للعظمة كما فيصل القاسم أن يشاهد أقوى دولة في العالم تحتل الشمال الشرقي ليدرك أن الشجاعة هي عند من يقصف قواعد المحتل الأمريكي من ابطال المقاومة السورية, وبحسب فكر العظمة أنه يرى أن الشجاعة تتجلى عند قصف الدولة السورية من قبل اداء ممثل مع أنها ذات الدولة التي تواجه على الجبهات كافة من لايجرؤ العظمة أن يقول لهم مايقوله لسوريا!؟, أية شجاعة تلك التي يحدثنا عنها, في حين هو لايستطيع أن يجد له شرف مكان في المصالحات أوضد الانفصاليين والمحتلين من الأمريكي والتركي والاسرائيلي, فما هذه “القامة العظيمة” التي لايمكنها أن تجد لها مكانا أمام حجم كل هذا العدوان؟!
و أنا أعيش شتاتي الدائم كعربيٍّ و كسوريّ قرأت رواية “بلا عائلة أو الشريد ” للكاتب الفرنسي “هيكتور مالو ” لأكمل شتاتي السياسيّ متسائلاً هل سورية في الرواية هي الطفل ريمي الذي تتاجر به جامعة الدول العربية كي تربح أكثر , أم أنّ جامعة الدول العربية هي الطفل ريمي الذي تحاول سورية كسب عناوين جديدة منه في تعريف شخصية الدول المستقلة القادرة على مواجهة المزايدات بالمزايدات و المقاربات المتشدِّدة بالمقاربات الأكثر تشدّداً , أم أنَّ سورية و جامعة الدول العربية معاً ضحية مشاريع عالمية كبرى لا يمكن صدّها ما دامت قدرة الأنظمة الحاكمة فيها أقلّ من قدرة الشركات الكبرى على التحكّم بمقدَّرات و مصير شعوب هذه المنطقة من الشمال إلى الجنوب و من الشرق إلى الغرب و من الرأس إلى القلب و من الأجنحة إلى الذيول ؟!…….
منذ سنوات لم يصل الى مسامعي خبر جميل .. والاخبار الجميلة في زمننا لايحملها الا خبر عن نعش أمريكي أو نعش اسرائيلي .. ولكن منذ ايام أهدتنا المقاومة الشعبية السورية نعشا أمريكيا اعادنا الى الزمن الجميل .. فياسبحان الله كيف صارت السعادة تأتينا في النعوش .. والنعوش هي رمز للحزن والفجيعة .. أنا لاأحب الأمنيات لأنها مخدرات ونوع من انواع المهلوسات .. وكلما تسللت الامنيات الى سطوري وزرعت خلسة في كلامي طردتها أو قتلتها قبل ان تستقر على السطر .. أو محوتها بالممحاة كما يمحو طفل كلمة لايحب رسمها المعوج ..
اليوم لم تعد النعوش الامريكية القادمة من الجزيرة أمنيات .. بل حقيقة .. وعندما تصل النعوش الامريكية تصل الينا الحرية .. ونتعرف على الديمقراطية … ونتذوق معنى الكرامة والانتقام .. معادلة غريبة فالحرية في الشرق والديمقراطية لاتوصلها الدبابات الامريكية كما ادعى جورج بوش وفريق المجرمين من المحافظين الجدد .. والحرية والديمقراطية لايحملها المسلمون الذين يرفعون رايات لااله الا الله السوداء .. بل انها تتحقق بقدر مايتحقق من نعوش عسكريين تذهب الى أميريكا .. فاذا سألتني كم حجم الحرية لديك أقل لك كم نعشا أميريكيا صنعت ؟ ..
والحقيقة هي انني منذ زيارة الرئيس الاسد الى موسكو كنت أنتظر وأترقب ان تتم ترجمة اللقاء في سورية بأن تنتقل حرب اوكرانيا الى الوجود الامريكي في سورية .. فلنا وللروس مصلحة كبيرة في تدمير الوجود الامريكي في سورية وأن يدفع ثمن استهتاره بكرامات الشعوب .. وتطاوله على كل البشر .. فغالبا ان الرئيسين بوتين والاسد وجدا ان الوقت صار سانحا ومناسبا لتوسيع المواجهة مع الوقاحة الامريكية .. لانه لم تعد للديبلوماسية والانتظار اي فائدة ..
ان الجهل بالأمور مؤلم وهو جذر للقلق وقلة الرقاد .. فيما يبدو ادعاء المعرفة لشخص يقدر قيمة المعرفة شيئا مؤلما لقلبه اذا ادعى انه على يقين فيما يقينه يأكل من بيدر المجهول ..
لعل أصعب الأشياء على قلب الجاهل أن يقول بأنه لايعرف .. وأصعب الاشياء على قلب العالم ان يقول انه على يقين .. وفي تقلبات الموازين وتناطح قرون القوى العظمى والعملاقة ومخاضات الصراع بين الأمم يبدو الجهل والاعتراف بعدم المعرفة هما الأنجى .. وهذا هو القول الذي يريح القلب ..
بعض الاسئلة فيها خبث ويكمن فيها لؤم لأنها تعلم اننا لانعرف أين جوابها .. وربما كان البحث عن مصير الضوء الذي غادر نجمة وسافر منذ ملايين السنين وخرج منها ولم يعد بعد ان ضل الطريق في هذا الكون أسهل من معرفة بعض الأشياء الغامضة في حياتنا السياسية .. ولذلك فانني أكره الأسئلة اللئيمة والتي يشع من عيونها الخبث والدهاء ..
من بين هذه الأسئلة اللئيمة سؤال لئيم عن سبب هذا التحول السعودي في معادلات السياسة وشرودها الظاهري عن القطيع واتجاهه .. فكيف صارت البقرة الحلوب تتمرد على راعي البقر الذي كان يهدد بذبحها منذ سنوات قليلة؟؟
هل صار قلب البقرة قلب نمر وصار قلب راعي البقر قلب كلب او ديك؟؟ لا هذا ولاذاك .. فقلب البقرة سيبقى قلب بقرة .. وقلب راعي البقر لن يكون الا قلب راعي بقر .. ولكن السعودية تريد ان تقنعنا انها تتصرف من وحي الحرية الوطنية والاستقلال وأنها صارت قادرة على الاختيار .. مابين الجنة والنار .. ولم تعد مثل المسمار في سياج اميريكا يربط اليها دوابه الخليجية والعربية والاسلامية .. ويربط فيها الدولار .. البعض يرى ان السعودية خرجت من عصر الهيمنة الامريكية وقررت اظهار هامش من الحرية لم تعد اميريكا قادرة على الحد منه والتضييق عليه .. ولذلك فان السعودية انحازت الى روسيا نفطيا ولم تقبل بالضغط النفطي على روسيا .. كما انها اليوم سمحت للصين ان تدخل الى عرين الاسد .. أو عرين راعي البقر حيث يزرع راعي البقر الدولارات ويسقيها بالنفط فتنمو وتورق وتتبرعم ..
جميع الأمم العظيمة تعانق السمو وتستوي على عرش الحرية بثورة أنقذتها من عار العبودية للصهيوني وحررتها من ذل القمح الأمريكي وفكت عنها الحصارضمن أبعاد رغيف الخبز فلا يمكن أن تجد انتفاضة شعبية تتوق للعزة و تسعى إلى شرف الوجود إلا وحاربها الصهيوني في كل زمان وتعقبها في كل جبل وسهل ووادي وكهف وصنع لها جيشا عرمرما من العملاء لكي تنحرف الانتفاضة تلك عن معاداتها لذلك الصهيوني فيصلب جسدها على لائحة العقوبات ويفلت عليها كلابه الأعرابية الوفية إلا أن ماحدث في سوريا هو خلاف ذلك ففي سوريا سوف تجد أن “الثورة” ساهمت مباشرة في سيطرة المحتل الأمريكي على قمحنا فلا قاعدة لمحتل تدك بحجارة من (المجاهدين ) بل يحدثك اعلاميو هذه الثورة عن طابور البنزين في شارع دمشقي وطابور خبز في زقاق حلبي ولكن لايمكنهم مشاهدة سرقة نفط وقمح أمة من قبل الأمريكان والأتراك وكذلك تفاقمت اعتداءات تل ابيب على دمشق بشكل غير مسبوق منذ الأيام الأولى لثورتهم وبحسب الحقيقة العليا فقد توجب على اليهود أعداء المسلمين الخشية من ثورة تريد حكما “اسلاميا شرعيا” فمن الطبيعي أن يشتد عدوان اليهود ويتضاعف عليهم إلا أنه اشتد و تضاعف ضد الدولة السورية (الكافرة) فقط فهل العدو الصهيوني أعمى أم امتلكته سذاجة مفرطة حتى جعلته لايفرق بين عدوه ومن يحقق أحلامه ؟؟!! الحقيقة هي أن اليهودي المحتل يحارب من ينفذ الإسلام الحقيقي وليس ماينفذه ثوار أردوغان وبما أن أردوغان يقود هذه الثورة هنا توقف السوري العاقل وسأل نفسه : عندما تثور أحد عشرة عام من دون أي نجاح إلا في تفاقم قوة عدوان العدو الصهيوني على من تحاربه وأنت لاتعلم هذا أو أنك لاتريد أن تعلم هذا فمن حق الدولة التي استوطن فيها هذا الفكر أن تنفيه من الوجود كما قام هو بنفي وجود العدو الصهيوني ..
ماتفعله سوريا منذ عام ٢٠١١ هو العمل على الإفلات من كمائن الحرب البينية والخروج منها بكل ماتملك من مقدرات بقاء فكرية ومادية لمواجهة الحرب في جوهر حقيقة وقوعها أي الكشف عن الأعداء الحقيقيين والإنتقال من حرب سورية سورية إلى حرب سورية مع الخارج المعتدي بعد كف يده في الداخل عبر المصالحات إذ أنها حرب فرضت على جميع السوريين من حيث اننا جميعا منهزم والنصر لطرف على طرف هو أكبر خدعة لهزيمة المجتمع السوري إلى الأبد وعلى أساس ذلك عملت الدولة السورية كي لايكون السوريون قرابين حرب لانفع فيها إلا للغير ممن يريدون نهاية السوريون جميعا ولقد رأينا من فتح خزائن قصوره و مستودعات سلاحه واسرف بشراء ذمم الجنود والضباط و الذخيرة والصواريخ المضادة للدبابات من كل تجار السلاح ودول العالم حتى دجج المسلح في سوريا بسلاح لم يحصل عليه مسلح من قبل وكان بالمقابل هناك بخل وجبن من هذا الداعم (الحر) إذ لايمكنه أن يرسله إلى المقاومة الفلسطينية فهولايمتلك شرف فكر هذه المحاولة أي أن الذي سمح لهذا السلاح بدخول سوريا هو نفسه الذي يمنعه من دخول فلسطين كي تستمر المقاومة للمحتل وهنا يظهر دور سوريا جليا في كشف عار هؤلاء حتى لمن أعمى الحقد ابصارهم و عقولهم فهل يمتلك المسلح مفتاح العقل لو قرر التفكير بهذا بل وليسأل لماذا تم تحديد شراء ذمم بعض الجنود والضباط والمسؤولين مادامت هناك ثورة محقة وهل تشتري الثورة ثوارا؟! اسلوب الشراء لم يستعمله إلا تجار الحروب والأعداء والأجدر بالمسلح الذي يبكي عدم انتصار( الثورة ) أن يسأل لماذا لم يحاول هؤلاء شراء جندي اسرائيلي واحد ؟! فإن فكر المسلح حقا سوف تستوقفه هذه الوقائع وتجعله يتمكن من إيجاد حقيقة مايفعله ليدرك أنه مع أي جيش هو يحارب فكل سلاح محرم على المقاومة الفلسطينية هو حلال لك وملك يدك فهل عرفت من أنت وأي سلاح حرام تحمله؟؟!! وتعود الأدمغة القشرية الفهم لتتساءل في كل مرة لماذا لم تنتصر (الثورة) ….
لاشيء يهين النظرية مثل ان تسقطها نقيضتها.. وتظهرها على انها ليست الا فرضية .. وتظهرها مهلهلة وبائسة وغبية ومسكينة تستدعي الشفقة وانها تنتمي الى الخرافة .. والفرضية تحاول ان تتبجح وتثبت انها نظرية الى ان تسقط بالبرهان والدليل القاطع .. ولاترتقي الى مصاف النظريات .. فتعود الى انها مصفوفة كلامية لامعنى لها .. لاتستقبلها البدهيات ولا تحترمها المسلمات .. ويتم تحويلها الى قمامة الكلام او الى مايسمى بالة الكلام .. وتموت في مكان مجهول بلا قبر ولا زوار .. ومن بين هذه الفرضيات التي كنا نحملها في كتبنا ودفاترنا كأنها نظرية فيثاغورث الرياضية ولكن فيثاغورث السياسة هي فرضية ان العالم الغربي مليء بالقيم والاخلاق .. وأنه عالم مثالي وجمهوريات فاضلة .. وأنه معلم واستاذ وبروفيسور في علم الحضارات .. بل ان هذه الفرضية ارتقت وصارت نظرية مقدسة حتى أنها أوقفت التاريخ عن المشي ووضعته على كرسي متحرك لأنه استراح الى الابد .. بل ان الله نفسه قرر ان يعطي الغرب حق تدبير أمور البشر ويستريح بعد أن أتعبه البشر بكفرهم ونكرانهم وجحودهم وامتناعهم عن فعل الخير وقتلهم لأنبيائه .. فاذا بهذا الغرب يريح الله ويتولى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ويصدر تعليمات المطوعة الديمقراطية التي تتجول وتفتش بين الامم عن تارك القيم الديمقراطية والدين الجديد والصلوات التي تمجد الحرية والانسان ..
ولكن لمن لم يسقط الغرب في ناظريه الجميلين فاننا نعيدها عليه ان يتعلم ان الغرب سقط منذ ان أصدر نظريات وودرو ويلسون عن حقوق الانسان .. ومنذ أن طبق هذه الحقوق بحذافيرها في فلسطين .. وعلى شعب فلسكين وحجرها وشجرها .. فكارثة فلسطين هي نتاج العقل الاخلاقي الغربي وابداع نظرياته في الحقوق والواجبات .. يأخذ من الفلسطينيين كل حقوقهم ويعطيها لليهود .. وعرفنا كيف انفتقت نظريات وودرو ويلسون عندما تمت هندسة الأمم المتحدة لتكون فيها قصة سندريللا وزوجة ابيها وأختيها بحذافيرها .. فالمضحك ان المنظمة التي خلقها الغرب للانسان وحق المساواة سميت الأمم المتحدة .. ولكن كل دول العالم هي كومبارس … وكل دولة في الامم المتحدة هي سندريللا تخدم ساكتة صامتة مقابل طعامها وشرابها في حين أن زوجة الأب وبناتها (اميريكا وبريطانيا وفرنسا) وبقية الأمراء النوويين في مجلس الامن يقررون للسندريللات العالمية اين تكنس واين تطبخ وكيف لاتذهب الى اي حفل اممي .. وهم وحدهم اختصهم الله بحق النقض والفيتو .. دائمون باقون بقاء الوجود .. وهم مثل شعب الله المختار يحق لهم مالايحق للدول السندريللات .. والمصيبة انه في حكابة الامم المتحدة لاتوجد جنية طيبة تظهر فجأة وتقدم العربات والأحصنة المطهمة وثياب الحفلات للدول السندريللية كي تحضر اي حفل من حفلات الامراء ..