
كنت أبحث عن أسباب تقمص الشخصيات في علم النفس، ذلك أن شخصاً ما يريك نفسه في كل مرة يقوم بتقمص شخصية أخرى ومحاكاة تصرفاته وأقواله، له أسباب وعوامل لا بد من البحث عنها لمعرفة عللها ودوافعها. وأرجو الانتباه لتعريف التقمّص، إذ في أذهانكم حتماً شخصية نموذجية ينطبق عليها هذا التعريف؛ لندرك أي سمات تحمل هذه الشخصية. عُرّف التقمص في معجم التحليل النفسي بأنه عملية بناء الأنا وعملية تعويض ناتجة عن فقدان الشخصية سمة معينة، أو سمات، فهو بذلك يُعدّ سيرورة نفسيّة لا شعوريّة مستمرة لدى الفرد المتقمّص. يرى فرويد أن التقمص نمط من التفكير يعبر عن أنانية في الحصول على كل السمات والصفات الإيجابية الخاصّة بالشخص المتقمّص. ومن أنواع التقمّص : التقمّص النرجسي والتقمّص الجزئي والتقمّص العاطفي . ومايهمّنا هنا التقمّص الجزئي، وهو الذي يُبنى على التصور والخيالات حول صفة خاصّة لشخص آخر، وبالتالي محاولة تمثيلها بجودة مثالية حتى يظهر بمظهر القائد أو البطل.
وقادنا مفهوم التقمّص إلى مفهوم المحاكاة، وهي لغة الجسد، ولهذا السلوك ثلاثة محاور، منها: الجانب المظلم، والمحاكاة كسلاح للتلاعب، وتستخدم هنا كأداة خبيثة، فالمتلاعب المحترف ( أو السيكوباتي) يدرس لغة جسدك ويعمد إلى تقليدها بوعي كامل لاختراق دفاعاتك النفسية. إنه يفتعل “تأثير الحرباء” ليوهمك بأنه يفهمك بعمق، فتغيّر اللون السلوكي يزيد من فرص قبوله وإعجاب الآخرين به. ومن سلبيات “تأثير الحرباء” فقدان الهوية الشخصيّة والشعور بعدم اليقين أو القلق، ومن جوانبه السلبيّة أيضاً أنه عندما تصبح المحاكاة واعية ومبالغاً بها يُنظر إليها على أنها تلاعب أو نفاق. وفي حالات أخرى قد يؤدي الانغماس الشديد في تقليد الآخرين إلى ضعف الشعور بالهوية الذاتية وفقدان الأصالة. وتقول الدكتورة ثروت المعاقبة عن “تأثير الحرباء” بأنه لا يقتصر على التأثير فقط بل يعمل على محاكاة مشاعر الآخرين والمواقف وتعبيرات الوجه واللغة والنبرة واللكنة والمفردات، وهنا نعلم تماماً أن الشخص المتلوّن يجذبك لقاعه ليفترسك !!!!.
ومادام لدينا شخصيّة هي أنموذج متحقق لتأثير الحرباء، ومادمنا واعين تماماً لسلوكياتها وتعابيرها وتلوّناتها، وبتنا كأننا في مسرح تُعرض علينا هذه ال “مونودراما” الهابطة؛ لأن الممثل، وإن كان يجيد التمثيل ببراعة، إلا أننا ندرك تماماً أنه ممثل، ولن تنطلي علينا أحابيله المتعددة الأنواع، فالهيئة التي يظهر بها متقمّصاً، تجعلنا نسخر من أدائه الفظّ، ومهما أمعن في الأداء الجيد، لن يجدنا نصفق له تعبيراً عن تفاعلنا الإيجابي. ولئن كانت هذه الشخصيّة تقنع الدهماء بأن تصرفاتها حقيقية لا تمثيلاً وتقمّصاً، إلا أن النخبة تراقبه بعين النقد لترمي بسهامها إليه، ولو كانت تمتلك هذه النخبة سلاحاً لرماه أول من يراه منها بالرصاصة القاتلة؛ لا لشيء إلا لأن هذه الشخصية تستخف بعقولها المفكرة، لا المتلقية المغسولة، المصفقة الهائجة مع كل حركة تقوم بها. ومادمنا ندرك الهدف من وراء هذا الإمعان في التقمّص، وهو جذبنا للقاع لافتراسنا، فإن ما تجهّزه له خيرة المراقبين والمفكرين والنقاد، يمثل الضربة القاضية لهذا المستخفّ بعقولها، فترقّبوا ! وأخيراً هل عرفتم من هي الشخصيّة الأنموذج لتأثير الحرباء؟!.