آراء الكتاب: “شقائق الأسيل”.. وقدرة المرأة على التفوق – بقلم: نبيل عودة (فلسطين المحتلة)

الكتاب: شقائق الأسيل

الكاتبة: راوية جرجورة بربارة

الناشر: دار بيسان-القاهرة ومكتبة كل شيء – حيفا

شقائق الأسيل -كتاب غير عادي في النتاج الأدبي العربي في “الكيان الصهيوني”. هذا هو استنتاجي الأساسي من قراءة نصوص هذا الكتاب الفريد والمتميز. وتبرز خصوصية هذا العمل، ليس فقط من حقيقة انه يشكل ابداعا أدبيا حقيقيا، في زمن كثرت فيه الرداءة الأدبية، ابداعا ونقدا، انما خصوصيته في انه أول ابداع يثري لغتنا العربية بنصوص تتوهج فيها اللغة وتشكل حالة أدبية قائمة بذاتها.

thumbnail

قد تكون الأديبة راوية بربارة عن قصد، لم تسجل على غلاف الكتاب، أو في صفحاته الداخلية نوعه الأدبي. هل هو مجموعة قصص؟ مجموعة خواطر ادبية وفكرية واجتماعية؟ نصوص أدبية تجمع اشكالا متعددة من الأنواع الأدبية؟ وعدا مقدمة البروفسور جورج قنازع، المحاضر في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا، لا يوجد أي تعريف للنصوص كقصص. ربما ترددت راوية في تسمية ” شقائقها ” بالقصص لحيرة ألمت بها. واقول رغم كل ما يكتشفه النقد من نقص في اكتمال بعض القصص، الا ان راوية في شقائق الأسيل تعطينا ادبا قصصيا أتمنى ان أجد موازيا له في ادبنا المحلي، حتى من بعض الأدباء ذوي التجربة الطويلة والعروش الوهمية.

راوية بربارة في اهدائها لنصوصها ” شقائق الأسيل” تعترف كما يلمس القارئ للكتاب، حيرتها، تكتب: ” الكلمة عالم استوائي المناخ أحيانا، قطبي المزاج حينا، كروي لا بداية له ولا نهاية”. وتواصل:” الكلمة بحر حبري يهوج ويموج ليفرض سلطانه، لكنه سرعان ما يغريك برمال شواطئه وأصدافه ..”. وتواصل: ” منا من يبحر فوق نقاط الكلمات، ومنا من يغوص في أعماق الحبر، منا من يبني من ذرات الكلمات الحارة قصورا ومنا من يتمتع بسباحة بين السطور”.

وقد رأيت أهمية خاصة في تسجيل إهدائها لما يكشفه من رؤيتها الثقافية لعالم الابداع الأدبي، ولمسؤولية حمل القلم، والتحدي بقول الرأي .. والأمر الأهم ان اهداءها يقول كل شيء وصلت اليه في مداخلتي الفكرية الثقافية (والنقدية اذا شئتم ) لنصوص بربارة . واعترف اني لم أجد في قراءاتي ، وهي كثيرة وبأي مقياس تشاؤون ، ما هو أكثر ملاءمة بين الاهداء والنص .

أجل … الكلمة ( اللغة ) ” بحر حبري يهوج ويموج ليفرض سلطانه “!!

وحتى لا يفهمني القارئ خطأ، نصوص “شقائق الأسيل” لها نكهتها الخاصة المميزة، لغة وتراكيب فنية، والقدرة على جعل اللغة اداة حية متفاعلة مع القارئ ومع المحيط الاجتماعي، والقدرة على بناء الحوار الثقافي غير المرئي بين النص والمتلقي.

ان قضية اقرار النوع الأدبي تصبح ثانوية بحالة نصوص راوية بربارة، وهذا ما تبين لي عبر المسائل الأدبية والفكرية التي أثارها النص في نفسي. خاصة عندما نجد ان الكلمة (اللغة) في النص، أضحت مضمون العمل، او جزءا هاما من المضمون على الأقل.

شخصيا أميل ببعض التردد الى اقرار ان نصوص ” شقائق الأسيل ” تطفح بروح القص، رغم ما ينقص بعض النصوص من عناصر القصة، وأؤكد بعض النصوص فقط، غير ان المثير في نصوص هذا الكتاب، ان اللغة تتدفق من قلم الكاتبة، تحمل من الجمالية في صياغة العبارة، وتركيب جمل النص، ومن رومانتيكية اللغة، ما يجعلها تتجاوز نواقص الروح القصصية، لدرجة تكاد تقترب راوية مما يعرف بالقصة اللغوية، والذي يعتبر الكاتب المصري جمال الغيطاني من روادها، وربما الكاتب الوحيد الذي جعل من اللغة حدثا روائيا. وأشهد ان لغة راوية بربارة سحرتني وأقنعتني ان اللغة ليست وسيلة فقط، وليست غاية بحد ذاتها، انما اداة، من يحسن استعمالها، يجعلها أكثر من وسيلة، وأرقى من مجرد غاية، يعطيها القدرة على ان تشكل ضلعا ثالثا في العلاقة الابداعية بين الخطابين التاريخي والأدبي، بحيث نستطيع ان نقول ان اللغة ليست الأداة لصياغة الخطابين الأدبي والتاريخي، انما الجسم الثالث القادر على تجاوز القصور في الخطابين.

كنت أفتقد دائما، لدى الكثيرين من كتابنا القصصيين، ما أميل الى تسميته ب ” اللغة الدرامية”، من رؤيتي ان اللغة القصصية هي لغة مختلفة عن لغة الموضوع السياسي، او لغة النقد الأدبي، أو لغة المقالة العامة، وان القصة (وأقصد دائما الرواية أيضا) بصفتها تعتمد على الفكرة الدرامية، تحتاج الى ان يطور الكاتب لغة درامية، لغة لها نكهة لا نجدها بالنصوص غير القصصية. وكم اثلجت صدري لغة “شقائق الأسيل” عندما وجدت ان قناعاتي ليست مجرد موقف ورؤية نقدية، وقناعة فكرية، وتجربة ذاتية أيضا … انما قاعدة صحيحة وهامة لا تكتمل الكتابة القصصية بدونها، مهما سمت الفكرة والقدرات اللغوية.

تعالوا نقرأ أربعة أسطر لما احاول ان أشير اليه، وقد أخترت أول أربعة أسطر من النص الأول بعد ان أيقنت ان كل نصوص الكتاب تصلح كنموذج للغة راوية: ” أصبحت تخاف من نفسها، لأنها في ساعات اللاوعي تتقمصها أرواح غريبة لنساء غبن بين سطور التاريخ، خرجن من لوحات دافنتشي، اثقلن بيوت الشعر بزخم عطرهن، أطللن من شرفة جولييت .. سمراوات.. شقراوات، كن يحتفلن داخل جسدها كلما أصابته غيبوبة “.

هذا ليس سردا تقليديا. ليس ديباجة لغوية بلا معنى. ليس رصف كلمات بلا مضمون. ليس نقشا لغويا جماليا لامعا وفارغا.

هذه لغة دراما تشارك بلعبة القص. لغة الدراما تثري فكرة الدراما، وتشكل معها الضلع الثالث مع الخطابين المشكلين لعملية الابداع الأدبي، الخطاب التاريخي (السياسي، الفكري، الفلسفي) والخطاب الأدبي (القدرة على تحويل الخبر، الحدث، الموضوع، الفكرة، الى قصة تعبر ثقافيا عن الحدث)

لأول مرة منذ فترة طويلة لم أقرأ في أدبنا المحلي (داخل اسرائيل) خطاب أدبي، ولغة درامية شديدة الكثافة والتنوع.

الظاهرة التي كسرتها راوية بربارة، وأعادت بذلك بعض الثقة والأمل لحركتنا الثقافية، هو تجاوزها للكتابة الريبورتاجية أو الاخبارية المطولة التي ميزت معظم النصوص القصصية في السنوات الأخيرة.

والأهم انها تثبت ان اللغة أكثر من أداة أو وسيلة وتشكل الى جانب كونها أداة ووسيلة، بطلا من أبطال النص -البطل غير المرئي، قادرة، كما هي الحال في نصوص راوية، على تجاوز أي قصور كان في التركيبة القصصية، ولا اتردد في وصف قصص راوية بأنها جد قريبة لمفهوم القصة اللغوية أيضا.

وربما هذا يعيدني الى النظرية التي تقول ان القصة القصيرة هي “لمحة” من الحياة. بينما الرواية هي حياة كاملة… رغم أنى لا أومن بالنظريات التي تبرمج وترتب الابداع الادبي لأننا كنا شهودًا على روايات كل عظمتها في لغتها، ونحن الان امام ابداع ادبي، ربما لأول مرة بمثل هذه الكثافة في ادبنا العربي داخل اسرائيل، روعته وقيمته العليا وعظمته في لغته.

ومع ذلك اقول ان نصوص راوية بربارة تحمل ملامح القصة، وبعضها هي قصص قصيرة جميلة وكاملة ولا غبار على رونقها القصصي اطلاقًا.

من البداية، بعد قراءتي لهذه النصوص، كان واضحًا لي أنى لن اكتب مستعرضًا نصوص شقائق الاسيل، انما ما انارته هذه النصوص من انطباعات وافكار ادبية ثقافية. ورغم ذلك أجد أنى مضطر للتلميح حول بعض جوانب الكتابة القصصية في “شقائق الاسيل”.

في احدى الندوات سمعت نقدًا حول فقدان قصص راوية للحوار. واضح ان للحوار جماليته المميزة إذا أحسن استعماله، وهو من أصعب المقاطع في اي عمل ادبي، ويشكل احيانًا المحور الاساسي لفهم شخصيات النص الأدبي (والروائي) ومبناها الفكري او الدرامي وردود فعلها ومبنى شخصياتها، واحيانًا يشكل الحوار حالة التصعيد الدرامي للقصة او الرواية، والحوار يسهل على القارئ فهم الشخصية وتناقضاتها، وميولها وطرق تفكيرها وردود فعلها مما يزيد من كثافة الاجواء القصصية. ولكن الحوار ايضًا، إذا لم يحسن استخدامه، يشكل الفشل الكامل في النص القصصي. وربما بذكاء ابتعدت راوية عن الحوار. رغم انه قائم في نصوصها. وقد لاحظت ان هذا ليس الجانب المميز في نصوصها ولا يخدم في حالة راوية المبنى القصصي… واحيانًا يبدو الحوار تقسيما للسرد ليس الا، وليس تفجيرًا لحالة درامية.

مثلاً في قصتها الاولى يدور الحوار بين بطلة القصة (هي) وبين الطبيب وتتبع برباره الشكل المسرحي في تسجيل الحوار. ورغم الجمالية الخاصة لفكرة هذه القصة، الا انها لم تستطع ان تثير الدهشة القصصية المطلوبة. والحوار كان جافًا. كان بإمكانها ان تصيغ الحوار بشكل مونولوج داخلي للبطلة، مع الاشارة الى الانفعالات للبطلة بنفس إطار المونولوج. ومع ذلك نحن نعالج ما قدمته لنا بربارة والحديث عما هو أفضل، يجيء من باب المقارنة والدلالات النقدية فقط.

لا بد من الاشارة الى جانب جوهري في هذا الابداع المميز، وهو كون راوية بربارة، ذات افق ثقافي واسع للغاية، غني عن القول ان ثقافتها العربية شامله، بحكم كونها متخصصة في التراث العربي وتعد لشهادة الدكتوارة في الادب العربي (حصلت على الشهادة). وانما هي، وهذا بارز وهام، مثقفة ذات آفاق عالمية. مثقفة تعيش عصرها بكل تفرعاته وامتداداته… مثقفة عصر العولمة. لم تغرق في التراث لتشدنا الى الماضي، لغويًا وفكرًا، انما جعلت من التراث ثراء للغة عربية تعيش عصر العولمة، مناخًا لغويًا وثقافيًا، انها بساطة تملك احساسًا بعصرها ومتطلباته اللغوية.

راوية بربارة تكتب نصوصًا لقارئ عولمي الثقافة، لقارئ لا يبحث عن الاسترخاء اثناء قراءة النص تم يغمض عينيه مستسلمًا للأحلام، انما لقارئ ابن عصرة… ابن عصر العولمة. ملم بثقافته وثقافة عالمه. ويقرأ ليفكر، واضح ان للقراءة متعة خاصة، والتفكير هو وجه آخر للمتعة. والا اي قيمة تبقى للإنسان إذا فقد متعة التفكير؟!

من هنا رؤيتي ان هذه النصوص تطرح فكرًا. قد يقول البعض ان راوية تطرح قضايا المرأة، هي حقًا تطرحها، ولكنها لا تطرحها لأنها امرأة، بل لما تشكله هذه القضية النسائية من اهمية في الرقي الثقافي والعلمي والاجتماعي لأي مجتمع كان، وانا، واكرر ما قلته في مناسبات ومقالات عدة، ارفض مصطلحات ومفاهيم تفرز بين الأدب عامة والأدب النسائي. الادب النسائي هو أدب بغض النظر عن جنس الكاتب وعن القضايا التي يطرحها. لا يوجد مثل هذا الشيء (أدب نسائي) الا في المخيلات التي ترى بالمرأة في المجتمعات الشرقية، حالة ثابتة من الدونية الاجتماعية والدونية الانسانية أيضا.

ادعى مثقف في أحد الندوات الأدبية، ان الدين كرم المرأة. لا أعرف مثل هذا الدين الذي كرم المرأة. كل الديانات التوحيدية أكدت دونية المرأة بشكل مذل وغير انساني. وهذه الفكرة عن دونية المرأة تسود ثقافتنا الشفهية وأمثالنا وصلواتنا. وكثيرا ما نتظاهر بتقدميتنا معلنين اعترافنا الأبوي بمساواة المرأة، بالطبع لا نتردد بإقرار المساواة لكل النساء اللواتي خارج سلطتنا، اما نساءنا، فالويل لمن يجرؤ على المناداة بمساواتهن. هذا هو الحد !!

مجرد طرح اصطلاح “الادب النسائي”، هو نظرة دونيه للمرأة، وكأنها تكتب لترثي واقعها الشرقي وتستجدي بعض الاعتراف من عالم الفحول. ان الادب الذي تقف وراءه اقلام نسائية، يطرح ببراعة قضايا مجتمعنا بكل امتداداتها السياسية والاجتماعية والحضارية ويجب التعامل معه كأدب، ودون التمترس وراء اصطلاح “النسائي”.

على الاقل لنحقق المساواة للمرأة في ساحة الادب والادباء ، الساحة المليئة بالإقرار الرسمي ، على الأقل بحق المساواة.

وها هي راوية بربارة تقدم أفضل شهادة على قدرة المرأة على التفوق !!

هذا المنشور نشر في آراء الكتاب, المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s