آراء الكتاب: الرد الاستراتيجي على الانحدار في مستنقع التطبيع – بقلم: عبدالله سلمان الخطيب (فلسطين المحتلة)

بعد اجتماع الجامعة العربية الأخير ورفضها لإدانة التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني ، وهذا بدوره سيشجع آخرين للانحدار لذات المستنقع  كما غرقت الإمارات فيه ، وهم أنفسهم سيكونوا اول المتضررين والخاسرين والمتشبعين بالنتانة والأيام ستثبت ذلك .يجب الانتباه إلى مسألة مهمة في تغير عميق لدى هذه الأنظمة التي كانت تستخدم القضية الفلسطينية ودعمها الشكلي المحدود كغطاء الشرعية وجودها في ظل غياب الديمقراطية او حتى الشكل المؤسسي لبنية النظام او حتى دستور واضح ،حيث أنها في الغالب تحديدا بلدان الخليج التي تحكمها عائلات .. وإضافة لافتقادها لشرعية وجودها لا تنمية ولا صناعة ولا إنتاج ثقافي وعلمي معتبر ، إنما دول استهلاكية تعتمد على النفط الذي سينضب يوما ما او لن يصبح بذات الأهمية في حال إيجاد بدائل للطاقة اقل ضررا وارخص تكلفة .. هذه الأنظمة التي لم تكن داعما حقيقيا للقضية الفلسطينية والكثير منها كان على علاقة سرية مع دولة الكيان ،إنما كانت تخشى إعلانها وكانت تدعم الثورة الفلسطينية ماليا حتى تستمر في استخدام هذا الغطاء المهم لشرعية وجودها ، وتادية لدور وظيفي مطلوب أمريكيا. السؤال المهم ما هي المتغيرات التي حصلت وجعلت هذه الأنظمة تكشف عن نتانتها ودورها الوظيفي الحقيقي وتتخلى عن غطاء شرعيتها لعدة عقود بشكل فج ووقح امام شعوبها ؟؟

بداية النظام العربي الرسمي الذي هيمن عليه الدول الوظيفية في الخليج تحت الأوامر الأمريكية من خلال اداة الجامعة العربية بدأ منذ تدمير العراق وجيشه واحتلاله بعد أن تم دفعه لحرب عبثية  انهكته مع إيران بعد قيام الثورة الإسلامية فيها التي أعلنت انحيازها منذ البداية لصالح القضية الفلسطينية ، كان لهذه الأنظمة دور كبير في ذلك حيث مولت العدوان الأمريكي وانطلق من أراضيها..تاليا كان الربيع العربي المزعوم الذي قاده برنارد ليفي وايضا بتمويل من هذه الدول ذاتها التي استحضرت مرتزقة تحت مسمى مجاهدين لتدمير سوريا بشكل أساسي لما تمثله سوريا وموقفها السياسي الثابت والذي كان جدارا منيعا امام انهيار واستسلام هذه الثلة امام دولة الكيان .. كذلك كانت سوريا هي المانع الرئيسي لهيمنة هذه الدول الوظيفية على الجامعة العربية .. واحيلكم لما قاله رئيس وزراء ووزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم في لقاء تلفزيوني .اذا على المستوى الإقليمي تم تدمير العراق ولا زال العدوان مستمر على سوريا وتم النجاح في التخلص منها في الجامعة العربية ليسهل تمرير كل ما نرى الآن.. تم تدمير ليبيا والعدوان مستمر على اليمن والغنوشي في تونس يرفض تمرير مشروع تجريم التطبيع ،،واللبواني المعارض السوري المحسوب على الاخوان يزور دولة الكيان.. والقرضاوي يدعو الامريكان للعدوان على سوريا غضبة لله ويطمئنهم على دولة الكيان، ويفتي بقتل القذافي وقتل اي مؤيد للسلطة او يعمل فيها حتى لو مدرس في سوريا وكل ذلك على الهواء مباشرة .. بدء الضخ الطائفي وتحديدا من أعلام هذه الدول الوظيفية وطبعا ممن يقف خلف الثورات المزعومة لتحويل الصراع من صراع سياسي واضح المعالم في وجود عدو مركزي متمثل في دولة الكيان الصهيوني ،إلى صراع طائفي مذهبي يراد منه استحداث عدو جديد خدمة لدولة الكيان متمثل بإيران المناصرة والداعمة لقضيتنا الفلسطينية والتي لا تشكل أي خطر على امتنا.. بل بالعكس يمكن أن تعتبر حليف مهم لنا .. كل هذا التشوه في حقيقة الصراع بهدف إلى اغراقنا في حروب دموية داخلية لن تنتهي بعد مئة عام وتفتيت المنطقة على  أساس طائفي تحقيقا للمشروع الأمريكي الصهيوني وتمهيدا لما نراه من انهيارات نحو مستنقع التطبيع  .. اي خلط هذا واي تحطيم لكل المفاهيم والثوابت ليس في امتنا وحدها وانما في اي امة .إضافة إلى تخلي السيسي عن دور مصر الريادي ليتحول إلى متسول وتحت عباءة ابن سلمان وابن زايد .

على مستوى آخر ومهم .. ولا ضير ان نراجع انفسنا واخطاءنا الاستراتيجية حتى نستطيع الانطلاق مرة أخرى مستفيدين من التجربة المريرة والطويلة ، وهذا من باب التذكير لا الجلد، ومن باب متطلبات التغيير .فكما أن الاستعانة بالاستعمار في ما يسمى بالربيع العربي أصبح مباحا ” فالثائر ” على الأرض بكلاشنكوف وفي السماء طائرات الناتو تقصف الجيش العربي على الأرض ابن ذات الوطن والدين والأصول ” للثائر” كل هذا وما شاكلها حطم ثوابت أساسية للامة وبديهيات لأي وطن وامة .. كذلك كانت كارثة أوسلو منعطف حادا في تاريخ قضيتنا بما أنتجته  على الصعيد الداخلي وعلى اصطفافنا السياسي وتحالفاتنا الخاطئة استراتيجيا حيث كانت مع الدول الوظيفية في الخليج والأمريكان على حساب القوى الثورية في الأمة العربية والدول الممانعة العربية والإسلامية.. وهذا طبعا ساهم في ما وصلنا إليه وافقدنا قدرة رفع الغطاء عن نظام ينحدر نحو مستنقع التطبيع ..

الحقيقة اننا بأيدينا مزقنا هذا الغطاء من خلال رهاننا على وهم الغطاء الأمريكي. هذا الاتفاق الكارثة الذي أنتج بيئة جديد وتحطم قيم سامية تمثل بها شعبنا في كل مراحل نضاله وتجلت في الانتفاضة الأولى..هذا الكارثة  حجم اداة القياس الواضحة لشعبنا وأصاب ثوابتنا ومرجعيتنا الوطنية بالتصدع ،فكان بديهيا أن تتشكل طبقات وقيادات تربطها علاقات مصلحية مع هذه الدول الوظيفية والأمريكان وضمنيا مع الاحتلال لا علاقة لها بالنضال ولا قدرة على المواجهة وبذلك تم استنهاض أشكال متخلفة على حساب الحركة الوطنية والثورية  كنا قد حاربناها سابقا ،وأصبحت واقعا بحكم الحالة الجديدة ،، وأصبحت السلطة المكبلة بالاتفاقيات والاشتراطات هي مركز القرار على حساب منظمة التحرير التي تهمشت وتهشمت. هذه السلطة التي تعتمد في وجودها والقيام بمسؤولياتها على الدعم الخارجي بما فيه الخليجي والذي جعل خطابنا ومواقفنا متساوقا معها .الحقيقة أنه قبل أوسلو حين كنا مقاتلين وفاعلين على الأرض ،كانت هذه الأنظمة لا تجرؤ على القيام بخطوات اقل بكثير مما فعلت ، بل كانت لا تجرؤ على إطلاق النباحين لديها لتشويه صورة الفلسطيني في الإعلام تمهيدا للانحدار ، وهذا ليس خوفا منا  .. انما لاننا حين كنا مقاتلين كنا نمثل كرامة كل عربي ذاق مرارة الهزيمة والاستسلام ،وبذلك نحظى بحواضن شعبية تمتد من طنجة إلى جاكرتا …

فرق كبير في الصورة بين فدائي مقاتل لا يهاب مواجهة أكبر ترسانة عسكرية في المنطقة ،بل ويهزمها بدمائه وبين صورة سلطة لا حول ولا قوة لها متهمة بالفساد ولا خيار في خطابها سوى المفاوضات وتسول المال  حتى وإن تم التهويل بالامر ولم تكن مبررا لما فعلته هذه الأنظمة ولكن هذه كانت مداخل لتشويه صورة الفلسطيني وعدم الحاجة لهذا الغطاء والتخلص منه دون الانكشاف امام الجماهير ..  مع هذا لا نجد ردا سياسيا مقنعا وحاسما   وصارما.ناهيك عن وقاحة من اخذ على شعبنا حرق صور ابن زايد .في المقابل كان هنالك أخطاء أيضا استراتيجية جسيمة بالطرف الآخر سياسيا على المستوى الداخلي المتمثل في حركة حماس ” الاخوان” .. التي انقلبت على حلفائها الحقيقيين سوريا وحزب الله وإيران،  وأرتمت في أحضان قطر التي تلعب دورا وظيفيا مطلوب أمريكيا _ استمع لمقابلة حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري السابق _ في نظرية الاحتواء ، وقطر حينها كانت رأس الحربة في العدوان على سوريا الذي احتضنت حماس لأكثر من عشرين عاما في اللحظة التي لم يستقبل قياداتها اي نظام . .. خطاب حماس وكوادرها الذي كان لا يخلو من لمز طائفي  أحيانا عل  لسان بعض الكوادر ، جعلنا نعتقد أن أمير قطر حينها حمد هو جيفارا العرب وانه صاحب منهج مختلف وانه أحكم حكام العرب، هذا صاحب الدور الوظيفي وعلى أرضه أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة واول من فتح علاقات علنية مع دولة الكيان .. ووضعت صورته في غزة مع إردوغان الحليف الاستراتيجي للصهاينة وعضو الناتو على انهم رجال القدس .. أخطأت حماس خطأ استراتيجيا باعتبارها رأس المقاومة في هذه الفترة أصر كثيرا  بقضيتنا الوطنية لصالح مشروع الاخوان في المنطقة.. كما أخطأت في دخولها لعبة أوسلو وغرقها في وحل السلطة .. هنا تحولت صورة الفدائي المبدئي إلى صورة المرتزق الذي لا يحمل اي ثوابت او وفاء .. فأنزلق بعض كوادرهم للخطاب الطائفي ضد الحلفاء الحقيقيين ..واصطفوا إلى جانب من يقيم علاقات مع دولة الكيان مثل قطر وعلاقات استراتيجية مثل تركيا حتى يصل باحد قيادات حماس للقول بأنه مستعدون ان يستشهدوا على شواطئ اسطنبول نصرة لاردوغان .. إردوغان صديق الصهاينة الذي كل ما فعله للمقاومة هو الضغط عليها للاعتراف بدولة الكيان وطرد صالح العاروري من أراضيها بناء على طلب أصدقائه الصهاينة .حين تقوم حركة مقاومة بكل هذا .. ما هي الرسالة التي تصل للاخرين ؟؟

وماذا تتوقع من المتربصين لأي مدخل يبررون فيه انحدارهم نحو  مستنقع التطبيع والتنصل من القضية الفلسطينية.. فما هو حلال على غيرهم لا يجوز أن يكون حرام عليهم …أضف إلى ذلك حالة الانقسام الفلسطيني التي لا تقل كارثية عن أوسلو وصفحة قاتمة في تاريخ شعبنا ، كان شماعة يوضع عليها كل موبقات هذا الانحدار التطبيعي..هذه الأخطاء الاستراتيجية من القيادات الفلسطينية من كل الأطياف تستوجب اعادة رسم استراتيجية جديدة .. وهي بالمناسبة ليست اختراع .. فلكم في التاريخ القريب وليس البعيد عبرة ..بعض البديهيات مهمة .. قضيتنا عادلة ، وكبيرة، وتأثيرها كبير ولها حضور اكيد في وجدان الأمة..تغيير خطابنا السياسي بشكل جذري وإعادة تشكيل اداة القياس من الثوابت الوطنية كما جاءت في الميثاق الوطني الفلسطيني ، وهذا أكبر عمل وطني ممكن ان تقدمة القيادة الحالية ،بعد كل اخفاقاتها وما اوصلتنا إليه حتى يذكرها الجيل بخير .. على الأقل اتركوا له فرصة ليقاوم وليصنع ثورته .قوة قضيتنا الموجودة فيها يتم إبرازها بالفعل على الأرض،  بالنضال بكافة الأشكال وعلى رأسها الكفاح المسلح .. فقط اذكر بعض شواهد التاريخ كادلة ..حين اتخذت فتح قرار المواجهة في الكرامة والتي اعتبرها البعض تهورا، جعل فتح تحظى بقاعدة جماهيرية كبيرة في كل الأمة وانضم للحركة الكثير الكثير ولم يكن أحد يعرف نظريتها الثورية او ان كانت تمتلك أيديولوجيا ام لا .. انضم لها اليساري والمتدين والملحد والماركسي والمسيحي والمسلم .. فتشكلت هويتها كحركة وطنية مقاتلة بوصلتها فلسطين .

ولكم في المشهد الذي استقبل فيه اسماعيل هنية في مخيم عين الحلوة في لبنان دلالة .. استقبل بكل هذا الحشد المهيب ليس لأنه اسماعيل هنية الذي يصلي الفروض ويصوم النوافل مثلا .. وليس لأنه يحمل فكرا إخوانيا .. انما لأنه يمثل مقاومة في ذهن الناس صمدت في أكثر من عدوان ، وتصدت لجبروت  وعنجهية الكيان ..هكذا كلن يستقبل ياسر عرفات.. وأبو جهاد ..وأبو اياد ..هكذا كان يستقبل المقاتلون ورموزهم .. هكذا يستقبل كل من يمثل مقاومة عل  الأرض. شعبنا لم بعدم الوسائل والأدوات والإبداع في النضال والكفاح.. من نموذج الكرامة وبيروت وصمود غزة حتى الانتفاضة الأولى المباركة كشكل حقيقي من المقاومة الشعبية الفعالة والمؤثرة .اعتقد انه اصبح لزاما على كل القوى إنجاز الوحدة الوطنية .. ولا يضر ان يعترف كل منا بإخطائه والتراجع عنها .. اذا فعلنا ذلك سنجد انفسنا نلتقي بذات المفترق الذي يفترض أن نكمل منه المسير نحو فلسطين كل فلسطين .. اعتقد حماس بدأت في ترميم علاقاتها وإعادة اصطفافها في المكان الصحيح بجانب مع دعمها قولا وفعلا وهذا جيد وعليها مراجعة جادة في ادبياتها لتكون حركة تحرر وطني بعيدا عن مشروع الاخوان في المنطقة  … وبدأت عجلة الوحدة التي نتمنى لها السير.. على الأقل في هذه المرحلة الدقيقة يجب أن يكون خطاب سياسي موحد لا يجامل المطبعين ولو يخجل من العلاقة الواضحة والصريحة مع من دعمنا وتصدى تاريخيا للتطبيع والاتفاقيات الهزيلة والاستسلام للمشروع الصهيوني الأمريكي متمثلا أولا في سوريا وإيران وحزب الله .اعادة نسج العلاقة مع القوى الثورية في الأمة العربية التي أهملت وخذلت لصالح العلاقات مع الأنظمة التي تنحدر الآن تباعا نحو مستنقع  التطبيع. حالة الصدام مع الاحتلال حتما ستغير البيئة وتنتج قيما جديدة وتلقائيا هذا التغير والبيئة الجديدة ستسقط كل الغث والطحالب الفاسدة التي نشأت وترعرعت في زمن الردة والركود .. وحتما ستسقط كل اتفاقات العار والخيانة وانظمتها .   عبدالله سلمان الخطيب فلسطين المحتلة                       

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s