آراء الكتاب (قصة قصيرة): عين زجاجية – بقلم: نسيبة مطلق

تذكر جيدا” ذلك النهار ، ستشتري بعض الثياب لترسلها لولدها، يحتاج بعض للثياب الداخلية ، سترسل له عطرا” برائحة النظافة، هكذا فكرت عرفت أنه سيسخر منها ،  باعتيلي عطرة لهون لك أمي؟

لكني أعرف انه يحتاج لذلك ، هكذا قالت في نفسها،

كانت الشوارع غريبة ، الشمس موجودة في السماء لكن برد الشتاء اقتحم شهر نيسان فأكله.

عليها ان تعبر الساحة الرئيسية لتذهب إلى  السوق .

جلبة كثيرة في الشوارع ، العديد من الرجال المسلحين ينتشرون في الشوارع ، استغربت هذا الانتشار الزائد عن عادتهم ، كانوا مثل قطيع جرذان يتجمع من مسارب مختلفة باتجاه هدف واحد.

 اشكالهم كانت مبعثرة  الهيئة ، شعر اشعث ثياب عسكرية مختلفة الالوان يحملون بنادقهم كما يحملون السكاكين، عندما اقتربت من الساحة لاحظت ازدياد الجلبة ، حتى اصطدم بها شاب يركض عكس اتجاهها  مسرعا يخبط راسه بيديه ،يشد شعره ، مستنفر كأنه رأى شبحا”، هذا كفر …  كفر ، يا شحاري على هالمصيبة ، يردد هذه الكلمات بسرعة و بتلعثم

سقط قلبها من الخوف ،حاولت ايقافه لتستفسر لكن عبثا”، لم يرها نهائيا” حتى يستجيب لطلبها

لاحظت مرور سيارة من أول الشارع لآخره و هي تقطع الساحة ، تجر شيئا” خلفها لم يتضح جيدا” مالذي تجره، الغبار يرتفع عاليا” ،لمحت شيئا بلا لون.

فجأة توقفت السيارة تجمعت الناس نزل مسلحون بلحى مشعثة و اغطية رأس ملفوفة باتقان، وقفوا حول السيارة ، وما كان مربوط بها أصدر صوت جر على الأرض يشبه صوت تمزق لحم الذبيحة، سمعت اصوات متعددة لناس تجمعت على شكل دائرة ، يسحلون جثة … يسحلون جثة ، حاولت الناس الاقتراب فارتفع صوت احد المسلحين ،ارجع لورا ولاك ،… حاول أحدهم الاقتراب ووجهه غاضب ،صرخ مستنكرا” ، شو عمتعملوا ؟

رفع أحد المسلحين بندقيته في وجهه ، ارجع لورا ولاك .. ارجع احسنلك ما نربطك  جنبه انت و عايش … ارجع ، قال الكلمة الأخيرة بصوت أعلى

، الرعب على وجه الرجل المعترض بدا واضحا” رعب أخرسه ، تراجع قليلا” ، ادار ظهره وهرب.

تحرك المسلحون حول الجثة كوحوش تدور حول فريسة ، وجوههم سوداء ،اجسادهم مستنفرة ، هذا جزاء الخونة ، صرخ أحدهم ، هذا جزاء من يناصر النظام ، كل الخونة سيلقون مصيره ، سننتصر .

ارتعش جسدها من حجم الغضب الذي ملأها ،شعرت بالعجز ، تحرك الناس أمامها بتموج لتنفرج فتحة امامها فترى جسدا” عاريا”على الأرض ،جثة عارية لشاب صغير السن شعره امتلأ بالغبار و ثيابه العسكرية معلقة بقدميه ، الدماء تسيل من رأسه  المشوه بالرصاص ، و ظهره مليء بالجروح و أثر رصاصة أخرى يخترق ظهره

أغلقت عينيها فزعا”،نظرت في وجوه الرجال الذين يتحلقون حول المشهد، رأت غضب مكتوم و عجز و رأت لامبالاة، رجال هربوا من هول العجز، ومارة لم يتوقفوا حتى لكي يعرفوا مالذي يحدث ، سيارات تجاوزت المشهد بسرعة لم ترغب بالتوقف لكي لا تعرف ماذا يحدث ، فالجهل نجاة 

وحده فقط كان يقف حول الجثة يتأملها بهدوء و يبتسم تلك الابتسامة ذاتها التي يبتسمها في الاجتماعات الحزبية وعند تملقه للمسؤولين الكبار، منذ ان عرفته بالوظيفة .

قلبوا الجسد الابيض ليظهر وجهه للناس ، وجه مشوه ،أفرغته الرصاصة من المخ ، لكن أحلامه و رغباته مازالت تحوم فوق رأسه ، رأتها فعلا” ، رأت صورة الفتاة التي يحب، رأت ابتسامته و هو يناكف أمه ، رأت خوفه و شجاعته عند الموت ، رأت كل هذا يحوم فوق رأسه و يرفض المغادرة، اعتقدت أنها قد جنت ، لكنها تقسم أنها رأت كل هذا. يشبه ابني ، هكذا قالت في نفسها ، من عمره تقريبا ، أرادت القفز نحوه لتغطي جسده  بيديها ، لتحمي وجه ولدها لكن قدماها لم تطيعاها ، بركت على الأرض بعدما أحست ان نفسها يسحب من صدرها ، اعادت الوقوف، تراجعت قليلا لتلتقط حائطا” لم تجده ، تسمرت في مكانها. لم تدر أين تذهب ، كيف تتجه  ، ماذا تفعل 

ركب المسلحون السيارة مرة أخرى ، اطلقوا الرصاص في السماء ليتفرق الناس ، احست أن رصاصة أزت قرب قدميها لتشعر بعدها أن شيئا” صلبا” ضرب عينها ، وضعت يديها على وجهها أحست بالدم يتدفق من عينها ، لم تر الظلام ، لم تر شيئا” ، فقط شعرت بالدم الحار، و بسهم اخترق عينها ، امسكت عينها بيديها الاثنتين بداية ، ثم اكتشفت أنها بحاجة ليدها لتستطيع أن تنهض، حاولت النهوض ثانية ، وثالثة .. ثم وقفت مترنحة ، الدم غطى ثيابها 

اختفى كل من في الشارع بثواني، بعدما جرت السيارة جسده بعيدا” ،أحست انها تتنفس هواء مليء برائحة الحظائر ، وأن كل القذارة دخلت صدرها، لم يكن شيء يتحرك حولها، كل شيء تجمد، مشت بسرعة لكن قدماها لن تطيعاها حاولت العودة الى  البيت لكن الطريق بدا طويلا جدا جدا ، رغم أحساسها أنها تركض بسرعة الريح  و لكنها تدرك من الشارع و الحيطان حولها أنها لم تتقدم كثيرا”، وان اللون الاحمر يغطي كل شيء، أخرجت الهاتف ، تعرف مكان الأرقام لكن أصبعها بدا ضخما” و الارقام تختفي مكانه و قائمة الأسماء لا تظهر، حاولت الاتصال بابنها، بعد عدة محاولات استطاعت الوصول لاسمه ضغطت على الاسم ،لكن لا تتلقى سوى صوت توت… توت  … أرادت البكاء لكن دموعها لم تنزل.

العجز ثانية إنه العجز ، الدم يملأ كل شيء، أحست بالدوار .

استيقظت في منزلها حيث جارتها كانت بجانبها، 

اعتقدت بداية أن ما رأته مجرد كابوس ،لكن وجود الشاش على عينها أرجعها للواقع، تذكرت كل شيء، لم تفهم مالذي تقوله جارتها، لكنها أدركت في عمق قلبها، أن العالم  العاجز الذي كانت تعيش به أصيب بالعور، و بات بحاجة لعين زجاجية ليتجمل.

نسيبة المطلق

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s