
لايمكن وأنت تقرأ هذه الكلمات المقتضبة السريعة الا ان تحس أنك مضطر للانحناء والبكاء .. وماأصعب ان يجتمع البكاء والانحناء .. ولايسعك وأنت تقرأ هذه الوصية الا أن تدرك أنك مضطر في أن لاتسرف في الكلام أمام جزالة المعنى والاستقامة في البيان وفصاحة الاختصار .. بل وأن تصمت أمام هذا البيان المقتضب لأنه أوسع من كل بيانات العرب جميعا الذين كتبوا في السلام مع الاسرائيليين والتطبيع والتخويف من التشيع والتخويف من التفكير والتيئيس من النهوض من اليأس .. ومااحتاجه العرب وكتّابهم من حبر ملأ المحيط الاطلسي بالحبر .. كله جف وصار ماء بلا لون بثلاث رصاصات ..
وهو بيان ابتلع كل ماأنتجته الماكينات التطبيعية وتجار الحبر والاقلام .. ويعجز كل مثقفي العرب وأدبائهم عن مجاراته ومضاهاة بلاغته ودرجة نقاوته .. فبلاغته وجزالته كمنت في بساطته وزهده وصراحته .. والكلام في الوصية كأنه ترجمة لأول كلمة نزلت في غار حراء: اقرأ .. كأنها شعاع ضوء انبثق من كلمة اقرأ .. التي تعني أن نقرأ وأن نفكر .. فالقراءة هي لاطلاق التفكير .. واطلاق الروح من سلطة الجسد ..
نعم انها تقول للعربي وللمسلم من جديد: اقرأ .. اقرأ .. اقرأ .. وطبعا لايحق لك بعد النزول الأول في حراء ان تقول: ماأنا بقارئ
هذه وصية تقول للعربي والمسلم: اسمع .. أبصر .. فكّر .. صوّب .. سدّد .. انفر .. أفق .. استيقط .. ارفض .. تمرد .. لاتستسلم .. لاتقبل .. لاتيأس .. لاتقبل الذل .. مت عظيما .. مت شجاعا .. اخجل من نفسك وأنت صامت .. اقطع أصبعك وأطعهم للثعالب اذا لم يتعلم معانقة الزناد ولم يتعلم أن ترفعه في وجه القتلة وعملاء القتلة .. اقطع لسانك وأطعمه للأسماك في حوض السمك ان تعلم الصمت .. اقطع أذنك وأطعمها للكلاب ان تعلمت أن لاتبالي وهي تسمع القنابل وهي تنهش لحوم الاطفال .. اياك ان تغفل .. واياك ان تصدق عدوك .. افتح عينيك ايها العربي .. افتح شابيك الروح ليدخل اليها هواء جديد عذب ذعذاع يحل محل العفن الذي تنشقته منذ الربيع العربي الذي ملأ روحك دخانا وسموما ..
هذا البيان يشبه زئيرا تسمعه الصحراء .. فيما كل ماكتبته ملايين المواقع العربية والصحراوية والنفطية طوال عقدين .. وكل عواء المثقفين المأجورين صار يشبه صقصقة العناكب الضعيفة .. فالعنكبوت الأم في فلسطين اهتز بيته من هدير زئير هذا الفارس .. وأبناء العنكبوت المنتشرون في كل زاوية ومكان في أرضنا العربية يكتبون لنا ويسممون ماءنا .. ولغتنا وديننا وعقولنا وفطرتنا وسلامنا واسلامنا وهواءنا ومذاهبنا .. كلهم اهتزوا بعنف وارتعدوا .. واختفت كلماتهم كما تختفي الوطاويط عندما يطلع أول خيط للفجر ..
هذه فعلا وصية فيها شعاع ضوء من “اقرأ” .. شعاع يهز الروح .. ويرجّها رجّا ..
