آراء الكتاب: العلويون – أبناء الدولة المغيّبون والجنود الصامتون لقضايا الأمة – بقلم النذير من الشرق

في قلب الجغرافيا السورية، وعلى امتداد الجبال والسهول، يعيش مكوّنٌ أصيل من نسيج الوطن، العلويون، الذين ورثوا الأرض كما ورثوا الولاء لها. هم ليسوا طارئين على التاريخ، ولا طارئين على الجغرافيا. عاشوا قرونًا في ظلال الخفاء، لا لأنهم أرادوا ذلك، بل لأن التاريخ لم يُنصفهم، والإعلام لم ينقل صوتهم، والسياسة كثيرًا ما استخدمتهم، لكنها قلّما أنصفتهم.

العلويون، أولئك الذين لم يرفعوا يومًا شعار الانفصال، ولم يطالبوا بدولة خاصة، رغم أنهم عاشوا التهميش والطمس المتعمد لهويتهم الثقافية والدينية. لم يسعوا لنشر شعائرهم أو فرض عاداتهم، بل آثروا الصمت والاندماج، يحملون الوطن على أكتافهم، بينما تُطمس لغتهم الرمزية، وتُختزل هويتهم في سرديات الآخرين.

في الوقت الذي ترفرف فيه رايات الانفصال في الشمال الشرقي بدعم أمريكي وتحت عباءة المشاريع الكردية، وفي الجنوب حيث تُمنح الحماية لدروز الجبل برعاية إسرائيلية، وفي الشمال الغربي حيث ترتفع أعلام المعارضة تحت وصاية تركية معلنة، لم يرفع العلويون شعارًا انفصاليًا، ولم يطالبوا بـ”جيب طائفي”، بل ظلّوا جنودًا أوفياء في مشروع الدولة المركزية، الدولة الواحدة، مهما تعددت خناجر الطعن في ظهرها.

بل كانوا في مقدمة من دعم المقاومة في لبنان، واحتضنوا قضايا الأمة، وعلى رأسها قضية فلسطين. لم تُقِم قرى العلويين مهرجانات انتصار، ولم تحتفل بخطب حماسية، لكنها كانت دائمًا قاعدة خلفية للثبات، وسندًا صامتًا للممانعة. لم يكن دعمهم انتقائيًا أو مشروطًا، بل كان التزامًا تاريخيًا بموقف، لا صفقة عابرة.

للعلويين تاريخ عريق في بناء الدولة، تعود جذوره إلى زمن جبلة بن الأيهم الغساني، الذي كان رمزًا للعرب المسيحيين في الشام، وإلى سيف الدولة الحمداني، الذي جعل من حلب عاصمة للثقافة والحضارة والمقاومة في آنٍ واحد. وفي العصر الحديث، كان العلويون من أبرز من ساهموا في بناء مؤسسات الدولة السورية، جيشًا وقانونًا وتعليمًا، وكانوا دومًا الرقم الثاني في الجغرافيا، لكنهم لم يطلبوا أن يكونوا الرقم الأول في الحكم، بل طالبوا بالعدل والمواطنة فقط.

إنهم لم يساوموا على وحدة البلاد، ولم يفتحوا حدودهم لأي احتلال أجنبي. لم تُغْرِهم العروض، ولم يسايروا مشاريع التقسيم، رغم أن كل مقومات المشروع الانفصالي كانت في متناولهم. لكنهم رفضوا، لأن مشروعهم كان – وما يزال – مشروع الدولة السورية، الواحدة، المتنوعة، المستقلة.

إن العلويين، باختصار، هم المكوّن الغائب في الخطاب الإعلامي، والحاضر دومًا في خطوط الدفاع. لا يسعون للضوء، ولا يطلبون المجد، لكنهم يدفعون أثمانًا باهظة عن قضايا تبنّوها بإخلاص، لا لمصلحة.

ربما آن الأوان أن يُكتب تاريخهم كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.

بقلم النذير من الشرق

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to آراء الكتاب: العلويون – أبناء الدولة المغيّبون والجنود الصامتون لقضايا الأمة – بقلم النذير من الشرق

  1. أفاتار سيزار حسين سيزار حسين كتب:

    تحياتي.. من سيكتب ؟ ومتى ؟

اترك رداً على سيزار حسين إلغاء الرد