أراء الكتاب: ناعورة الدم .. سيرة عنف .. لم نتعلم كيف نكسر دورتها – بقلم: الفينيق الأخير

سيرة عنف ….لم نتعلم كيف نكسر دورتها

حين يُكتب التاريخ من نهايته،

تبدو المدن كأنها استيقظت فجأة على الجنون.

لكن حماة لم تستيقظ.

حماة سارت إليه خطوة خطوة.

في الثاني من شباط/فبراير 2026، أحيت مدينة حماة ذكرى مرور أربعة وأربعين عامًا على أحداث عام 1982. 

جرى ذلك بتحميل كامل المسؤولية لنظام الرئيس حافظ الأسد، مع تبرئة شبه مطلقة للطرف المقابل، وبخطابٍ اتّسم بالتضخيم العددي والاختزال السياسي. 

هذا النمط من الإحياء لا يخدم الحقيقة ولا الذاكرة، لأنه يحوّل التاريخ إلى أداة إدانة أحادية، لا إلى درسٍ مركّب

—— الطريق إلى حماه:

في فجر الثاني من شباط عام 1982،

لم تبدأ المأساة بالدبابات،

ولا بالبيانات العسكرية،

ولا بصور الدمار التي ستملأ الشاشات لاحقًا.

بدأت في زقاق ضيق،

عند مدخل حارة الزنبقي، 

في قلب الحاضر،

حيث لم يكن هناك “تشبيح”، ولا “فلول”،

ولا مصطلحات جاهزة للاستهلاك السياسي.

كان هناك شابان فقط.

من أبناء المدينة. 

من لحمها وذاكرتها.

كانا يعرفان شيئًا واحدًا فقط:

أن غرباء عن الحارة،

من أبناء المدينة نفسها،

يريدون دخولها بالسلاح،

وأن ذلك يعني نهاية ما يعرفانه عن البيت والشارع و الليل.

لم يكن معهما بيان،

ولا قائد،

ولا كاميرا،

ولا وعد بالخلاص.

كان معهما سلاحان فرديان،

وإحساس ثقيل بأن شيئًا غريبًا يُراد فرضه على المدينة بالقوة.

قالت مكبرات الصوت من الجوامع: حيّ على الجهاد.

قالا، بلا خطابة: لن تمرّوا من هنا.

لم يكونا من الجيش،

ولا من الأمن،

ولا من حزب،

ولا من طائفة في حالة استنفار.

كانت بيوتهما ملاصقة لبيوت أبناء الطليعة المقاتلة.

و كانوا جيراناً من أبناء الحارة نفسها.

قاتلا من على أسطح بيوتهما،

يبدّلان الموقع،

يحسبان الرصاصة،

ويعرفان أن الذخيرة أقلّ من الصباح.

حين نفدت الذخيرة،

لم ينسحبا،

ولم يُساوما،

ولم يُلقيا السلاح.

سقطا هناك،

على أسطح المنازل التي ولدوا فيها،

قبل أن يدخل الجيش بأيام،

وقبل أن تُكتب المأساة،

وقبل أن يُختزل كل شيء في رواية واحدة.

هذان الشابان لا يذكرهما أحد.

لا صورة لهما في الذاكرة العامة،

ولا اسم في الخطب،

ولا شاهد قبر يتّسع لسرد قصتهما.

فحمزة لا بواكي له.

لكن في موتهما،

كان هناك جواب مبكّر على كل الأسئلة التي ستأتي لاحقًا:

أن حماة لم تكن مدينةً واحدة،

ولا قلباً واحداً،

ولا رواية واحدة.

وأن أول من قاوم السقوط…

لم يكن الدولة،

بل شابّان قالا “لا”

حين كان قولهما يساوي الحياة.

في فجر الثاني من شباط، 

حين أُعلنت حماة “ساقطة” من مآذنها،

لم تكن المدينة قد اتفقت بعد على معنى السقوط.

في الأزقة نفسها،

كان هناك من صدّق النداء،

ومن ارتاب به،

ومن خاف،

ومن أغلق بابه،

ومن صعد إلى السطح حاملاً بندقية قديمة لأنه لم يعرف ماذا يفعل غير ذلك.

الطليعة المقاتلة لم تدخل مدينة نائمة،

بل مدينة منقسمة على نفسها.

لم تدخل لتقود ثورة،

بل لتفرض خيارًا واحدًا بالسلاح.

أقامت محاكم ميدانية،

رفعت قوائم سوداء،

حدّدت أسماء أطباء وضباط وأكاديميين.

في حمّام الشيخ، في قلب حارة الكيلانية،

(على بعد خطوات من المكان الذي سقط فيه الشابان)،

قُطعت رؤوس لا لأنها ارتكبت جريمة،

بل لأنها لم تنتمِ إلى الرواية المطلوبة.

هذه المدينة لم تكن مسالمة كما صُوّرت لاحقًا،

ولا متمرّدة كما صُوّرت قبلها أو خلالها.

كانت مدينة تُسحب إلى مواجهة لم تختر توقيتها ولا شكلها.

—— نحو ذاكرة مسؤولة:

ما جرى في حماة لا يُفهم إلا بالعودة إلى ما قبل شباط 1982،

إلى السبعينيات،

حين قررت الطليعة المقاتلة—الذراع العسكري لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا—أن إسقاط النظام واجب، 

وأن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر السياسة،

بل عبر الدم.

لم تكن الطليعة المقاتلة حزبًا معارضًا بالمعنى التقليدي،

ولا حركة احتجاج،

ولا تيارًا إصلاحيًا.

كانت كيانًا صداميًا إقصائيًا،

لا يعترف بالتعددية،

ولا يرى في المجتمع إلا معسكرين:

معنا أو ضدنا.

منذ منتصف السبعينيات،

باشرت سلسلة اغتيالات ممنهجة:

أطباء،

أكاديميون،

علماء،

ضباط.

بلغت ذروتها في مجزرة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979،

ثم بمحاولتي اغتيال لرئيس الجمهورية،

وبمحاولات فرض سيطرة مسلّحة على أحياء في مدن سورية، كانت حماة وحلب في طليعتها.

لم تكن هذه المجموعة محلية معزولة.

كانت جزءًا من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين،

ومدعومة سياسيًا وأمنيًا من جناح بغداد لحزب البعث في سياق صراعه مع دمشق،

ومسنودة بتمويل من دول إقليمية وخليجية رأت في سوريا ساحة كسر.

الهدف لم يكن إصلاح الدولة،

بل دفعها إلى مواجهة مفتوحة،

إلى عنف طائفي،

إلى تفكيك المجتمع من الداخل.

خلال هذه السنوات،

لم تلجأ الدولة فورًا إلى الحسم العسكري.

حاولت التفاوض.

أُرسلت وفود من دمشق،

ووفود من حماة نفسها.

طُرحت صيغ إدماج،

وعُرضت مشاركة،

وطُلب وقف الدم.

قوبلت كل هذه المحاولات برفض قاطع.

لأن التنظيم لم يكن يعترف بشرعية الدولة أصلًا،

ولا يرى في التعدد شريكًا، بل عائقًا.

وحين سيطرت الطليعة المقاتلة على أجزاء من مدينة حماة،

وانتقلت من الاغتيال إلى إعلان السيطرة،

دخلت الدولة في مواجهة عسكرية شاملة.

دخل الجيش مدينة لا يعرفها.

تعامل مع الحارات كملفات،

ومع البيوت كخنادق.

و هنا وقع الانزلاق الكبير.

لم يفرّق في كثير من الأحيان بين مسلح ومدني.

سقط آلاف الأبرياء.

هُدمت منازل وحارات كاملة،

ومنها الحارة التي سقط فيها الشابان اللذان حاولا، بأسلحتهما الفردية، منع سقوط حارتهما.

ما جرى يمكن تفسيره،

لكن لا يمكن تبريره،

ولا التقليل من فداحته.

تحويله إلى حرب طائفية بين “نظام علوي” و“مدينة سنية”

ليس تفسيرًا،

بل تزويراً.

فالبنية الصلبة للنظام السوري آنذاك لم تكن طائفية.

في قلب السلطة،

كان رجال من الطائفة السنية يشكّلون أعمدة الحكم:

من وزير الدفاع مصطفى طلاس، إلى رئيس الأركان حكمت الشهابي

إلى قيادات عسكرية وسياسية، أمثال عبد الحليم خدام، عبد الله الأحمر، زهير مشارقة و غيرهم.

إضافة إلى عشرات الضباط و الوزراء الكبار.

وفي البنية العسكرية تحديدًا،

كان هناك ضباط سنة من مدينة حماة نفسها،

فاعلون ومؤثرون،

ومدرجون على قوائم الاغتيال للطليعة المقاتلة،

أمثال: حمدون، القوشجي، المدني، و ابراهيم العمر..

لم ينشقّ أيٌّ منهم احتجاجاً على ما حدث.

لم يغادروا البلاد،

مع أن أبواب العواصم الإقليمية والغربية كانت مفتوحة لهم.

بقوا،

لأنهم كانوا يرون المواجهة مع تنظيم مسلح يريد إسقاط الدولة، لا حربًا على مدينتهم أو طائفتهم.

بعد سبعة وعشرين يومًا،

سُحق التمرّد،

وسُحقت معه المدينة.

كثيرون لم يُقتلوا هناك،

بل اختفوا.

دخلوا المعتقلات، وخرجوا منها بعد عقود،

أو لم يخرجوا أبدًا.

غابت وجوه، وتيبّست أعمار، وتحوّل الانتظار إلى مهنة.

—— العلاج بالصمت: 

خرجت حماة من الركام،

لا لتُسأل عمّا جرى،

بل لتُطالَب بالصمت.

ثمانية عشر عامًا في عهد حافظ الأسد،

وأحد عشر عامًا في عهد بشار الأسد،

كان يمكن خلالها أن يُقال شيء واحد فقط:

نعم، أخطأنا.

نعم، قُتل أبرياء.

نعم، كان يجب أن نداوي الجرح.

لم تبدأ المعالجة

لم تُطرح أسئلة، 

ولم تُكتب رواية رسمية تعترف، 

ولم تُفتح ملفات.

لم يُسمَّ القتيل قتيلًا، ولا المخفي مخفيًا، ولا الخطأ خطأً.

لكن الصمت اختير علاجًا.

والجرح الذي لا يُفتح ليُشفى،

يتحوّل إلى شيء آخر.

 توقفت ناعورة الدم عن الدوران في العلن.

سكن صوتها، وانقطع الأنين الذي اعتادت المدينة أن تسمعه كل صباح.

ظنّ كثيرون أن الماء هدأ، 

وأن الخشب تعب، 

وأن الحجر كفّ عن الطحن.

لكن ما لا يُرى كان أعمق.

تحت الناعورة، في الجُغْل

تلك الحفرة الحجرية الغارقة تحت الماء،

حيث لا يصل الضوء،

وحيث من يسقط لا يخرج —

كان شيءٌ ما عالقًا.

ومن هنا،

لم يكن الصمت شفاءً،

بل حبْسًا للكارثة في مكانٍ أعمق،

إلى أن يأتي زمن

لا تعود فيه الناعورة بحاجة إلى دوران،

لأن ما في الجُغْل

سيخرج وحده، 

وحين سقط النظام عام 2024،

خرج ما في الجُغْل.

بذاكرة أحادية،

القادة الإخوانيون الذي خرجوا أثناء اجتياح المدينة في الثمانينيات، 

و تركوا المجتمع ليُسحق باسمهم، 

عادوا بعد 2024 لتحريك الدم من جديد.

وفي هذا السياق، 

كان المؤلم أن تُستعاد حماة، 

لا بوصفها درسًا، 

بل بوصفها أداة تعبئة.

المدينة التي دفعت ثمن العنف باكرًا، 

والتي ذاقت معنى العقاب الجماعي، 

كان يُفترض أن تكون الأكثر حذرًا من لغته، 

والأكثر وعيًا بعواقبه.

كان يُفترض أن يكون جرحها حصانة أخلاقية، لا وقودًا.

لكن ذلك لم يحدث.

أعلنت سلطة الأمر الواقع النفير العام!

فارتفعت، من بعض منابر حماه وأصواتها، 

لغة تحريضٍ فجّة على مجازر الساحل، 

وعلى ما جرى لاحقًا في السويداء

للأسف، استُخدمت مأساة حماة

-و بشكل متعمد-

كترخيص أخلاقي لارتكاب مجازر جديدة

فتحولت المدينة من ضحية إلى جلاد.

وهنا تتعرّى المأساة كاملة:

لسنا خارج التاريخ،

نحن عالقون فيه.

ما زلنا نفكّر بمنطق القبيلة،

نفهم العدالة بوصفها ثأرًا،

ونستخدم الذاكرة سلاحًا لا درسًا.

‏إذا لم نتعلم كيف نوقف ناعورة الدم،

 وكيف نداوي الجرح،

فسوف يستمر الدم بالجريان..

حتى يصبح في كل قلب جرح، 

وفي كل بيت مأساة،

و في كل أرض كربلاء.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to أراء الكتاب: ناعورة الدم .. سيرة عنف .. لم نتعلم كيف نكسر دورتها – بقلم: الفينيق الأخير

  1. أفاتار speedilyccdc513c78 speedilyccdc513c78 كتب:
    • إضافة إلى ماتفضلت به ، لا ننس التفجيرات والباصات المفخخة التي كان يضعها المجرمين من عصابات الاخوان المسلمين على شكل أمتعة مفخخة و يقتل فيها من النساء والأطفال والرجال الأبرياء المسافرين والتي استمرت مجازرها حتى عام ١٩٨٨ .

اترك رداً على speedilyccdc513c78 إلغاء الرد