
ردّاً على الأخ الحاج العزيز #نواف#الموسوي،
سنجعل #موسويَّ الأمس يردّ على #موسويِّ اليوم، لا قدحاً ولا انتقاصاً، بل حرصاً على وضوح الموقف وصيانة المعنى الذي حملتموه #للناس سنواتٍ طويلة.
أخي #نواف،ألستَ من قلتَ عام ٢٠١١ إن ما يجري في #سوريا ليس ثورة شعبية بل مشروعٌ إرهابيٌّ يُدار من الخارج؟ألستَ من قلتَ عام ٢٠١٢ إن الجيش السوري هو درع #العرب#والمسلمين؟ألستَ من وقفتَ عام ٢٠١٦ تتحدث عن الرئيس #بشار_الأسد بوصفه رجلاً يقاتل العالم وسيَنتصر، وأن صموده سيغيّر وجه المنطقة والتاريخ؟ألستَ من أكّدتَ مراراً أنّ سوريا كانت خطَّ الدفاع الأخير عن قضايا الأمة، وأن شعبها بكل مكوّناته كان سنداً للمقاومة لا عبئاً عليها؟
فكيف يستقيم اليوم أن يتحوّل من وصفتم مشروعه بالخطر إلى “أخٍ واعٍ وعاقل”
كيف يصير #الجولاني احمداً و شرعاً لمجرّد أنّه لا يريد إعلان العداء المباشر؟ومنذ متى كانت مدارس العقيدة تُقاس ببرودة الخصومة لا بثبات الموقف؟وهل يكفي المقاوم أن يُؤجَّل استهدافه حتى يمنح خصمه صكَّ العقل والحكمة؟
يا أخي العزيز،ثمة فرقٌ كبير بين السياسة والمبدأ،بين المرونة والتنازل،بين أخلاق أهل البيت وتسويق الضرورات على أنّها فضائل.
إن مدرسة عليّ بن أبي طالب لم تكن مدرسة مساومةٍ على الحقّ مقابل الأمان.عليٌّ الذي قال: “والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جِلبَ شعيرةٍ ما فعلت”.وعليٌّ الذي كان يطفئ شمعة بيت المال إذا دخل حديثُه الشخصيّ كي لا يختلط حقّ الأمة بمصلحته الخاصة.وعليٌّ الذي أبقى قاتله يأكل ويشرب وقال: “أطعموه ممّا تأكلون واسقوه ممّا تشربون”.هذا الإمام لم يكن يرى العدالة موقفاً ظرفياً بل تكليفاً أخلاقياً لا يتغيّر بتغيّر الموازين.
وهل كان الحسين عليه السلام يفتّش عن تسويةٍ تحفظ له مكانته الشخصية؟لقد عُرضت عليه الدنيا كلّها مقابل كلمة مهادنة، فاختار أن يقول: “هيهات منّا الذلّة”.لم يكن يقاتل لأنّه يضمن النصر العسكري، بل لأنّ الكرامة عند أهل البيت قيمةٌ تعلو على الحسابات.ولو كان منطق “خفض العداء” كافياً عند الأئمة، لما وقف الحسين في وجه يزيد أصلًا، ولما استشهد أهل كربلاء جميعاً دفاعاً عن معنى الحقّ.
إنّ أهل البيت لم يكونوا مدرسةَ انتقام، لكنّهم أيضاً لم يكونوا مدرسةَ تبرير.كانوا أهلَ رحمةٍ نعم، لكنّ الرحمة عندهم لا تعني تلميع الباطل،وكانوا أهلَ حكمةٍ نعم، لكنّ الحكمة عندهم لا تعني منح الشرعية للقاتل المجرم
وهل ترضى أيُّ حركة مقاومةٍ حقيقية عن الكيان الصهيوني لو أعاد بعض الأرض بينما بقي المشروع قائماً؟وهل القضية قضية حدودٍ فقط أم قضية نهجٍ وهويةٍ وكرامة؟إذاً لماذا يصبح الحدّ الأدنى من “عدم العداء” إنجازاً يُبنى عليه خطابُ مديحٍ أخلاقي؟
يا أخي نواف،إنّ المقاوم الحقيقي لا يظهر بمظهر المتسوّل الباحث عن حياد خصومه،بل بمظهر الواثق من عدالة قضيته ولو وقف وحيداً.ونحن نعرف أنّكم أكبر من أن تختصروا تاريخاً كاملاً من التضحيات ببضع عباراتٍ ملتبسة.
إيّاكم أن تجعلوا للشيطان كرسياً نورانياً في عالم الملائكة.إيّاكم أن تُلبسوا البراغماتية ثوب العقيدة.فأنتم أبناء مدرسةٍ بقيت ألفاً وأربعمئة سنة وهي ترفض بيع المبدأ تحت أي ظرف،مدرسةٍ أولُ أئمتها عليٌّ ميزان العدالة،وأوسطُ رجالها الحسينُ سيّد الكرامة،وفي هذا العصر سيّد شهدائها القائل:“إن موقفنا من سوريا لم يكن دفاعاً عن نظامٍ أو شخصٍ أو حكم، بل تكليفاً أخلاقياً فرضته الشرائع الربانية”.
فاستذكروا سيّدكم خيراً،واستذكروا دماء الذين صدّقوا هذا الخطاب وآمنوا به،وتذكّروا أنّ التاريخ لا ينسى،وأنّ الكلمة حين تخرج من أفواه الرجال الكبار تصبح جزءاً من ذاكرة الأمة لا مجرّد رأيٍ عابر.
ولك منّا كل الاحترام،ولن تسمح بضعُ عباراتٍ طارئة أن تُنسينا أنّك موسويُّ العقل والوجدان والموقف،لكنّ المحبّ الصادق هو من يذكّر لا من يصفّق،ومن يصون الإرث لا من يبرّر انكسارات اللحظة.
ختاماً، احترموا دماءَ شهدائكم وشهدائنا التي امتزجت على التراب السوري، لا كرمى للسياسة ولا للمصالح العابرة، بل كرمى للحقّ والحقيقة والشرف.
احترموا وصايا الذين رحلوا وهم يظنون أنّهم يدافعون عن قضيةٍ مقدّسة لا عن تفاهماتٍ مؤقتة، واحفظوا للتضحيات معناها، لأنّ الدم إذا فَقَدَ قداسته في الوجدان سقطت كلّ الشعارات بعده.
فلا تجعلوا أمهات الشهداء يشعرن أنّ أبناءهن كانوا وقودَ مرحلةٍ ثم جرى تبديل اللغة والمواقف عند أوّل منعطف، ولا تسمحوا للتاريخ أن يكتب أنّ رجالاً حملوا رايات العقيدة لعقود انتهوا إلى تبرير ما كانوا يعتبرونه خطراً وجودياً على الأمة.
إنّ الشهداء لا يطلبون منّا خطاباً متشنجاً، لكنّهم يستحقّون على الأقل وفاءً أخلاقياً لا يتبدّل، وموقفاً يحترم معنى الدم الذي سُفك دفاعاً عمّا قيل لنا إنّه حقٌّ وعدالةٌ وكرامة.
======================================
رابط المقال: