
في كل عصرٍ يخرج من بين الناس من يظن أن العدالة يمكن أن تُختصر في كلمة واحدة
“هم”.
هم المسؤولون.
هم المذنبون.
هم الذين يجب أن يدفعوا الثمن.
وهكذا تبدأ المآسي الكبرى في التاريخ؛
لا حين يرتكب المجرم جريمته،
بل حين يقتنع المجتمع بأن ذنب المجرم يمكن أن يُوزَّع على جماعة كاملة،
وأن العقوبة يمكن أن تُفرض على الأبرياء لأنهم يشبهون الجاني في الاسم أو المذهب أو العرق أو القبيلة.
فالجريمة الفردية، مهما عظمت، تبقى أصغر من أن تُحمَّل على أكتاف الملايين.
أما الظلم الجماعي فهو الجريمة التي تتكاثر وتلد نفسها في كل جيل.
في سوريا اليوم ترتفع أصوات تدعو إلى مقاطعة فئة كاملة من السوريين، وإلى محاصرتها اجتماعياً واقتصادياً وأخلاقياً، لا لأن القضاء قال كلمته، ولا لأن الأدلة اكتملت، بل لأن فرداً ما اتُّهم أو أُدين أو نُسب إليه فعلٌ ما.
فتُرفع الشعارات.
وتُكتب المنشورات.
وتُطلق الدعوات إلى القطيعة.
“لا تشتروا منهم.”
“لا تتزوجوا منهم.”
“لا تدعوا أبناءكم يتحدثون إليهم.”
وكأننا لم نتعلم شيئاً من التاريخ.
وكأن البشرية لم تدفع من دمائها ما يكفي لتعرف أن الكراهية لا تبني وطناً، وأن العقاب الجماعي لا يصنع عدالة.
أيُّ منطقٍ هذا الذي يجعل ملايين البشر متهمين بسبب شخص واحد؟
وأيُّ ضميرٍ يقبل أن تتحول الهوية إلى تهمة، وأن يصبح الميلاد لائحة اتهام مفتوحة؟
فالعدالة لا تُقاس بمدى بشاعة الجريمة فحسب، بل بمدى نزاهة العقوبة أيضاً.
وحين تُحمَّل جماعة بأكملها مسؤولية فعل فرد، فإننا لا نكون أمام عدالة، بل أمام ثأرٍ جماعي يرتدي ثوب العدالة.
وقد عرف التاريخ هذا المشهد من قبل.
حين جهر محمد ﷺ بدعوته، لم تستطع قريش أن تهزمه بالحجة، فقررت أن تعاقب عشيرته كلها.
لم تقل: حاسبوا محمداً.
بل قالت: حاصروا بني هاشم.
لم تفرّق بين مؤمن وكافر، ولا بين مؤيد ومعارض.
فدخل الرجال والنساء والأطفال إلى الشِّعب
وجاعوا.
وعطشوا.
وبكى الصغار حتى سُمعت أصواتهم وراء الجبال.
ولم يكن ذنب أكثرهم إلا أنهم وُلدوا في العائلة المحاصرة.
ذلك هو منطق الحصار.
وذلك هو منطق الكراهية.
وذلك هو المنطق ذاته الذي يعود إلينا اليوم بثياب جديدة وأسماء جديدة.
لكن أكثر ما يثير التأمل في هذه الحملة ليس مضمونها فحسب، بل اسمها أيضاً:
“لست شجرة.”
وكأن المقصود أن يُقال للإنسان: لا تبقَ ساكناً، تحرك، قاطع، اعزل، خاصم، واقطع ما بينك وبين جارك وشريكك ومواطنك.
وأنا أقول:
نعم، لستُ شجرة.
ولذلك أستطيع أن أختار.
أستطيع أن أختار العدالة بدل الغضب.
وأستطيع أن أختار القانون بدل الثأر.
وأستطيع أن أختار الإنسان قبل الطائفة.
فالشجرة لا تستطيع أن تغير مكانها.
أما الإنسان فقد مُنح عقلاً وقلباً وضميراً.
وإذا كان معنى “لست شجرة” أن أتحرك لأقاطع بريئاً بسبب اسمه،
أو أعزل إنساناً بسبب مذهبه،
أو أحاسب جماعة كاملة على فعل فرد،
فإني أفضّل أن أبقى واقفاً حيث تقف العدالة.
لأن الحركة ليست فضيلة في ذاتها.
فالجموع تحركت خلف كل فتنة في التاريخ.
والحشود سارت وراء كل ظالم.
والكراهية أيضاً تتحرك.
أما الفضيلة الحقيقية فهي أن تعرف إلى أين تمضي.
و بمناسبة ذكرالأشجار، أقول للعلويين خاصة:
أنتم من أعمق الأشجار جذوراً في هذه الأرض.
ومن أشدها التصاقاً بترابها.
مرت عليكم إمبراطوريات لا تُحصى.
وجيوش لا تُعد.
وتبدلت رايات وحكومات ودول.
وانهارت عروش وقامت أخرى.
وبقيتم في مدنكم وجبالكم وقراكم وسواحلكم كما بقيت الأشجار العتيقة التي تضرب جذورها عميقاً في الأرض.
فأي عاقلٍ ، إن استطاع، يدعو إلى اقتلاع شجرة عمرها قرون لأن ثمرةً منها فسدت؟
وأي فلاحٍ حكيم يقطع الجذور لأنه رأى غصناً مريضاً؟
إذا فسدت ثمرة تُرمى.
وإذا مرض غصن يُعالج.
أما الشجرة فتُصان.
لأن الشجرة أكبر من ثمارها، وأبقى من أخطائها، وأعمق من موسمٍ عابر.
إن الذين يدعون إلى المقاطعة لا يهاجمون طائفة بعينها فحسب.
إنهم يهاجمون فكرة الوطن نفسها.
فالوطن ليس عقداً بين المتشابهين.
الوطن عقد بين المختلفين.
وحين يصبح الانتماء سبباً للمقاطعة، والمذهب سبباً للعزل، والاسم سبباً للريبة، فإننا لا نبني دولة.
بل نهدمها حجراً حجراً.
لقد دفعت سوريا من دمائها ما يكفي.
ومن أبنائها ما يكفي.
ومن أعمارها ما يكفي.
ولم يعد فيها متسع لمقابر جديدة تُبنى من الكلمات.
إن أخطر أنواع القتل ليس قتل الجسد.
بل قتل الجسور بين البشر.
وأخطر أنواع الحصار ليس حصار الخبز.
بل حصار القلوب.
و لهذا فإن الواجب اليوم ليس أن نبحث عن طائفة نحمّلها الأوزار، ولا أن نفتش عن جماعة نلقي عليها خطايا الأفراد.
بل أن ندرك على الأقل ما أدركه كفّار قريش و أشرافها قبل خمسة عشر قرناً حين أدركوا:
أن الخصومة شيء، والظلم شيء آخر.
و أن الشرف لا يكتمل بالانتصار على الخصم، بل بالوقوف إلى جانبه حين يُظلم.
و أنّ العدالة لا تتجزأ،
والظلم لا يصبح عدلاً لأن الغاضبين كثر،
و الجريمة تبقى جريمة حتى حين تُرتكب باسم الحق.
فليختر كل واحدٍ منا موقعه في هذه القصة:
مع كُتّاب الصحيفة… أم مع ممزقيها.