
في ذكرى رحيله… لا نستحضرُ فرداً بقدر ما نستقرئُ “منهجية حكم” قامت على عبقرية الربط بين المبدأ الأخلاقي والبراعة السياسية. حافظ الأسد لم يقد سوريا بقوة السلطة، بل بذهنية “المهندس” الذي صمم دولةً عصيةً على الكسر في إقليمٍ شديد الاضطراب. تجلت عبقريته في صياغة المثلث العربي كحائط صدٍ للهوية والقرار القومي، بينما كان في اللحظة ذاتها يمدُّ شرياناً حيوياً نحو طهران ويحتضن حزب الله كذراعٍ رادعة تقهر المحتل . هذا الترابط لم يكن مناورة عابرة، بل كان رؤيةً فلسفية تدرك أن قوة سوريا تكمن في أن تكون “المركز” الذي تتقاطع عنده المصالح المتناقضة، فتصبح هي حاجة الجميع والرقَم الذي لا يمكن حذفه من المعادلة. وبذات الاحترافية، أدار صراعاته بمنطق جراح الدولة ؛ فخاض حرباً لا هوادة فيها ضد تنظيم الإخوان المسلمين حين تحولوا إلى أداة لتمزيق النسيج الوطني برعايةٍ من نظام صدام حسين، لكنه بذكائه المتجاوز للقوالب، كان هو نفسه الذي احتضن حركة “حماس” الإخوانية. هنا تبرز “أخلاقية القائد”؛ حيث لم تكن خصومته شخصية أو أيديولوجية، بل وطنية بامتياز؛ فمن رفع السلاح لتهديد الدولة حاربه، ومن رفع السلاح بوجه العدو الصهيوني سنده وآواه، جاعلاً من دمشق “القبلة السياسية” لكل مقاوم مهما اختلف معه في المنطلقات.
قارع واشنطن بذهنية “الند التاريخي”، فكان يذهب للتفاوض وهو يدرك أن الدبلوماسية هي استمرار للحرب بوسائل أخرى، فانتزع اعتراف العالم بسوريا كدولة محورية لا يمر قطار التسوية إلا من محطتها. ومن سخرية القدر المُرّة، أن نعيش زمناً يحاول فيه “إمعة” كالجولاني – الذي لا يملك من تاريخه إلا الارتهان – أن يتصدر مشهداً صنعه العمالقة بدمهم وعرقهم.
شتان بين من صهر الجغرافيا في بوتقة السيادة، وبين من يبعثر السيادة في مزادات الوكلاء. اليوم، ونحن نتحسس طريق النجاة وسط العواصف، ندرك أننا لا نحتاج لخطابات رنانة، بل نحتاج لاستعادة ذلك العقل الحر الذي عرف كيف يحول الصعاب إلى أوراق قوة، وكيف يبني وطناً مهاباً، شامخاً، ومكتفياً بذاته.
سلامٌ على من جعل من دمشق عاصمة القرار، لا مجرد مدينة على الخارطة.
محمود موالدي