مقال جدير بالقراءة: الطريق من كابول إلى دمشق – بقلم الكاتب السوري المعروف: نبيل صالح

نبيل صالح

منذ نهاية الحرب الباردة، بدا الشرق الأوسط وكأنه مختبر مفتوح للتجارب الجيوسياسية الكبرى، حيث لا تُدار الصراعات فقط عبر الجيوش النظامية، بل عبر توظيف الأيديولوجيات نفسها بوصفها أدوات في لعبة القوة الدولية. وفي قلب هذا المشهد برز سؤال سياسي وفلسفي بالغ التعقيد: كيف يمكن لقوة عظمى، تدّعي الدفاع عن النموذج الليبرالي الحديث، أن تتحالف – ولو مرحليًا – مع أكثر الحركات راديكالية وعداءً لأسس الحداثة السياسية؟

قبل سنوات طويلة، طرحت هذا السؤال على “كريستين بروستاد” إحدى الباحثات الأمريكيات المتخصصات في شؤون الشرق الأوسط، فجاء جوابها مكثفًا إلى حد القسوة: «أحيانًا، تكون أفضل طريقة لإسقاط خصمك هي أن تمنحه السلطة».

بدت العبارة آنذاك أقرب إلى مناورة سياسية ذكية؛ غير أن الزمن كشف أنها تعبّر عن فلسفة كاملة في إدارة الصراعات: دفع الحركات العقائدية إلى اختبار السلطة، باعتبار أن الحكم نفسه قد يتحول إلى أداة لاستنزافها وكشف حدودها الداخلية.

هنا تحديدًا تبدأ المعضلة التي تمتد من كابول إلى دمشق. فالحركات الجهادية تنجح غالبًا بوصفها قوى تعبئة وحرب، لكنها تدخل في أزمة بنيوية حالما تنتقل من منطق “الغزوة” إلى منطق “الدولة”. ذلك أن الدولة الحديثة ليست مجرد سلطة قاهرة أو راية أيديولوجية، بل بنية عقلانية معقدة تقوم على الإدارة والمؤسسات والتعدد والمساومة وتنظيم المصالح المتعارضة داخل المجتمع. وهي، بهذا المعنى، ليست امتدادًا للعقيدة، بل قيدًا عليها.

في أفغانستان، ظهر هذا التناقض مبكرًا. فالمجاهدون الذين خاضوا الحرب ضد الاتحاد السوفيتي لم يحملوا مشروع دولة بقدر ما حملوا سردية خلاص ديني. لقد كانت الحرب بالنسبة إليهم واجباً دينياً، لا مشروعًا سياسيًا لإدارة مجتمع حديث. غير أن الولايات المتحدة، في سياق صراعها مع السوفييت، استثمرت في هذه الجماعات بوصفها أداة فعالة لاستنزاف خصمها الدولي. وهكذا تحولت العقيدة إلى وظيفة جيوسياسية، وتحول “الجهاد” إلى أحد أسلحة الحرب الباردة.

غير أن التشابه بين أفغانستان وسوريا لا يقتصر على صعود الجماعات الجهادية فحسب، بل يمتد إلى البنية العميقة للصراع الدولي نفسه. ففي الحالتين، تحولت الأرض المحلية إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين موسكو وواشنطن: أفغانستان في ذروة الحرب الباردة، وسوريا في مرحلة إعادة تشكل النظام الدولي بعد انهيار الأحادية الأمريكية.

في أفغانستان، دعمت الولايات المتحدة – عبر باكستان والسعودية – الجماعات الإسلامية المسلحة بهدف استنزاف الاتحاد السوفيتي وإسقاط الحكومة الحليفة له بقيادة محمد نجيب الله. ولم يكن “الجهاد الأفغاني” مجرد حركة دينية مستقلة، بل جزءًا من استراتيجية كبرى هدفت إلى تحويل الإسلام السياسي المسلح إلى أداة جيوسياسية في مواجهة موسكو. وقد نجحت تلك الاستراتيجية عسكريًا؛ إذ انسحب السوفييت، وسقط النظام الأفغاني لاحقًا، لكن النصر نفسه حمل في داخله بذور الانهيار المقبل.

فبمجرد اختفاء العدو المشترك، انفجرت التناقضات الكامنة بين الفصائل الجهادية نفسها. وتحولت الجماعات التي توحدت مؤقتًا تحت شعار “الجهاد” إلى قوى متناحرة تتقاتل على السلطة والنفوذ والشرعية الدينية. وهكذا دخلت كابول في حرب أهلية مفتوحة مهّدت لصعود طالبان بوصفها قوة تسعى إلى إنهاء الفوضى عبر احتكار العقيدة والسلاح معًا.

في سوريا، تكرر المشهد بصيغة مختلفة. فالدولة السورية، بوصفها الحليف الأبرز لروسيا في الشرق الأوسط، تحولت بدورها إلى هدف ضمن صراع دولي أوسع على النفوذ والتوازنات الإقليمية. ومع تصاعد الحرب، جرى التساهل – سياسيًا وعسكريًا – مع تمدد الفصائل الإسلامية الراديكالية، باعتبارها قوة فعالة في استنزاف دمشق وحلفائها. وكما حدث في أفغانستان، أدى تآكل سلطة الدولة المركزية إلى صعود جماعات عقائدية متنافسة، سرعان ما دخلت في صراعات دامية فيما بينها، تجاوزت أحيانًا صراعها مع النظام نفسه.

وهنا تظهر المفارقة التاريخية بوضوح: فالقوى الدولية التي استخدمت الإسلاميين بوصفهم أدوات لإسقاط خصومها الجيوسياسيين، وجدت نفسها لاحقًا أمام قوى عقائدية لا تستطيع الاندماج بسهولة في منطق الدولة الحديثة. وكأن التجربة الأفغانية أعادت إنتاج نفسها في سوريا، لكن بعد أربعة عقود، وبأسماء جديدة وخرائط أكثر تعقيدًا.

لقد بدا الطريق من كابول إلى دمشق أقلّ من كونه انتقالًا جغرافيًا، وأكثر من كونه تكرارًا لنموذج سياسي واحد: استخدام العقيدة كسلاح في الصراع الدولي، ثم اكتشاف أن السلاح العقائدي، بعد انتهاء المعركة، يتحول إلى أزمة قائمة بذاتها.

لكن المفارقة ظهرت فور انتهاء الحرب. فالقوة التي نجحت في هدم النظام القائم لم تستطع بناء نظام بديل مستقر. إذ سرعان ما انكشفت الفجوة العميقة بين عقلية الجماعة العقائدية ومتطلبات الدولة الحديثة. فالدولة تحتاج إلى اقتصاد وإدارة ومؤسسات وقانون وعلاقات دولية، بينما كانت الحركات الجهادية تتحرك داخل تصور ثنائي للعالم: إيمان وكفر، طاعة وخروج، خلاص وهلاك.

ومن داخل هذا الفراغ السياسي وُلدت طالبان، لا بوصفها مشروع تحديث، بل بوصفها محاولة لإعادة فرض النظام عبر العقيدة والقوة. إلا أن السلطة التي أنتجتها لم تكن دولة بالمعنى الحديث، بل شكلًا من “الهيمنة المغلقة”، حيث يتحول المجتمع إلى فضاء خاضع لليقين المطلق. وحين استضافت طالبان تنظيم القاعدة، بدا الأمر وكأن الحركة العقائدية تستدعي، من داخل منطقها ذاته، شروط انهيارها المقبل.

بعد عقدين من الحرب، عادت طالبان إلى الحكم تقريبًا بالعقلية نفسها التي خرجت بها من التسعينيات، وكأن الزمن السياسي في أفغانستان قد دار في حلقة مغلقة. وهنا تحديدًا تصبح المقارنة السورية ضرورية.

ولعلّ أكثر ما يجعل المقارنة بين كابول ودمشق راهنة اليوم، هو ذلك التشابه البنيوي بين لحظة سقوط نظام محمد نجيب الله في أفغانستان، ولحظة انهيار الدولة السورية بعد سقوط الأسد. ففي الحالتين، لم يكن المشهد مجرد انتقال سلطة، بل انهيارًا تدريجيًا لفكرة الدولة المركزية نفسها، وصعودًا لقوى ترى الشرعية في العقيدة أكثر مما تراها في المؤسسات.

لقد دخلت طالبان إلى كابول بوصفها “طلاب علوم شرعية” يحملون وعدًا بإنهاء الفوضى، لكنهم في العمق كانوا يعيدون تشكيل الدولة وفق منطق الجماعة العقائدية. واليوم تبدو دمشق، في كثير من ملامحها، وكأنها تعيش المسار ذاته: شرعيون، وفقهاء حرب، وقادة فصائل يتحولون تدريجيًا إلى مديري مؤسسات، لا باعتبارهم نتاج خبرة مدنية حديثة، بل بوصفهم أصحاب “حق ديني” في إدارة المجال العام. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة؛ إذ تتحول الدولة من فضاء وطني جامع إلى امتداد للبنية الأيديولوجية التي انتصرت في الحرب.

فكما انتقلت أفغانستان من سلطة الحزب إلى سلطة “الطلبة الشرعيين”، تبدو سوريا مهددة بالانتقال من الدولة السياسية إلى “الدولة العقائدية”، حيث يصبح الانتماء الفكري معيارًا ضمنيًا للشرعية السياسية. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تتكرر الأزمة الأفغانية بكل تناقضاتها: جماعات نجحت في القتال، لكنها تجد نفسها فجأة أمام مجتمع متنوع، واقتصاد منهك، ومؤسسات متآكلة، وعالم لا يُدار بمنطق الفتوى وحدها.

غير أن التشابه لا يتوقف عند الداخل فقط، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة مع الغرب نفسه. فالجماعات التي جرى استخدامها مرحليًا ضمن الاستراتيجية الأمريكية ضد موسكو أو ضد خصوم واشنطن الإقليميين، تحمل في داخلها منطقًا عقائديًا يجعل الصدام مع الغرب نفسه أمرًا شبه حتمي. ذلك أن الحركات الجهادية قد تتحالف تكتيكيًا مع قوة دولية، لكنها لا تستطيع – بحكم بنيتها الفكرية – أن تتصالح استراتيجيًا مع النموذج الحضاري والسياسي الذي تمثله تلك القوة.

وهنا يعيد الغرب إنتاج الخطأ الأفغاني ذاته، وكأنه لا يتعلم من التاريخ. ففي الثمانينيات، جرى تسليح “المجاهدين” باعتبارهم حلفاء مؤقتين ضد السوفييت، قبل أن يتحول جزء من ذلك العالم الجهادي نفسه إلى مصدر تهديد عالمي للولايات المتحدة وحلفائها. واليوم، يتكرر الرهان ذاته بأسماء جديدة وساحات مختلفة، وكأن العقل الجيوسياسي الغربي لا ينظر إلا إلى لحظة إسقاط الخصم، دون أن يسأل نفسه عن شكل العالم الذي سيولد بعد ذلك.

إن المشكلة الكبرى في السياسات الغربية ليست فقط في صناعة الفوضى، بل في العجز عن حساب “خط العودة”. فالطريق الذي يبدأ بتوظيف الجماعات العقائدية ضد الخصوم، ينتهي غالبًا بانفجار تلك الجماعات خارج حدود الوظيفة التي رُسمت لها. وكما عاد “الجهاد الأفغاني” ليرتد على الغرب نفسه بعد انتهاء الحرب الباردة، ليس مستبعدًا أن تتحول البيئات الجهادية الجديدة في المنطقة إلى مصدر دورة عنف أخرى تتجاوز حدود الشرق الأوسط ذاته.

سوريا بدورها تحولت إلى ساحة لإعادة تدوير الظاهرة الجهادية ضمن توازنات دولية وإقليمية معقدة. صحيح أن القوى الغربية لم تعلن دعمها المباشر للتنظيمات المرتبطة بالقاعدة، غير أن مسار الحرب كشف تسامحًا سياسيًا ودعما عسكريًا لبيئات جهادية جرى التعامل معها بوصفها أدوات فعالة لإضعاف الدولة السورية وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

ومع الوقت، تكررت المفارقة الأفغانية بصورة مختلفة: جماعات نشأت داخل بنية جهادية مغلقة تحاول تقديم نفسها بوصفها قوى حكم محلية قابلة للتكيف السياسي. لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بتغير اللغة أو الخطاب، بل بطبيعة البنية الفكرية نفسها: 

هل تستطيع حركة تظن أنها تمتلك “الحقيقة المطلقة” أن تؤسس دولة لجميع مواطنيها؟

وهل يمكن لعقلية “الفرقة الناجية” أن تنتج نظامًا سياسيًا قائمًا على التعدد والاختلاف؟

وهل تستطيع جماعة بُنيت على الطاعة والبيعة أن تتحول فعلًا إلى دولة حرّة؟

تكمن المشكلة هنا في أن الحركات الجهادية لا ترى الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا بين مواطنين أحرار، بل باعتبارها أداة لنشر العقيدة. ولهذا تنجح غالبًا في الحرب أكثر مما تنجح في الحكم؛ لأن الحرب تمنحها دعاية أخلاقية، بينما تفرض الدولة عليها أسئلة الاقتصاد والإدارة والخدمات والتنوع الاجتماعي، وهي أسئلة لا تكفي العقيدة وحدها للإجابة عنها.

لقد كشفت التجارب الممتدة من أفغانستان إلى سوريا أن إسقاط الدولة لا يؤدي بالضرورة إلى إنتاج الحرية، بل قد يفتح الباب أمام أشكال جديدة من التسلط العقائدي. فحين تتحول الأيديولوجيا إلى سلطة، تتحول السلطة بدورها إلى قفص مغلق، لا يبتلع خصومها فقط، بل يبتلع أبناءها أيضًا.

لهذا تبدو الحركات الجهادية، في جوهرها، مشاريع تعبئة وسيطرة أكثر من كونها مشاريع دولة. وحين تُدفع إلى الحكم، تدخل في تناقض وجودي: فهي تفقد ادعاء الحكاية الثورية، وتفشل في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على إدارة الحياة الحديثة.

ومن هنا يمكن فهم المسار الدائري الذي يتكرر في المنطقة: انهيار، ففوضى، فصعود جماعات عقائدية، ثم سقوط جديد يعيد إنتاج الشروط ذاتها. وكأن الشرق الأوسط يعيش داخل دورة سياسية مغلقة، لا يتعلم فيها التاريخ من كوارثه، بل يعيد تدويرها بأسماء جديدة ورايات مختلفة.

إن الطريق من كابول إلى دمشق ليس مجرد مسافة بين مدينتين، بل مسار تاريخي يعكس عجز العالم عن فهم التناقض القاتل بين منطق العقيدة ومنطق الدولة؛ فحين تُستخدم الأيديولوجيا المسلحة أداةً في الصراع الدولي، فإنها لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل تبدأ عندها أزمة جديدة قد تكون أكثر خطورة من الحرب نفسها.

=============================

رابط المقال:

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق