مقال أموي حزين: اقتراب الانهيار النقدي المحتم .. وبنو أمية نائمون في عسل الأوهام – ماكرو علبي

ماكرو علبي

كما توقعت قبل أيام، انخفض سعر الصرف. وهذا الانخفاض ناجمٌ، في جزءٍ مهم منه، عن خروج نحو 20% من الكتلة النقدية القديمة من التداول، بعدما أعلن المصرف المركزي أنه استبدل قرابة 80% فقط من العملة القديمة.

لكن أثر هذه العملية قد يكون أكبر بكثير من مجرد اختفاء خُمس الأوراق النقدية من التداول. ففي الاقتصادات الناشئة والنامية، تتراوح نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي الإجمالي عادةً بين 5% و20%. وإذا افترضنا صحة تقدير البنك الدولي للناتج المحلي السوري عند نحو 21 مليار دولار، فإن استهداف استبدال كتلة نقدية تبلغ 42 تريليون ليرة، عند سعر صرف ≈11 ألف ليرة للدولار، يعني أن المصرف كان يخطط للإبقاء على كتلة نقدية تعادل نحو 18% من الناتج المحلي.

لكن الليرة فقدت خلال الأشهر الماضية نحو 20% من قيمتها. ومع بقاء عدد الليرات المتداولة ثابتاً اسمياً، انخفضت قيمتها الدولارية، فتراجعت نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي من نحو 18% إلى قرابة 15%.

ثم جاءت عملية الاستبدال لتُخرج نحو 20% من الكتلة القديمة نهائياً من التداول، ما خفّض الكتلة النقدية الفعلية إلى ما يعادل نحو 12% فقط من الناتج المحلي.

الاقتصاد فقد خُمس الكتلة النقدية وخسر أيضاً جزءً من قيمتها الحقيقية نتيجة تراجع سعر الصرف. وبالتالي، نحن أمام حالة انكماشٍ نقدي (Monetary Contraction)، أي كأننا حبسنا جزءً جديداً كبيراً من السيولة، لكننا لم نحبسها هذه المرة في المصارف، وإنما في جيوب الناس وخزائنهم، بعدما تحولت الأوراق التي يحملونها من نقودٍ قابلة للتداول إلى أوراقٍ فاقدة لقوّتها الإبرائية.

لقد اختفت هذه السيولة من السوق، وهذا يفسر ندرة السيولة، التي تسبب صدمة سلبية وركوداً في الأسواق بسبب تراجع الطلب الكلي، مما يؤدي إلى تراجع الطلب على العملات الأجنبية.

هذا الانخفاض في سعر الصرف يأتي بالكامل على حساب المواطنين ويموّل من جيوبهم، وكلفته عالية جداً على الاقتصاد ومعيشة الناس، فبقاء هذه السيولة خارج التداول يعني مزيداً من الركود، وتراجعاً في الاستهلاك والمبيعات، وانخفاضاً في قدرة التجار والمنتجين على تمويل نشاطهم، وذلك يؤدي حتماً إلى مزيدٍ من البطالة.

الطلب المؤجل المكبوت على الدولار سيعود إلى السوق دفعةً واحدة بمجرد توافر السيولة، ما سيؤدي غالباً إلى انهيار سعر الصرف بشكل دراماتيكي.

للشباب في المصرف: لا أرى حلاً إلا في الاعتراف بفشل السياسة النقدية الحالية، ثم إعادة بنائها من الصفر: إعادة احتساب الكتلة النقدية المطلوبة وفق الواقع الاقتصادي الجديد، اعتماد سعر صرف عائم بدلاً من الإدارة المشوهة الحالية، والإفراج التدريجي عن السيولة المحبوسة بما يعيد الحياة للأسواق ويُنهي أزمة الندرة المصطنعة، مع مراقبة دقيقة لمعدلات التضخم واستقرار القطاع المالي.

وكلما تأخرتم في المصرف والإدارة الاقتصادية للبلاد بالاعتراف بفشلكم، كلما زادت على المواطنين والاقتصاد الأكلاف، وهذا لن يستمر إلى الأبد، في لحظة ما، سينفجر الوضع السياسي في البلد كله مدفوعاً بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، بسبب بلاهة خياراتكم وأنانيتكم، حينها لن ينفع الندم، ولن تنفع الـ لو.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق