
من سيئ إلى أقل سوءا… حين يصبح الرقم فتحا مبينا
ما إن جرى تداول الحديث عن توقعات صندوق النقد الدولي بتسجيل الاقتصاد السوري نموا من خانتين، حتى انطلقت جوقة التهليل والتطبيل، وكأن الاقتصاد السوري استيقظ صباحا ليجد نفسه قد غادر غرفة الإنعاش ودخل نادي الاقتصادات المزدهرة، وكأن رقما في تقرير دولي يكفي لإعلان النصر ورفع رايات “الفتح الاقتصادي المبين”.
لكن مهلا… النمو من سيئ إلى أقل سوءا لا يعني أننا أصبحنا بخير.
فالاقتصاد الذي تعرض لانكماش هائل وتراجع إلى مستويات شديدة الانخفاض يمكنه بسهولة نسبية تسجيل معدلات نمو مرتفعة عند حدوث أي انتعاش جزئي. إذا هبط اقتصاد افتراضيا من 100 إلى 40 ثم ارتفع من 40 إلى 44، فقد حقق نموا بنسبة 10 بالمئة، لكنه ما زال أقل من نصف مستواه السابق. تلك هي ببساطة خدعة “القاعدة المنخفضة” التي يعرفها طلاب الاقتصاد قبل أن يكتشفها مطبلو الإنجازات.
ثم إن نمو الناتج المحلي ليس مرادفا لتحسن حياة الناس. السؤال الحقيقي ليس كم كبر الرقم على الورق، بل: هل ارتفعت الأجور الحقيقية؟ هل تحسنت القوة الشرائية؟ هل تراجعت البطالة والفقر؟ هل استقرت الأسعار؟ هل عاد الإنتاج الصناعي والزراعي؟ هل تحسنت الكهرباء والخدمات؟ وهل بات المواطن قادرا على تأمين احتياجاته بكرامة؟
والأهم: أين الإصلاح الاقتصادي والنقدي العميق؟ أين الشفافية في نشر الأرقام والمؤشرات؟ أين مكافحة الفساد والمحسوبيات؟ وأين البيانات الموضوعية التي تسمح للباحثين والمواطنين بقياس ما تحقق فعلا، لا ما يراد لهم أن يصدقوه؟
توقع نمو مرتفع خبر إيجابي بالتأكيد، لكنه ليس شهادة حسن سلوك للسياسات الاقتصادية، ولا صك براءة من الفساد، ولا دليلا تلقائيا على نجاح الإصلاحات.
المشكلة ليست في الرقم، بل في تحويله إلى بروباغندا.
فالاقتصاد لا يقاس بعدد التصفيقات، والتعافي لا يعلن في نشرات الأخبار، والناس لا تأكل نسب النمو.
وحين تتحول المؤشرات الاقتصادية إلى جرعات تخدير وطمأنة، يصبح أخطر ما في التقرير ليس ما قاله، بل ما يريد البعض إقناع الناس بأنه قاله.
وكتب احدهم معلقا:
في 20 آذار الماضي، كان الرئيس الشرع في حواره صبيحة العيد مع هزازي الرؤوس الذين يجمعهم ليقوم بالأستذة عليهم، قال آنذاك أن الاقتصاد كان قد نما في 2025 من 21.4 مليار دولار إلى 33 مليار دولار (نسبة نمو 54%)، ثم توقّع أن الاقتصاد السوري بنهاية 2026 سينمو إلى مستوى 2010 (61.4 مليار دولار) أي بنسبة 186.9% من سنة أساس 2024، ونمو 86.1% من سنة 2025. يومها، كان الشرع أيضاً قد أعلن عن موازنة بقيمة 10.5 مليار دولار، أكبر بنسبة 309% من موازنة 2025.
صندوق النقد، من ناحيةٍ أخرى، أظهر في البيان الصحفي الصادر قبل أمس تفاؤلاً كبيراً، فقدّر نمو الاقتصاد في 2026 بشكل طموح جداً مبني على أرقام الحكومة، وقال أن الرقم قد يصل إلى خانتين، يعني 10% أو أكثر قليلاً (ناتج إجمالي 23.5 مليار دولار).
لكن إذا أخذنا تصريحات الشرع قبل أشهر على محمل الجد، فإن هذا الرقم لا يبدو متفائلاً إطلاقاً..
فبعد حديث الشرع عن اقتصادٍ ينمو بأكثر من 54% في عام، ثم يواصل القفز بوتيرة أعلى في العام التالي، يصبح الاحتفاء بنمو قدره 10% أشبه بالاحتفاء بسيارة كانت تسير بسرعة 200 كيلومتر في الساعة ثم أصبحت تسير بسرعة 40. صحيح أنها ما زالت تتحرك، لكن سرعتها تدهورت في الطريق…
هذا إن كانت بالأصل تسير بسرعة 200، ولم تكن بالحقيقة تسير بسرعة 15 كيلومتر بالساعة وتضع لافتة مكتوب عليها “انتبه أنا أسير بسرعة 200”
…
يعني، من توقعات دولة لنمو اقتصادها في 2026 بنسبة 86% إلى نمو 10% فقط… سبحان الله.. يعني من اقتصاد كان يفترض أن يكون حجمه 61 مليار إلى اقتصاد حجمه 24.54 فقط، هذا يتعدى التباطؤ، هذا يسمى تدهوراً اقتصادياً مذهلاً!!!! لله في خلقه شغلااااااات وشغلات…
على العموم يا ريت يكونوا أخذوا العبرة من انكشاف الهبد، خصوصاً وأن الناس بالشوارع أصبحت تأكل من الزبالة..
رابط: