
استضافني الصحفي الأمريكي جامارل توماس مؤخرًا وسألني إن كانت روسيا قد خانت سوريا. أول ما خطر لي أن كلمة «خيانة» بحد ذاتها إشكالية. الخيانة تحصل بين الأصدقاء، أو على الأقل بين أشخاص يعتقدون أن هناك التزامًا أخلاقيًا متبادلًا بينهم، لكن الدول لا تعمل بهذه الطريقة. الدول لديها مصالح، ونحن السوريين تعاملنا مع روسيا وإيران وحزب الله ليس فقط كحلفاء تلاقت مصالحهم مع مصالحنا، بل كأصدقاء، وأحيانًا كأنهم أهل. اعتقدنا أنهم، بعدما وقفوا إلى جانب سوريا خلال الحرب ودفعوا ثمنًا باهظًا، أصبح لهذه العلاقة نوع من الديمومة. لكن السياسة لا تعمل هكذا. المسؤول الروسي الجالس في الكرملين لا يتخذ قراراته انطلاقًا من أهداف سوريا، والمسؤول الإيراني في طهران لا يضع سياساته بهدف الحفاظ على النظام السياسي السوري مهما كان الثمن. هؤلاء موجودون لحماية مصالح روسيا وإيران، وعندما لم تعد تلك المصالح متطابقة مع مصالحنا، تغيرت العلاقة كلها.
لسنوات، رفض الأسد بعض الحلول السياسية التي طرحتها عليه موسكو وطهران. لم يكن يريد تعديل الدستور لمنح الأكراد حكمًا ذاتيًا، ولم يكن يريد تطبيع العلاقات مع أردوغان فيما القوات التركية لا تزال تحتل أراضي سورية، كما كان شديد الارتياب من فكرة إدخال شخصيات من المعارضة المدعومة من تركيا إلى النظام السياسي، لأن كثيرًا من هؤلاء كانوا مرتبطين فكريًا أو سياسيًا بجماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي بتركيا وقطر. من وجهة النظر السورية، كانت لهذه الاعتراضات وجاهتها؛ فسوريا كانت دولة مستقلة ذات سيادة، وكان يُطلب من الأسد تقديم تنازلات قد تغيّر بصورة دائمة الطبيعة السياسية للدولة. لكن روسيا كانت تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة تمامًا. كانت موسكو تخوض مواجهة استراتيجية أكبر بكثير في أوكرانيا، وأصبحت تركيا شديدة الأهمية بالنسبة إليها، لأن الروس لم يكونوا يريدون دفع أنقرة بالكامل إلى المعسكر الأمريكي والأطلسي. ضمن هذه الحسابات الروسية الأوسع، أصبحت المصالحة بين دمشق وأنقرة ذات قيمة جيوسياسية وجيواقتصادية بالنسبة إلى موسكو.
المشكلة أن سوريا كانت تريد من أردوغان الالتزام بالانسحاب من الأراضي السورية قبل المصالحة، فيما أرادت روسيا إغلاق الملف السوري بطريقة لا تدمّر علاقتها مع تركيا. الأسد كان يريد الحفاظ قدر الإمكان على مركزية الدولة السورية، بينما أصبحت موسكو أكثر استعدادًا للقبول بترتيبات تمنح تركيا نفوذًا أكبر في شمال سوريا إذا كان ذلك سينهي الصراع ويحافظ على علاقتها الأوسع مع أنقرة. وأنا لا ألوم الأسد على رفض هذه المطالب، لأن هناك أسبابًا وجيهة جدًا لرفضها من منظور السيادة السورية، لكن علينا أيضًا أن نكون صريحين بشأن الوضع الذي أصبحت سوريا فيه: عندما تكون دولة منهكة وقد أصبحت مظلتك الأمنية بالكامل تقريبًا مرتبطة بالمظلتين الروسية والإيرانية، فلا يمكنك أن تفترض أن هاتين الدولتين ستواصلان القتال إلى ما لا نهاية من أجل النتيجة التي تريدها أنت، فيما أولوياتهما الاستراتيجية بدأت تتحرك في اتجاه آخر.
أصبحت المسألة أصعب بكثير بعد انخراط روسيا العميق في حرب أوكرانيا. وعندما سقطت حلب مجددًا وبقي الأسد رافضًا للتسوية التي كانت موسكو تريدها، كان الروس أمام احتمال إعادة بناء جهد عسكري كبير في سوريا، وحشد قوات إضافية وإعادة توزيع الموارد، وربما الدخول في مواجهة أكثر مباشرة بكثير مع تركيا، في الوقت نفسه الذي كانت فيه روسيا تخوض حربًا ضد حلف الناتو في أوكرانيا.
أنا لا أعرف بالضبط ماذا جرى في الاجتماع بين الأسد وبوتين خلال الجولة الأخيرة للحرب، لكن لو وضعت نفسي مكان بوتين، فإن استعادة الوضع عسكريًا ربما كانت ستحتاج إلى أشهر، إن لم يكن سنوات، ولم يكن هناك أي ضمان بأن حلب يمكن استعادتها في الظروف الجديدة، فيما جعل التدخل التركي المباشر المخاطر أكبر بكثير مما كانت عليه قبل سنوات. وفي لحظة ما، أعتقد أن موسكو توصلت إلى أن الاستمرار في الحفاظ على الأسد وفق شروط الأسد نفسه لم يعد يستحق الكلفة الاستراتيجية.
يمكنك أن تسمي ذلك خيانة إذا أردت.
أنا أسميه روسيا تتصرف وفق المصالح الروسية.
أما إيران، فكانت هي الأخرى تضغط على الأسد للتوصل إلى تفاهم مع أردوغان، ووصل الأمر في مرحلة معينة إلى أن قطع الجانب الإيراني إمدادات الوقود عن سوريا لأشهر، فيما كانت البلاد تعتمد بصورة كبيرة على الوقود الإيراني، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحتل نصف حقول النفط السورية. انتقدت هذا الضغط بشدة، وكسوري أستطيع القول إنه تسبب بألم حقيقي لشعب واقتصاد كانا منهكين أصلًا، لكنني في الوقت نفسه لا أعتقد أن الإيرانيين كانوا ملزمين أخلاقيًا بتزويد سوريا بالوقود المجاني إلى الأبد. كانوا يرون أن المنطقة تتجه نحو مواجهة أكبر، وأرادوا حل النزاع السوري-التركي، وكانوا يقولون للأسد إن دمشق إذا لم تتحرك فقد تخرج الأمور عن السيطرة. الروس كانوا يوصلون الرسالة نفسها تقريبًا. الحليفان كانا يستخدمان أوراق الضغط التي يملكانها على سوريا لأنهما توصلا إلى أن النهج الذي يفضله الأسد لم يعد منسجمًا مع مصالحهما الاستراتيجية.
لكن هذا لا يعني أن الحل الذي كانا يقدمانه للأسد كان حلًا جيدًا. من وجهة نظري، كان فخًا بالنسبة إلى سوريا. الأسد كان يريد الحفاظ على الطابع السياسي القومي العربي للدولة السورية، بينما إدخال أعداد كبيرة من شخصيات المعارضة المرتبطة بتركيا إلى الحكومة كان سيخلق قناة دائمة للنفوذ التركي داخل الدولة. عندما تمنح سلطات تنفيذية وتشريعية واسعة لفاعلين سياسيين يرون أنفسهم جزءًا من مشروع إقليمي ذي توجه إخواني، فأنت لا تقوم فقط بـ«دمقرطة» الحكومة؛ أنت تغيّر الطبيعة السياسية للنظام، وتعطي تركيا وقطر نفوذًا دائمًا داخل البلد من خلال ما يمكن وصفه بطابور خامس.
القضية الكردية كانت مثالًا آخر على أن ما نرغب فيه وما أصبح ممكنًا سياسيًا لم يعودا الشيء نفسه. أنا لم أكن مع تقسيم سوريا إلى كيانات سياسية منفصلة، لكن إذا أردنا تحليل ما جرى بصدق فعلينا أن نضع أنفسنا مكان الطرف الآخر أيضًا. في تلك المرحلة، كانت القوات الكردية تمتلك عشرات آلاف المقاتلين، وتسيطر على أراضٍ مهمة وتحظى بحماية الولايات المتحدة. دمشق لم تكن في وارد شن حرب كبيرة عليها لأن ذلك كان يعني المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الأمريكيين، ولا روسيا ولا إيران كانتا تريدان هذه المواجهة. في ظل هذه الظروف، أصبح نوع من التسوية السياسية الجدية أمرًا ضروريًا. تقديم التعليم باللغة الكردية بعد عشر سنوات من الحرب كان قليلًا جدًا ومتأخرًا جدًا. الدولة السورية بقيت تفاوض كما لو أن ميزان القوى القديم لا يزال قائمًا، فيما الواقع على الأرض كان قد تغير بصورة هائلة.
عندما يسألني الناس ماذا كان يجب على الأسد أن يفعل في الأشهر الأخيرة، أعتقد أنهم يبدأون القصة من نهايتها. الكوارث من النوع الذي حصل في سوريا لا تنتج عادة عن قرار واحد، بل عن تراكم قرارات خاطئة على امتداد سنوات، يضيّق كل واحد منها الخيارات المتاحة إلى أن تصل في النهاية إلى مرحلة لا يعود فيها أي خيار جيدًا. وبحلول سقوط حلب في الهجوم الأخير، لم يكن الأسد يختار بين النصر والهزيمة، بل بين أشكال مختلفة من الهزيمة أنتجتها قرارات سابقة.
من أكبر الأخطاء، برأيي، كان تجميد الصراع فيما بقيت إدلب خارج سيطرة دمشق. عندما دخلت روسيا الحرب عام 2015، تغير الوضع العسكري بسرعة؛ استعاد الجيش السوري الأراضي، وارتفعت المعنويات، وانخرط حزب الله والقوات الإيرانية بكثافة، ولسنوات امتلكت الحكومة زخمًا عسكريًا حقيقيًا. وكانت هناك لحظات استطاع فيها الجيش السوري فرض وقائع على الأرض حتى عندما اعترضت تركيا، بما في ذلك تجاوز خطوط تركية حمراء وترك روسيا وإيران تتعاملان لاحقًا مع الأمر الواقع الجديد. الظروف لم تكن مثالية، لكن المبادرة العسكرية كانت لا تزال بيد سوريا.
عندما قبلت حكومة الأسد بتجميد الصراع ومسار أستانا، تغيرت طبيعة الحرب. قبل الأسد بفكرة أن المناطق المتبقية يمكن التعامل معها سياسيًا في نهاية المطاف، لكن الطرف الآخر لم يقضِ تلك السنوات جالسًا ينتظر الحل السياسي.
تركيا استخدمت الوقت لبناء دولة موازية في إدلب. اندمجت المنطقة اقتصاديًا مع تركيا، وانتشرت البضائع والعملة التركية، وأصبحت البنية التحتية والتجارة أكثر اعتمادًا على الجانب التركي من الحدود، فيما حصلت الجماعات التكفيرية المسلحة العاملة في المحافظة على سنوات كاملة لتنظيم نفسها والتدرب وترسيخ وجودها. كذلك حصلت أجهزة الاستخبارات الأجنبية على سنوات لبناء شبكاتها وعلاقاتها.
وفي دمشق كان يحدث العكس تمامًا. فُرضت عقوبات أشد على سوريا، وبقيت موارد مهمة من النفط والغاز خارج سيطرة الحكومة، واضطرت الدولة إلى طباعة النقود، والتهم التضخم الرواتب، وأصبح الوقود نادرًا، وبدأ الاقتصاد يُفرّغ تدريجيًا من الداخل. بينما كانت إدلب تُثبَّت تحت الرعاية التركية، كانت الدولة السورية تُفكَّك.
ولهذا أقول إن تجميد الصراع العسكري مع القاعدة كان خطأً استراتيجيًا.
وعندما أرادت الحكومة السورية لاحقًا إعادة فتح الخيار العسكري في إدلب، لم يعد الروس يريدون مواجهة كبيرة جديدة مع تركيا، وكانت لإيران حساباتها الخاصة، وأوروبا تخشى موجة جديدة من اللاجئين، فيما البيئة السياسية بأكملها كانت قد تغيرت. الفرصة التي كانت موجودة عام 2017 أو 2018 لم تعد موجودة بعد ست سنوات.
وأعتقد أيضًا أن القيادة السورية لم تفهم بالكامل الطبيعة النفسية لحرب العقوبات. خلال المرحلة العسكرية النشطة من الحرب، كان السوري يستطيع رؤية عدوه. كان المسلحون المتطرفون يهاجمون المدن السورية ويدمرون البنية التحتية ويقاتلون الجيش، وكان الجندي السوري ظاهرًا أمام الناس وهو يدافع عن الدولة. الصراع كان ملموسًا، والناس يعرفون من يطلق النار عليهم.
لكن عندما هدأت الجبهات نسبيًا واشتدت الحرب الاقتصادية، أصبح العدو أصعب بكثير على الرؤية. الأب السوري الذي أصبح راتبه بلا قيمة، ولا يجد الوقود، ولا تأتيه الكهرباء إلا ساعتين في اليوم، ولم يعد قادرًا على شراء ما يكفي من الطعام لعائلته، لم يكن يستيقظ كل صباح وهو يفكر بقوانين العقوبات التي تُكتب في واشنطن. كان ينظر إلى حكومته ويسأل لماذا لم تعد قادرة على تأمين الخبز.
وهنا كانت فعالية الحرب الاقتصادية. العقوبات أضعفت الدولة ماديًا، ثم نقلت المسؤولية السياسية عن نتائج هذا الإضعاف إلى الدولة نفسها. لم تعد الحكومة قادرة على دعم الاحتياجات الأساسية أو إعادة بناء البنية التحتية، ومع الوقت بدأ جزء من السكان الذين وقفوا سابقًا مع دمشق ضد الجماعات التكفيرية المسلحة يصب غضبه على الأسد، لأن الجماعات المسلحة لم تعد تقف أمام الحي، بينما الفقر كان موجودًا كل يوم داخل البيت.
شرحت هذا الفرق لجامارل لأنني أراه أساسيًا لفهم كيف خسرت الحكومة السورية جزءًا كبيراً من حاضنتها الاجتماعية: الحملة العسكرية فشلت في تدمير الدولة، لكن الحرب الاقتصادية غيّرت سيكولوجية السكان.
يبدو لي، بحسب ما أستطيع فهمه، أن الأسد كان يراهن على أن الوقت قد يمنحه فرصة أفضل. سوريا أعادت علاقاتها مع السعودية والإمارات، والأسد عاد إلى زيارة عواصم الخليج، وكانت هناك توقعات بأنه إذا عاد ترامب إلى السلطة فقد يتمكن السعوديون والإماراتيون من إقناع واشنطن برفع العقوبات أو تخفيفها مقابل تنازلات سورية شكلية. وإذا رُفعت العقوبات واستعادت دمشق الوصول إلى الموارد، يمكن للأسد أن يبدأ بإعادة بناء البلد واستعادة سلطة الدولة.
هذه الاستراتيجية لم تكن غير عقلانية بالكامل، لكن المشكلة أن تركيا كانت ترى ما يحدث أيضًا. إذا بقي الأسد في الحكم مدة كافية للحصول على تخفيف للعقوبات وإعادة تأهيل اقتصادي، فإن نفوذ أنقرة في سوريا سينخفض بصورة كبيرة. وأشك بأن الاستخبارات التركية فهمت هذا الخطر وتحركت قبل تنصيب ترامب. لا أستطيع إثبات كل تفاصيل هذه الحسابات، لكن هكذا أقرأ توقيت الأحداث.
والآن نأتي إلى المسؤولية، لأنني أعتقد أن عددًا كبيرًا من الناس على الإنترنت يبحث عن طرف خارجي واحد ليحمّله كل شيء. الناس الذين أحبوا سوريا وأرادوا للدولة السورية أن تبقى غاضبون، وعندما ينهار شيء نبحث بصورة طبيعية عن الشخص الذي خاننا. البعض يلوم روسيا، والبعض إيران، والبعض الصين.
لكن إذا أردنا فعلًا إعداد قائمة بمن يتحمل مسؤولية ما حدث للبلد، فيجب أن يكون السوريون أنفسهم في رأس القائمة.
السوريون هم الذين قاتل بعضهم بعضًا. سوريون حملوا الصواريخ المضادة للدروع لضرب دبابات الجيش السوري. سوريون دمّروا الدفاعات الجوية السورية. سوريون باعوا المعلومات والمواقع مقابل المال. سوريون تعاملوا مع جماعات الضغط الصهيونية في واشنطن لفرض عقوبات أقسى. سوريون انضموا إلى تنظيمات إرهابية فككت الدولة ودمرت بنية تحتية عامة لم تكن ملكًا للأسد، بل ملكًا للبلد.
الدول الأجنبية موّلت ذلك وسلّحته وشجعته واستغلته، وأنا لا أقلل من مسؤوليتها للحظة واحدة. قطر وتركيا والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة وغيرها لعبت أدوارًا هائلة في تدمير سوريا، لكنها احتاجت إلى سوريين لتنفيذ العمل على الأرض. وكان لدينا أيضًا فساد داخل الدولة، وكلما طالت العقوبات وازداد الناس فقرًا، أصبح من الأسهل على المسؤولين والضباط وحتى الناس العاديين التعاون مع قوى خارجية.
إذا كانت هناك خيانة، فقد خان السوريون سوريا قبل أن تخونها روسيا.
أعرف أن قول ذلك مؤلم، لكن على السوريين، برأيي، أن يتوقفوا عن صناعة قصص تكون فيها كل كارثة تحل بنا مسؤولية شخص آخر. نستطيع أن نختلف مع السياسة الروسية وننتقد إيران، ونستطيع أن نقول إن موسكو تخلت عن دمشق في أكثر لحظات الحرب حساسية، لأنها فعلت ذلك، وأن نقول إن طهران استخدمت الضغط الاقتصادي ضد سوريا فيما كان الشعب السوري يعاني أصلًا.
لكن روسيا لم تكن سوريا، وإيران لم تكن سوريا. كانتا دولتين أجنبيتين تسعيان وراء مصالحهما.
نحن كنا المسؤولين عن الحفاظ على بلدنا.
والخطأ الأكبر كان السماح للدولة السورية بأن تصبح معتمدة إلى هذا الحد على القوى الخارجية، بحيث أصبح قرار تلك القوى قادرًا في النهاية على تحديد ما إذا كانت الدولة ستبقى أم لا. أعطت سوريا روسيا نفوذًا هائلًا في القرار العسكري، وأصبحت بعض وحدات الجيش السوري مرتبطة بصورة كبيرة بالوجود العسكري الروسي، واعتمدت سوريا على الوقود الإيراني والمساعدات المالية الإيرانية، فيما أصبح المستشارون الإيرانيون وقوات حزب الله عناصر لا غنى عنها في ساحة المعركة.
كان جزء كبير من هذه المساعدة ضروريًا في حينه لأن الدولة كانت تقاتل من أجل البقاء، لكن الاعتماد يولّد النفوذ دائمًا. عندما يصبح جيشك أو اقتصادك أو إمدادك بالطاقة معتمدًا على دولة أخرى، تحصل تلك الدولة على القدرة على الضغط على قراراتك السياسية، سواء أعجبك ذلك أم لا.
روسيا لم تتدخل في سوريا لأن فلاديمير بوتين كان يحمل ارتباطًا عاطفيًا ببشار الأسد. موسكو كانت لديها مصالح استراتيجية في الحفاظ على الدولة السورية؛ أرادت منع عملية أخرى لتغيير النظام بدعم غربي، والحفاظ على موقعها العسكري في البحر المتوسط، ومحاربة القوى الجهادية قبل أن تتمكن من تهديد المصالح الروسية في أماكن أخرى، وإثبات أنها قادرة على حماية حكومة حليفة من الانهيار.
ولسنوات طويلة، تلاقت هذه المصالح الروسية مع مصالح سوريا، وكان هذا التلاقي بالغ الأهمية بالنسبة إلى دمشق. ومن دون التدخل الروسي عام 2015، ربما كانت الدولة السورية قد انهارت قبل ذلك بسنوات.
لكن الحسابات الروسية تغيرت في النهاية. أصبحت أوكرانيا أهم، وأصبحت تركيا أهم، وأصبح تجنب التورط العسكري الكبير مجددًا أكثر أهمية، فيما لم يكن الأسد مستعدًا لقبول نوع التسوية التي اعتقدت موسكو أنها قادرة على تثبيت سوريا من دون إجبار روسيا على خوض حرب طويلة أخرى.
فهل تخلت روسيا عن سوريا؟
نعم.
هل وضعت روسيا مصالحها فوق المصالح السورية؟
طبعًا.
هل ضغطت موسكو على الأسد للقبول بترتيبات رأى كثير من السوريين أنها ستضر بالسيادة السورية؟
بالتأكيد.
ومع ذلك، ما زلت أعتقد أن كلمة «الخيانة» هي العبرة الخطأ مما حدث، لأنها تسمح لنا بتخيل أنه لو بقي بوتين «وفيًا» لكان من الممكن أن يستمر كل شيء كما كان. لا أعتقد أن سوريا كانت في هذا الوضع في أيامها الأخيرة. الدولة كانت قد أُنهكت بأكثر من عقد من الحرب والفساد والعقوبات والتشظي الجغرافي والانهيار الاقتصادي والاعتماد على الحلفاء الأجانب. تُركت إدلب لسنوات تتطور تحت الحماية التركية، وازدهرت المناطق الكردية تحت المظلة الأمنية الأمريكية، ودخلت روسيا حربًا كبرى في أوكرانيا، فيما كانت إيران تستعد لمواجهتها الخاصة مع إسرائيل. وعندما وصلنا إلى المرحلة الأخيرة، أصبحت مساحة المناورة ضيقة جدًا.
الدرس الحقيقي أقسى بكثير من القول إن بوتين خان الأسد. سوريا تعاملت مع الحلفاء كأصدقاء، وسمحت بتحول التحالف إلى اعتماد، وأجّلت قرارات سياسية فيما كان ميزان القوى يتغير، وافترضت أن الدول الأجنبية التي تلاقت مصالحها يومًا مع مصالحنا ستستمر في دفع أي ثمن مطلوب للحفاظ على الدولة السورية.
لم تفعل.
وربما لم يكن علينا أصلًا أن نتوقع منها أن تفعل.
– كيفورك ألماسيان
====================================
رابط المقال:
(20+) استضافني الصحفي الأمريكي جامارل توماس مؤخرًا… – Kevork Almassian | Facebook