لأميركا نزعاتٌ لا تخفى على أحد فكيف تخفى على من لا يساويه أحد ؟!…….
و كيف تخفى على مجتمعٍ دوليٍّ أحمق بالخبث و خبيثٍ بالحماقة من حيث أنه ينادي بما تريده أميركا على هيئة قوانين و منظمات و مجالس و محافل دولية لا تغني و لا تسمن من إنسان بقدر ما تثبّت انهيار هذا الإنسان …….
و على الحكومات الفاعلة حتّى لو قدّر لها أن تعشق شعوبها و لو من بوّابة الدعايات الكاذبة أن تخضع لاختباراتٍ لا تحصى من خبث الحمقى و حماقة الخبيثين …….
فهنا الحماقة بمثابة الذكاء لأنّك إن لم تكن أحمقاً أكلك الأذكياء و إنْ لم تكن ذكياً نهش أشلاءك الحمقى فتصوّروا كيف يكون الذكيّ حملاً وديعاً و كيف يكون الأحمق ذئباً شرساً ، و يجوز هنا أن نخوض في المنحى العكسيّ حينما يكون الأحمق حملاً وديعاً و الذكيّ ذئباً شرساً ، لكن في كلتا الحالتين لا بدّ من خبث الحمقى و حماقة الخبثاء و إلّا تساقطت مؤسسات المجتمع الدولي كما يتساقط الشعر من أو عن رأس ماما أميركا كلّما أسقطت أقنعة جديدة عن وجهها الساميّ الصهيونيّ ، و المضحك في الأمر أنّه كلّما سقط قناعٌ من هذه الأقنعة تبرز إلى العلن قضية معاداة الساميّة و لكأنّما الساميّة مولود من مواليد الأبديّة و الخلود ولد من رحم الأزل و سيعود إلى رحم الأبديّة لتحضيره إلى أزلٍ جديد !…….
عاد القيصر بوتين ليفتح دفاتره البطرسية ما بين الأصغر و الأكبر ، ما بين اللينينيّ و الستالينيّ …….
الأحداث التاريخية كائنات حية طالما انها تعيش معنا وتمر أمامنا .. ونراها ونحس حرارتها ونشم رائحتها كلما مررنا بها في أحاديثنا .. ولكن الاحداث التاريخية .. تموت أيضا .. او تنتحر أو تنقرض او تقتل نفسها .. او أننا نقتلها ..
كم من قصة انتحرت او قتلتها قصة أقوى .. ألم تقتل خطيئة تاريخا مليئا بالفضيلة؟؟ ألم تقتل قصة غاليله وحرقه كل قصص الكنيسة المدججة بكل الرهبة والايمان المطلق بالخرافة؟؟ وقصة قبلة يهوذا ألم تقتل كل تاريخه وانه كان من تلامذة السيد المسيح وكان على مائدة العشاء الاخير مع أعظم انسان .. كي تبقى القصة التاريخية حية يجب ان لاتتعرض للكذب وألا تقع في الخطيئة وألا تخضع لأهواء الانسان .. لأنها اذا أكلت من لحم الكذب فان لحمها سيكون متفتتا ومريضا .. وستسقط كلما أصابها مرض ..
من عيسى بن مريم الى من فديتهم بدمي وصلبت من أجلهم لم أكتب لكم قبل اليوم .. واكتفيت بما قلت لكم منذ ميلادي وحتى آخر لحظة فيها كنت معكم على هذه الارض الى يوم قيامتي .. أنا ابن الآب والروح القدس ..
اليوم انتم جميعا تقبلونني .. وترتلون الصلوات .. وتتكلمون عن شجاعتي ومحبتي لكم وفدائيتي .. ودمائي .. أنا على يقين انكم تعرفون قصتي مع يهوذا الذي خانني .. رغم انه قبلني ليعبر عن حبه لي .. وهل من بعد القبلة من حب ومودة ؟؟ ان القبلة احتفال بالحب البشري واحتفاء بتلاقي الارواح .. ولكنها عندما تكون وسيلة للخيانة وووسيلة للتقية والكذب فانها احتفاء بالشيطان الذي جئت لأخراجه منكم .. أنتم تقبلونني اليوم في احتفالاتكم بميلادي وانتم تعرفون ان الارض ملأتها الجثث في فلسطين .. في أرضي .. وأنتم ترون مغارتي لم يعد فيها متسع للموتى .. هل تظنون انكم تحبونني كما أحببتكم أم انكم في دواخلكم معجبون بيهوذا وقبلته المنافقة .. أتقبّلون المعلم وتقتلون رسالته؟ .. وتدلون أهل الشر في الأرض على كلماته .. ليصلبوها؟ .. ألا تعلمون ان كل جسد قتل في غزة هو كلمة لي .. انتم تعلقون لي الاجراس .. ولكنكم تقتلون تقتلون كلماتي .. اوتستقبلونني بجثث عشرين ألفا ؟؟ ودماء خمسين ألفا ؟؟ هل تظنون انكم مؤمنون بي حقا؟؟ أم تحبونني على طريقة يهوذا.؟؟ انني كلما نظرت الى مافعله الانسان بالانسان أحس أن الشياطين والارواح النجسة التي أخرجتها أنا من الانسان عادت اليه .. وخرجت أنا من الانسان .. سيفهمني ابن الانسان ان قلت ان أعياد الميلاد هذا العام اهانة لي وللآب والروح القدس .. فكيف تحتفلون بالميلاد والارض ملآى بالموت والجثث والدم؟ .. هل يستوي الميلاد والموت في هذا العالم ليكونا معا؟؟ .. ميلاد وموت؟؟؟ .. وأين كل هذا الموت؟؟ في بيتي؟؟ أوتستقبلونني بملايين من شجرات الميلاد .. ام انكم لاتدرون انكم وضعتم في مهدي عشرين ألف جريمة .. وجثامين عشرة آلاف طفل .. وابادة كاملة .. وبعد كل هذا تريدون مني أن أحتفل معكم .. وأن أبارككم وقد رميتم دمي بين أرجل الخنازير؟ .. وصارت الخنازير أطهر من أرواحكم؟ .. كأني بما تفعلون تقولون: سحقا لله في علاه .. هل يصدق هذا العالم نفسه أم أنه يدرك أنه يسخر من نفسه ومن الله ومنّي .. وهل يدرك بأنه لافرق بين جاهلية الصحراويين الذين كانوا يصنعون آلهتهم من التمر .. ثم يأكلونها .. وهو اليوم يفعل نفس الشيء .. يحتفل بذكرى مولدي كرسول السلام والمحبة .. بينما يسدون مغارة قيامتي بجثة 20 ألف انسان مذبوح .. نصفهم من الاطفال .. فكيف اقوم؟ .. وكيف أدفع جثة عشرين ألف انسان مقتول عن باب المغارة؟؟ في عشائي الاخير .. كان يهوذا .. وكان هناك من أنكرني قبل صياح الديك .. واليوم يقبلني يهوذا .. وينكرني كل البشر من أجل خاطر الشياطين؟؟ أرجوكم أن تكفوا عن النفاق .. وارجوكم أن تكفوا عن التراتيل .. وعن الصلوات .. فما نفعي من الصوات والتراتيل اذا لم تتعلموا مني كيف تكونون صادقين ؟؟ وكيف تفتدون من تحبون .. ومن تحبون .. وكيف لاتستمعون للشياطين في أرواحكم .. وكبف لاتدخلون الخنازير في انجيلكم ..
أنا سأخرج من كل صور الكنائس وسأغادر الايقونات فلاتبقى فيها بركة .. وأنا سأحمل كل صوري وأغادر هذا الانسان الذي كان بخيلا ولم يعطني قبلة حقيقية .. وبدلا عن القبلة ملأ عيني وقلبي بالدم .. وأهداني حزنا .. وأهداني ألما .. ووجعا .. واهداني اهانة لدمي .. بعد 2023 سنة كنت فيها معكم .. أنتظر خلاصكم .. وأنتظر أن نلتقي .. أحس أن رسالتي اليكم قد وصلت الى نهايتها .. ولكن .. أنتم لاتستحقونني .. ولاتستحقون أن تحملوا معي الصليب الذي حملته .. انا باق في السماء .. فلا تنتظرونني .. الا عندما تخرجون الأرواح الشريرة من نفوسكم .. وتعيدون الأرواج النجسة الى الخنازير ..
الدور الذي تختاره في الحياة هو الذي يحدد مكانك في الأرض والسماء .. فاذا اخترت أن تعيش عظيما فانك لاتحتاج أن ترث اللقب ولاأن تكون من سلالات النبلاء .. فكل العظماء في العالم لاينحدرون من سلالات النبلاء .. وربما انحدر الوضيعون والمجرمون في العالم من سلالات النبلاء .. وأنت لاتحتاج لكي تحوز على احترام الناس أن تقبل أقدامهم بل أن ترفع اعناقهم .. وان ترفع أقدام الطغاة عن أعناق الناس .. وعنقك .. وماأكثر من ضيع ثروة أبيه واسم أبيه .. وضيع مجد أبيه .. ولكن ماأكثر من صنع مجدا لأبيه .. وصار أبوه معروفا لأنه اب لابنه .. هذا هو حال قناة السويس ومضيق باب المندب .. القناة التي تملكها أم الدنيا .. والمضيق الذي يسكن بجانب أفقر أهل الدنيا .. ولكن المضيق صنع له جيرانه مجدا لايضاهى .. فيما ضيعت أم الدنيا مجد قناتها ومجدها ..
في قناة السويس مجد ضاع .. وشعب ضيع مجدا .. صنعه لهم أبوهم جمال عبد الناصر الذي هو أبو المصريين .. وليس (ابو الهول) .. وفي مضيق باب المندب شعب يمني له سيرة الأنبياء الذين يرعون الأغنام .. وينتهون ليصبحوا قادة الامة وأنبياء الامم .. وسادة الامم .. الفرق بين قناة السويس وبين مضيق باب المندب هو ان قناة السويس صنعها البشر لتكون نظيرا لما صنعه الله في الطرف الاخر الجنوبي من البحر الاحمر .. اي لتكون مضيق باب المندب الشمالي بالنسخة المصرية .. ولكن باب المندب هو قناة سويس الهية في الجنوب .. أو قناة السويس اليمنية التي صنعها الله وكانت تبحث عمن يملكها ويحرسها ويعطيها مكانتها التي تليق بها ..
ليس كل من رقص لنا رقصة أعجبتنا يريد ان يدخل السرور الى قلبنا .. بل ربما ان يقطف رؤوسنا ويقدمها على طبق من فضة لسيد أو ملك .. وهذه هي وصية نستنتجها من قصة يوحنا المعمدان وسالومة التي رقصت .. احذروا الجزيرة التي اغتسلت من أدرانها وتوضأت بدماء اهل غزة .. وهاهي اليوم تجد في حرب غزة فرصة لاستعادة شرفها بعد ان تمرغت في فراش الرذيلة والجريمة في الربيع العربي المشؤوم .. وهاهي اليوم تغسل وجهها بدماء الشهداء لتبيض وجه الموسسة الذي نعلم كيف تبيض وجهها بالجريمة والفتنة .. في 45 دكيكة .. او 45 يوما ..
من منا سينسى هذه الافعى التي تلتف حول العقل العربي منذ سنوات طويلة .. وشعارها الذي يشبه الافعى التي تلتف حول نفسها .. من منا سينسى هذه الحية التي اخذت براءة الاختراع من مشاركتها في حرب لبنان عام 2006 .. وكانت الناطقة باسم حزب الله .. ويومها قدمت الجزيرة أوراق اعتمادها للشعب العربي من معركة حزب الله .. وصار العربي يراها ويتابعها ولايسائلها .. نام العربي مطمئنا قرير العين في أحضانها .. وكان ملمسها الناعم لايذكره بملمس الافاعي .. بل بالحرير ..
لاتستهينوا بما تملكون .. ولاتغرنكم الالقاب والأبهة والفخامة وأصحاب الجوائز العالمية .. فان السيد المسيح لم يحصل على اية جائزة ولكنه غير العالم .. والنبي محمد لم يكن خريج السوريون او كامبريدج بل كان خريج الصحراء ولكنه غير الكون كله .. واليوم هذه القطعة من الأرض التي تسمى غزة هي التي بدأت تتحدى التاريخ ونظرياته .. وهي أصغر من أي حي من أحياء مانهاتن .. تقف على أعتابها نظريات التاريخ السياسي والاجتماعي .. ويقف على شواطئها فوكوياما وهو يبلل نظرية نهاية التاريخ في بحر غزة .. ويشرب ماءها المالح .. والسبب هو أن نهاية التاريخ الحديث والعصر الامبريالي تتحدد في فلسطين .. فاقامة اسرائيل هي نموذج التفوق الغربي وهي رمز على قوة السطوة الغربية .. وبقاؤها يعني ان اوروبة لاتزال قوية وتحكم العالم .. وأما نهاية اسرائيل فانها تعني نهاية العصور الاوروبية التي حكمت العالم وتجلت كل قوة اوروبة في أنها تتحكم بمصير التاريخ عندما تعبث بالخرائط القديمة وتغيرها .. وتخلق دولة وصفت بأنها ضد التاريخ وضد الجغرافيا وضد المنطق .. ونهايتها هي نهاية لاسطورة قوة اوروبة .. والعنصر الابيض الاوروبي .. كنت دوما أقول ان أمراضنا الاجتماعية ونقص المناعة القومي والقيمي والاخلاقي سببه ان اسرائيل موجودة وهي تنتصر في معاركها .. وتمنعنا من اكتشاف انفسنا .. وانتصار العدو دوما يصيب هيبة الوطن ويثير الشك في قيمه ونظرياته الامنية والثقافية والاقتصادية .. والحضارات التي تنتصر عسكريا فانها تملي نموذجها الثقافي على المهزوم وفق ابن خلدون حتى لو كانت قيما مغايرة للمنطق طالما انها تنتصر ..لأن الذي تصاب ثقافته بالاهتزاز وقلة الثقة بالنفس ونقص المناعة لأن التفوق العسكري قد يفهم منه ان الثقافة التي حملت هذه القوة قوية وهي التي خلقت التفوق العسكري ..
كان حدث “طوفان الأقصى”، دون شك مفاجئاً بقوّة انطلاقتِه. إلّا أنّ الأبعاد التي ينطوي عليها، كانت على جانبٍ أعظم من المفاجأة!
سوف أُبرز بعض هذه الأبعاد، على أن أفصّلها بعض الشيء، الواحد تلو الآخر.
أوّلاً.
أبدأ بما يبدو لي، على جانبٍ مطلق من الجلاء، غياباً جذريّاً وكلّيّاً في جميع العهود دون استثناء، لقوانين دولية مزعومة، يُدّعى أنّها تنظّم العلاقات بين الشعوب والأمم. وذلك على مستوى العالم بأسره.
أجل، أجرؤ وأدّعي اليوم، في ضوء ما يجري في غزّة، منذ السابع من شهر تشرين الأول/ أكتوبر، نظراً للاحتقار التام الذي تواجه به إسرائيل العالم كلّه. بدءاً من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن، أنّ القانون الوحيد الذي كان قائماً على الدوام، طوال أحقاب التاريخ العام، إنما هو قانون الأقوى. وإن هذه الحقيقة لم تعد تبدو لا خياليّةً، ولا سخيفةً. وليس مَن ينكرها سوى الأغبياء… وأصحاب المصالح!
إن كان ذلك يمكنه أن يبدو صحيحاً بصورة عامة، على نطاق أزمنة ماضية وبعيدة، فهو يصحّ أيضاً، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، بالنسبة إلى العصور الوسطى والحديثة.
ولنمضِ إلى ما هو أبعد من ذلك.
إذا حدّقنا في الأزمنة التي كان الحكم يُمارَس فيها باسم الله، سواء كان ذلك في بيزنطة، أو في الغرب المسيحي، أو في دار الإسلام، في بغداد، ومصر، وسورية، وعلى نحو خاص في زمن الإمبراطورية العثمانية، لم يكن الله، بكل تأكيد، ليرتاح إلى ما كان ممثّلوه يفعلون، في نهاية المطاف، باسمه. وإني لأرى بكل بساطة، أنهم كلّهم دون استثناء، كانوا أسوأ جلّاديه!
أمّا فترة الإبادات المتمادية، التي لازمت اكتشاف القارة الأميركية، والتي أعقبتها سريعاً فترة الحروب الدينية في أوروبا، ومن ثم الفتوحات الاستعمارية الرهيبة، التي قامت بها بلدان أوربية تدّعي المسيحيّة، أما هذه الفترات، فلا بد للمرء من أن يكون قد فقد كل مفاهيم الإيمان والأخلاق، كي يجرؤ ويزعم أنّها كانت تنطوي على شيء من الأخلاق، ولو في حدودها الدنيا.
إلا أن من يتسنّى له أن يستعرض تاريخ أوروبا، ماضياً وحاضراً، مع العالم العربي، فسيتعيّن عليه دون أدنى شك، أن يعترف بأسبقيّة اللاأخلاق واللاشرعية، للسياسيّين الذين أملَوا تصريح بلفور، والتزموا به منذ عام (1917) إلى يومنا هذا، الموافق الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2023.
ثانياً.
وأصل الآن إلى ما يبدو لي الانهيار المطلق لكل تعايش ممكن بين جميع الديانات من جهة، ولا سيما المسيحية واليهودية، وجميع الدول من جهة أخرى، باستثناء بعض الفترات، كما حدث في عهد الأمويين، والعباسيين، ولا سيما في الأندلس، طوال القرون الماضية، وخلال فترة حديثة نسبياً، في لبنان وسورية… وإن مثل هذا التأكيد، لا يستند البتّة إلى أي تضخيم أو تجاهل لوقائع التاريخ.
وباقتضاب، حسبي أن أذكّر بالدرجة الأولى، بالاضطهاد الذي انتهجه الكنيس اليهودي ضدّ يسوع أوّلاً، ثمّ ضدّ تلاميذه وأتباعه حتى عام (313). والمؤسف أنّ هذا التاريخ المشؤوم، بدل أن يسجّل بداية حقبة إنجيليّة صرف، افتتح عهداً من الاضطهاد المناقض كلّيّاً للإنجيل، وقد سوّلت فيه الكنيسة لنفسها أن تفرضَه على اليهود، في جميع أرجاء الإمبراطورية الرومانية، أملاً واهياً منها بإرغام اليهود على اعتناق المسيحيّة. وإنّ هذا الاضطهاد المبطّن، هو الذي خلق في ما بعد، تلك اللاسامية البغيضة، التي انتهت إلى حقن الكنيسة الغربية كلها، وجميع الكنائس التابعة لها، والمجتمعات الأوروبية كلها، المسمّاة مسيحية، بسمٍّ زعاف، حتى منتصف القرن العشرين.
وكان أن نجم عن ذلك نتائج عصيّة على أي علاج: منها، على مستوى الكنيسة والمجتمعات الأوروبية، عقدة ذنب حيال اليهود، يستحيل اقتلاعها، بل هي تفضي إلى دعم اليهود، وحتى الصهاينة وإسرائيل، دعماً غير مشروط ودائماً، على الرغم من جميع الأهوال التي أجازوا لأنفسهم أن يرتكبوها، طوال الخمسة والسبعين عاماً، التي انقضت على زرع إسرائيل عام (1948)، والتي يجيزون لأنفسهم أن يرتكبوها على مرأى ومسمع من العالم بأسره، في هذا الوقت بالذات، وفي غزّة وفي فلسطين المحتلّة!
وثمّة نتائج أخرى، عصيّة على العلاج، ولكنّها تطال هذه المرة، جميع اليهود على مستوى الأرض كلها، ولا سيما في فلسطين: إنها لكراهيّة مَرَضية وشاملة، تطال ليس فقط كل ما هو مسيحي، بل كل إنسان أيضاً، لا سيما إذا اتضح أنه ضعيف، مثلما كانت حال العرب دائماً، ولا تزال، منذ أن اختارت الحركة الصهيونية فلسطين، لتقيم فيها “وطنها القومي”.
وإلى ذلك، فلا بد لنا من الاعتراف بأن الإسلام وحده، منذ أن فتح دمشق عام (635)، ثم القدس عام (639)، ثم مصر عام (641)، ولا سيما الأندلس، ما بين (711) و(1492)، أجل إن الإسلام وحده قد عرف أن يبدع نمطاً من التعايش مع الشعوب المقهورة، قدّم الدليل على جدواه عبر التاريخ كله. وحسبُنا البرهان الحاسم على ذلك، ما جاء لدى المؤرّخين اليهود، بل الإسرائيليين، مثل “آبا إيبان”، والحاخام الفرنسي “جوزي أيزنبرغ”، والمؤرّخ الأميركي “أبرام ليون زخار”. والحال أن كل ذلك قد حدث، مع أن الإسلام قد سجّل في جميع فتوحاته الماضية، زخماً لم يُعهَد لدى سواه.
وإنّ لنا برهاناً ثابتاً عل هذا التعايش الاستثنائي، الذي أبدعه الإسلام ومارسه، يطيب لي أن أبرزه في استمرار حضور العرب المسيحيّين – ومثلهم اليهود – في الشرق الأدنى، حتى اليوم (24/11/2023)، مع مواطنيهم المسلمين، على الصعيدين الثقافي والسياسي، بحيث أنشأوا أحزاباً سياسية قوية، انتهى بها الأمر إلى إبداع التيار العروبي، أي تلك الأيديولوجية السياسية التي ترمي إلى احتواء المجتمع العربي برمّته، في حراك سياسي واحد.
وثمّة برهان آخر، إن اقتضى الأمر، ولكنه هذه المرة، برهان يتحدّى كل إنكار متوقّع. إنه المقاومة الأسطورية التي برهنت عليها سورية، خلال هذه الحرب الكونية والجهنمية، التي خُطِّطت ضدّها، منذ منتصف شهر آذار/ مارس، عام (2011)، من قبل ما لا يقل عن (140) بلداً، على رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.
ثالثاً.
وأما البعد الثالث، فليس لديّ سوى استعباد الضمير العالمي للقوى الرسمية أو المخفية التي تسيطر على العالم.
وهنا، لا أفتقر إلى أمثلة. إلّا أني لن أبرز إلّا مثالاً واحداً، وهو أكثر من مقلق. وإني لأقدّمه في وجهَيْه المتكاملَين.
هوذا وجهه الأول: عندما شُنّت الحرب الكونية الراهنة ضد سورية، في (15) آذار/ مارس، عام (2011)، كانت جميع وسائل الإعلام، أجل جميع وسائل الإعلام، الناشطة في الدول الحليفة، المائة والأربعين، قد اندلقت، طوال سنوات وسنوات، ليل نهار دون انقطاع، ضد سورية، سورية التي باتت بين ليلة وضحاها، العدوّ الألدّ والأوحد، الذي يتوجّب القضاء عليه. فضلاً عن ذلك، هل يجوز لنا إغفال مئات “العلماء”، “الحقيقيّين” أو “المرتجلين” بقدرة قادر، الذين كانوا يتنافسون في التسويغ والتحريض، من أجل إرسال مئات الآلاف من “الجهاديّين” المزعومين، الذين اختيروا ودُرّبوا ومُوّلوا، عبر البلدان العربية والإسلامية على السواء، وكذلك بالطبع عبر جميع البلدان الأوروبية، والولايات المتحدة، وكندا وأستراليا، والصين وبلدان أفريقية! وإني لأمتنع عن المزيد!
وأما الوجه الثاني، فحسبي شاهداً عليه الانتفاضة الفلسطينية في غزة، يوم (7) تشرين الأول/ أكتوبر، من عام (2023).
وفي الواقع، فإني لا أراني مبالغاً، إن أكّدت أنه لولا صورة وصوت هذه المحطة التلفزيونية الاستثنائية، التي تُدعى الميادين، ولولا العديد من شركائها، وصحفيّيها ومراسليها ومندوبيها، المنتشرين في العالم كلّه، من تُراه كان عرف، أو حتى تخيّل ولو بالحدود الدنيا، الهول العصيّ على أي وصف، لما كان يجري في غزة، منذ ذاك اليوم المحتوم، يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2029؟
لقد بات الجميع، منذ ذلك الحين، على بيّنة جليّة أن ما يُسمّى شرعة الأمم المتحدة لم تكن سوى خدعة. ومثلها كل ما يُسمّى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وجميع المنظّمات الدولية المزعومة، إذ ليست سوى أدوات في خدمة جبابرة هذا العالم!
ومنذ ذلك الحين، بات العالم العربي وباتت البلدان الإسلامية، في حاجة ماسة إلى إعادة تقييم معايير علاقاتها، إن مع “القوى الكبرى”، أو مع هذه الدولة “الصغيرة”، ولكن المتوحشة، التي تدعى “إسرائيل”، والتي تكشّفت في الواقع بوصفها سيدة العالم الوحيدة!
على كل حال، فإنّ التظاهرات العملاقة التي أيقظت العالم، تأييداً للفلسطينيّين، قد مزّقت كلياً الحجاب الذي أَلِف العديد من “الزعماء” العرب والمسلمين، أن يلوّحوا به في بلدانهم المختلفة، ضدّ إرادة شعوبهم الصريحة، تحت مسمّى بريء، هو تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
حقاً، فإن الحقيقة وحدها هي التي تحرّر، ولكنها حقيقة غارقة في دم الأطفال والنساء، قبل كل شيء، في إدانة صارخة لإسرائيل وعبيدها!
ولذلك، فإني لا أتردّد البتة في الإعلان أخيراً، ولكن بما لدي من قلب كاهن مؤمن بيسوع المسيح، وقد سُحِق خجلاً بسبب صمت الكنيسة كلّها وتغيّبها عن هذه المأساة الكونية التي تجري أحداثها في فلسطين، وطنه بعينه، أجل لا أتردّد في الإعلان أنّ “طوفان الأقصى” سوف يسجّل بداية تبدّلات كثيرة وحاسمة، ستترجّع أصداؤها على نطاق مستقبل العالم بأسره، في ما يشبه التبدّلات التي حدثت قبل ألفي عام، في فلسطين بالذات.
رابعاً.
أخيراً أودّ أن أشير إلى أنه آن للعالم العربي حصراً، أن يستعين بحقيقة أساسية، ليس سواها يشكل ذاتيّته كلّها! والصحيح أننا هنا أمام عالم له امتداد جغرافي شاسع، ويملك طاقات لا حدود لها، على الصعيد البشري والموارد في آن واحد. ولذلك كان أبداً عرضة لمطامع لا تحصى، وسوف يبقى. ولذلك أيضاً من النافل، بكل معنى الكلمة، توقّع أي شيء إيجابي من القوى الغربية، أيّة كانت مسمّياتها، الغرب الأوروبي أو الأميركي، الشرق الأقصى، الصين، روسيا، إيران، فيما القوة الأخيرة، وهي إسرائيل، تتبدّى بكل وضوح أخطرها جميعاً، بما تملك من امتدادات لا تحصى، على الصعيد الإعلامي والسياسي، واللوجستي، والعلمي، والمالي، والمخابراتي الخ… سواء عبر العالم كله، أو داخل الدول ذاتها تحديداً.
إلا أن ذلك لا ينفي ضرورة الأخذ بكل تحالف ممكن، مع هذا المحور أو ذاك، الذي “يسعى” لتحرير العالم كلّه من هيمنة الولايات المتحدة، الخارجة على كل ما هو إنساني، وفي احترام تام لكوكب الأرض، ولخصوصية كل دولة على حدة!
يترتّب إذن علينا أن نبحث في شجاعة، ولكن في منهجية، بأقصى قدر ممكن، عما يشكّل في عمق أعماقنا، هويّتنا البشرية حقاً، لا سيما على الصعيد الثقافي والسياسي.
وإنّ اللغة العربية، التي يشكّل القرآن القلب والجوهر منها، إنما هي فيها الجسر الروحي والإنساني والاجتماعي، القادر على ربط جميع خلايا هذا العالم الضخم. وإن التلاحم الإنساني والروحي، الذي يَسِم بعمق النسيج الإنساني الخاص بهذا العالم البادي التشرذم، هو معطى أساس، يجب الأخذ به، أيّاً كان الثمن، من أجل كل مشروع حاسم.
وهناك أيضاً واقع تاريخي بالغ الأهمية، وسم التطور العام لتاريخ الشعوب والديانات، داخل المجتمعات الإسلامية، بخلاف ما حدث في جميع المجتمعات الغربية، سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة، وكندا وأستراليا… وإنه لواقع تاريخي لا يمكن دحضه، وهو وليد عبقرية متميزة. إنه واقع التسامح الديني، الذي بلغ أعلى ذراه في الأندلس حتى عام (1492)، والذي حقق أيضاً أحد أشهر ثماره الثقافية، بل السياسية أيضاً، في ما كان يُدعى سورية الكبرى، بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا.
ولذلك، أجيز لنفسي أن أختم مقاربتي هذه، بالتذكير بأهمية الدور الحاسم، الذي يسع سورية الكبرى أن تلعبه في أزمنتنا هذه بالتحديد، وعلى صعيد هذا المشروع الحيوي، بعيداً عن جميع التقسيمات السياسية الراهنة، بوصفها القلب الروحي والثقافي للعالم العربي، على اختلاف الديانات السائدة.
باختصار، نحن مدعوّون لإبداع نمط جديد من الإحساس والتفكير والعيش، والعمل، بل والصلاة، سعياً وراء مشروع ليس فقط قابلاً للحياة، بل حيويّاً ومُحيِياً للجميع، بكل ما للكلمات من معنى، في احترام للحريات، وكذلك أيضاً للخيارات الشخصية، على صعيد الحياة السياسية والدينية، تحت طائلة موت بطيء، ولكن حتمي!
اذا أردت أن أكون صادقا مع نفسي وأجلس أمام المرآة لأعترف فانني سأنظر في عيني خجلا من عجزي وضعفي وأنا أرى مجزرة الطفولة في غزة .. سأرى في المرآة وجوه أطفال صغيرة تنظر الي .. في عيني .. لتحاكمني: فأطلب منها الرحمة والغفران واصرخ طالبا منها أن تصفح عني لأنني مجلل بالعار والذل .. وسأبقى أردد في عيني كل طفل انطفأ فيها الضوء: واخجلي منك وياللعار .. اذ أطلقت عليك النار .. فتدفق من شفيتك دمي ..
ان كل أطفال غزة قتلوا بأيدينا نحن العرب .. نحن من أطلقنا عليهم النار بخذلانهم والسماح للغرب أن يأكل لحكهم أحياء .. ودماؤهم التي تتدفق من افواههم ..هي دمائي ودماؤكم ..
أعترف أن يوم السابع من اكتوبر ملأني نشوة حتى ثملت .. وكنت في كل ساعة من ذلك اليوم أحس أنني كنت أردد مقطعا من أغنية “سورية ياحبيبتي” الذي يقول: (الآن .. لأني عربي ).. كنت أشرب من كأس النصر .. وأكرع حتى أخر قظرة .. ثم أسكب من قارورة غزة كأسا آخر .. ثم كأسا آخر .. ولاأشبع ..
كنت أتوقع ان تصاب اسرائيل والغرب بالجنون والهستيريا .. وكنت أعلم ان الغرب أكثر من اسرائيل هو الذي سيحارب وسيصاب بالسعار لأنه هيبته هي التي سحقت .. وان الروبوت الذي صنعه وسماه اسرائيل قد اختلت برمجته وتمكن مقاتلون بسطاء من فكه وفك قطعه .. ونظرياته المغرورة بالتكنولوجيا والتفوق العلمي هي التي هزمت وسحقت عبقرية الكومبيوترات والروبوتات والذكاء الصناعي الذي يمثله مشروع بناء اسرائيل بخلق مخلوق جديد بالقوة ضد الطبيعة والمنطق وضد الله .. وكل المشروع الغربي الذي يصب محاليله ومنجزاته واعصابه في اسرائيل ويمد اليها أنابيب الانعاش من أوروبة واميريكا .. كل هذا تبين أنه لايساوي أبدا قيمة الانسان الذي تنبته الارض .. وأن الروح أقوى من كل المفاعلات والمعادلات الفيويائية والكيميائية ..
لكن أعترف ان الغرب قد سرق نصري ونشوتي .. وأفسد علي مذاق النبيذ .. وسكب في قارورة غزة دما غزيرا اختلط طعمه مع طعم النصر .. نبيذ بنكهة الدم .. ودم بنكهة النبيذ ..
يدرك الغرب ويدرك الاسرائيليون ان الانتصار على ذلك اليوم واقتلاعه من الضمير والوعي والذاكرة صار مستحيلا .. فقرر أغراقه بالدم .. كيلا نراه .. وكيلا نتذوقه .. وكيلا نشم عطر الغار القادم منه .. ونجح انه أفسدعلينا لذة النصر .. وحعلنا لانهنأ بلقمة ولابجرعة ماء .. لأنها صارت تعذبنا ونحن نرى أهلنا يموتون وشعوب العرب عاجزة عن ايقاف المجزرة ..
الحرب ستنتهي .. ولكن اسرائيل الروبوت الاوروبي الذي تم تفكيكه صار الغرب يعرف امكاناته المحدودة .. وصار يعلم ان الروبوت لايمكن أن يقاتل الانسان .. وأن الروبوت لايمكن أن ينتصر .. اسرائيل وكل كيان استيطاني مزروع يستحيل ان يعيش طويلا .. وتعثر الجيش الذي كان لايقهر ويجتاح 3 دول عربية ويبتلع خمسة أضعاف مساحة دولته في 6 أيام .. لم يعد قادرا ان يسير في شارع في غزة بعد 60 يوما .. لا ستة ايام ..
مايعزيني أن اسرائيل تموت بالتدريج وهي لاتدري أنها تموت .. تموت نفسيا وأخلاقيا .. تموت نظرياتها .. وتموت حكاياتها .. ويموت الهولوكوست الذي عاشت عليه .. وتموت كالأفعى التي ظنت أنها تعيش كلما بدلت جلدها .. ويتبين للجميع أن الروبوت يبقى (روبوت) .. وأن الانسان يبقى انسانا .. ومن يقارن الروح بشحنة كهرباء صنعها الانسان ؟؟ ومن يقارن حرارة الجسد ببرودة المعدن واسلاك الكهرباء ..؟؟ ومن يقارن بين الزيتونة وزيتها وبين لوحة زيتية لشجرة زيتون .. هذا هو الفرق بين مشروع اسرائيل ومشروع فلسطين .. اللوحة التي رسمها فنان أوروبي .. والزيتونة التي زرعها فلسطيني ..
انه الفرق بين السيد المسيح وبين يهوذا ..
ان فلسطين هي السيد المسيح .. وكأسها المقدس في غزة .. ويهوذا يملأ الكأس المقدس بالدم كي يفسد العشاء الالهي بين العالم وبين غزة .. ولكن هذا الدم هو نفسه دم السيد المسيح .. فكل دم مظلوم هو دم السيد المسيح .. وكل فدائي يفتدي الانسان بدمه يفعل كما فعل السيد المسيح … وغزة تفتدي العالم .. وتخلص البشر من آثامهم وذنوبهم .. وتصلب اليوم وتجلد وتنزف .. ولكن .. للأقدار كلمتها .. وويل لمن يعاند الأقدار ..
لايزال الكثيرون لايقدرون على التخلي عن شعارات الربيع العربي لسبب بسيط هو انهم لم يفهموا الربيع العربي الا كما لقنتهم اياه الجزيرة ووعاظ الربيع العربي .. وماتعلموه هو من بنات أفكار الموساد الذي شوش العقل العربي وصور له ان عدوه ليس في تل أبيب بل هو في دمشق وطهران وبنت جبيل .. ولذلك فان اسرائيل ضربت الجيش السوري الذي كان يهددها ويرفض أي سلام معها .. ضربته بالثوار العرب والاسلاميين .. واسرائيل حرضت العرب والمسلمين ليعيدوا الساعة الى لحظة القادسية ونسيان لحظة سقوط القدس .. والسفر من تلك اللحظة عبر الزمن والعيش حول زمن القادسية .. كانت اسرائيل تقصف سورية فيكبر العرب والمسلمون تهليلا .. وكانت اسرائيل تحرك داعش التي لم تقتل جنديا امريكيا واحدا ولم تقتل جنديا اسرائيليا واحدا فيما كان مئات الجنود السوريين يذبحون في الطرقات والعالم العربي والاسلامي يعتبر ذلك نصرا من الله .. كل جيوش الاسلام .. كانت تحارب الجيش السوري وحلفاءه .. ولم يعرف أحد السر في اختيار اسم أبو محمد الجولاني الذي لاينتمي الى الجولان بل هو من منطقة درعا .. ولكنه كانت ترجمة للواء غولاني الاسرائيلي ..
اليوم تكشفت كل الاسرار .. ورأى العرب بأم أعينهم ان اسرائيل تقصف غزة ودمشق في نفس الوقت لأن اسرائيل ترى ان دمشق هي التي تحمي غزة.. وفلسفة دمشق هي التي تحمي فلسفة غزة .. وان جيش محمد ضيف في غزة نهض لأن جيش دمشق بقي نصيرا له ولم يمت كما ماتت بقية جيوش العرب .. لم يسأل العقل العربي لماذا فقط دمشق تتعرض للقصف الاسرائيلي والاميريكي هي وغزة دون اي عاصمة عربية واي مدينة عربية .. ؟؟ لماذا لاتقصف القاهرة ولا الرياض ولا الدوحة ولا عمان ولا تونس ولا الرباط ولا استانبول؟؟ فقط دمشق وغزة .. ألا يستحق هذا ان يفكر العربي في أن اللعبة قد انكشفت الآن وأنه لم تعد هناك اسرار .. وأنه لا ربيع عربي ولا جيوش اسلامية ولا جهاد ولاجوامع .. فقد صمتت كل الجوامع في مذبحة غزة .. وصارت مشغولة بالتصوف ورقص الدروشة .. وجفت كل التبرعات وصار المسلمون فقراء لا مال عندهم .. وتحجرت الحناجر التي كانت تصدح بالدعاء لنصر أهل سورية المظلومين .. وانصرف الجمع للدعاء لأولي الامر ان يوفقهم الله فيما اختاروا ..
لعلنا نتفق أن الأشياء لاتقاس بحجمها بل بمحتواها وبماتقوله .. تخيلوا ان كل كتب الفيزياء تختصرها بضع معادلات لنيوتن أساسها الجاذبية .. والنظريات السياسية أيضا فيها قانون جاذبية خاص بها .. كلما اقتربت النظريات السياسية من قانون جاذبية الانسان المتفوق والسعيد جذبت الناس .. وعندما يكتشف الناس ان جاذبية النظريات السياسة التي آمنوا بها خفيفة يغيرونها وينتقلون الى نظرية لها جاذبية أفضل ..
في المظاهرات التي تعم العالم .. ظهر فيها قانون جاذبية قوي جدا هو جاذبية العدالة .. وجاذبية الحرية للانسان .. وجاذبية الانتصار للمظلوم ..
في الاردن تقوم مظاهرات على نفس المبدأ ولكن لها جاذبية خاصة وهي أنها تقدر ان تهز اعصاب أسرائيل اكثر من اي مظاهرات اخرى .. والسر في قوة جاذبيتها انها تملك قدرة ساحرة لاتملكها مظاهرات أخرى .. وهي القدرة على هز عرش الاطمئنان الاسرائيلي ..
الحقيقة انه تعجبني جدا مظاهرات الشارع الاردني .. والحقيقة أيضا انها من أضخم مظاهرات العالم العربي بعد حشود المظاهرات اليمنية العظيمة .. ولكن الشارع الاردني يتظاهر ولايزال تحركه لايخيف اسرائيل بسبب غياب شعار واحد .. وغياب هذا الشعار مثل غياب قانون الجاذبية عن قانون نيوتن في الحركة .. ولن تكترث به اسرائيل طالما ان المتظاهرين ينسون او يسهون او يتجنبون أهم شعارات .. أي ان يوجه الجمهور سبابته الى شخص الملك كمسؤول عن السلام مع الكيان الصهيوني وحماية أطول حدود للكيان ..
اسرائيل قائمة على التحكم بأذرع لها في العالم العربي .. الذراع السعودي يمسك أهم مركز ديني مقدس عند الاسلام وهو الحرم المكي .. وهو مصدر خطير للافتاء الاسلامي .. ولكن ذراع الاسرة المالكة تضبط ايقاع الحرم المكي وتفصل الفتاوى على مقاس اسرائيل ..ولذلك فان كل الفتاوى الجهادية منذ لحظة قيام المملكة العربية السعودية لم تنطق بكلمة جهاد واحدة لتحرير فلسطين او الجهاد في فلسطين بل تشجع على القعود عنه والنكوص عنه بذرائع واهية سخيفة مثيرة للتعجب .. وارسل الحرم المكي شباب المسلمين بالفتاوي للقتال في كل الدنيا من افغانستان الى الفليبين والصين الى الحرب بين ايران والعراق والى الربيع العربي وليبيا واليمن وسورية .. ولكن لسان الحرم المكي مقطوع فيما يتعلق باسرائيل واميريكا .. وهذه عبقرية انكليزية عندما سيطرت على أقوى مركز افتاء اسلامي قادر على تحريك مليار مسلم ..وكانت هذه السيطرة عاملا مهما جدا وتم توقيتها قبل قيام اسرائيل بتنصيب اسرة مالكة في عقد تخادم .. تحمي فيه بريطانية والغرب المملكة مقابل ان تحمي المملكة مصالح بريطانية والغرب ومن بينها اسرائيل ..