اذا كان الناس ضد الفساد ويرفضونه فان أحد أنواع الفساد الخطرة هو المجاملة والتملق وتدوير الزوايا وتلوين الكلمات والباسها الأقنعة المسرحية والتنكرية فقط لاخفاء الحقيقة .. لأن الحقيقة تزعج اللصوص والخونة فتتحول الرشوة الى (هدية لتبادل المحبة) والى تجديد علاقات اجتماعية .. ويتحول خرق القانون الى استثناءات قانونية .. ويصبح اللص مجتهدا وأخطأ في القرار .. ويخترع الناس كل الأغطية اللفظية والمبررات التي تبرر فسادهم .. والا فما هو الفساد الذي تورطنا فيه جميعا من خلال ثقافة النفاق والمداهنة للكراسي الحكومية مهما كان من يجلس عليها والطراوة في الكلام وتبديل مواقع الكلمات وارغامها على ان تكذب باسم الحرص على مشاعر الفاسدين واسترضائهم واسترضاء ومن والاهم؟ الفساد هو اخفاء الحقيقة لغاية دنيئة والتوقف عن استعمال الكلمة المناسبة في الخطأ المناسب ..
ولذلك فانني لن أجامل ولن أفكر في مشاعر من سيقرأ الحقيقة .. ولايهمني على الاطلاق ان يقدم لي أحدهم محاضرة في المعاناة والجوع والفقر والفساد الحكومي لأن المسؤولين الحكوميين هم من منتجات الشعب وليسوا ابناء ذوات وبيكوات او ينتمون الى عرق انغلوساكسوني .. فالحقيقة التي يجب ان أقولها هي ان من رأيتهم مهتاجين في ساحة المحافظة في السويداء يهاجمون مبنى المحافظة ويحرقون ويحطمون هم نوع من أنواع الخونة الذين ابتلينا بهم مهما كانت شعاراتهم .. وماأكثر ألوان الخيانات التي صدرت طبعاتها بكل الالوان والأشكال والمذاقات الكريهة .. فما حدث هناك هو ممارسة للخيانة بشكل جلي بحجة المطالب المعيشية ..
لايستطيع أحد ان يرفع صوته وينفجر غضبا ويزايد عليّ ويقول لي انني أعيش في برج عاجي وان أمعاء الفقراء هي التي تصرخ فيما أنا أكتب من عالم الاثرياء والبرجوازيين .. لأننا جميعا وأهلنا وأصدقاؤنا .. الكل يعيش في هذا البلد ونعرف كم يعاني الناس ونعرف كم الوجع الذي يتقاسمه الجميع وكل من حولي ينقلون لي وجعهم عن رسائل البنزين والمحروقات والحرمان من اشياء كثيرة .. ونعلم انه كما في كل حرب وكل صراع سيولد أثرياء الحرب وفقراء الحرب ويفقد المجتمع توازنه لفترة لصالح موجة تدفع بها الحرب كما يدفع الفيضان بكل شيء جيد ورديء .. ولم يغب عن هذه النتيجة حتى المسلمون في اوائل فجر الاسلام الذي ولدت معه سلطة اثرياء جدد تنافسوا على (الصيدة) وهي السلطة الجديدة والملك .. حتى ان أبا سفيان قال للعباس عم النبي في فتح مكة وقلبه امتلأ بالحسد (ان ملك ابن أخيك صار عظيما) فاستدرك العباس وقال بل انها النبوة يا اباسفيان .. ولكن مايولد في الحروب العظمى رغم تناقضات نتائجها ايضا هو مصير الجميع .. فقراء وأغنياء .. ومصير الثقافات .. ومصائر الأمم .. ومسار التاريخ .. ومصير أجيال ومصير كل مستقبل .. ومصير حرية الناس وطريقة عيشهم لمئة سنة على الاقل ..


























