اذكر انني عندما قرأت عبارة نيتشه بأن الله قد مات احسست بالصدمة والرجة في كياني وأنا المؤمن .. لأن لقاء هاتين الكلمتين كان مستحيلا .. فكيف يلتقي الله والموت ويسري على الله فعل الموت الذي يسري على البشر .. والله هو الذي يتحكم بالموت فاذا بنيتشه يصطاد الله نفسه بفخ الموت .. ويجعله ضحية الموت ..
رغم انني فزعت واحسست لحظة قراءتي للعبارة انني ارتكبت معصية اذ قرأت الكفر وأشحت وجهي عن السطور .. الا انني أحسست ان نيتشه قد زرع الجسارة في نفسي كي افكر بحرية وأن أدافع عن الله بطريقة مختلفة عن الطريقة التي يدافع فيها المتدينون والدينيون عن يقين الله .. لأن فهمي لنيتشه يومها أن الله الذي صنعه بعض رجال الدين لنا في المساجد والكنائس والمعابد قد مات فعلا .. وعلينا البحث عن الله الذي لايصنعه رجال الدين بل يكتشفه العقل والعلم والروح الانسانية الحرة ..
منذ تلك الصدمة لم أعد أجد ان عقلي يمتنع عن مناقشة أي شيء بل صار عقلا حرا .. وصار المنطق والصفاء هما وسيلته للتعرف على الاشياء وممارسة الحياة .. واليوم يحاول بعض التواقين لجذب الناس الى عناوين كتاباتهم ان يكتبوا لنا بطريقة الصدمة والابهار .. وكأن أحدهم يعيد عبارة نيتشة ان الله قد مات .. وهؤلاء هم من يروج للسلام مع الاسرائيليين وللتطبيع .. ويقولون ان الله الذي منح المسجد الاقصى قدسيته قد مات .. وان قصة فلسطين قد ماتت .. وأن المسجد الاقصى قد مات .. وان الحق القديم لنا في فلسطين من البحر الى النهر قد مات .. وهؤلاء لايريدون شيئا الا قتل الحق وقتل الله نفسه لأن من يقبل بهذا السلب لفلسطين وأهلها يعترف ان الله قد مات وأن لاجدوى من البحث عن الحق والعدل ..
وهؤلاء الذين يكتبون لنا اليوم عن مصافحة الاسد واردوغان لايختلفون عن المطبعين .. بل وأظن انهم هم أنفسهم المطبعون مع اسرائيل .. عجيب أمر هؤلاء الذين يكتبون بسهولة عن لقاء الأسد باردوغان وكأنهم يبيعون الفجل في سوق الخضار .. ويقفز هؤلاء على الفور الى الاستعانة بمصافحة السيسي وأردوغان ومصافحة الأسد وحماس .. ويقولون ان هذه المصافحات التي كانت مستحيلة هي مقدمة لمصافحة الاسد وأردوغان ..
هذا الاجتهاد لايكشف الا منطقا ضحلا .. ليس لأن الاسد لايصافح أردوغان من باب المكابرة والعناد .. بل لأن أي مصافحة بين الاسد وأردوغان قبل أن يغادر الارض السورية تعني ان اردوغان نجح في نسخ النموذج الاسرائيلي في علاقته بنا (الأمن مقابل السلام) بدل (الارض مقابل السلام) .. فخلافنا الرئيسي والجوهري مع الاسرائيليين ليس في الدين وليس في العقيدة بل هو على الارض ومنها ولد الصراع الوجودي .. فخروجنا من الأرض سيخرجنا من الوجود .. وخروجهم من الارض سيخرجهم من الوجود .. ولذلك وضعنا معادلة الارض مقابل السلام .. بينما يصر الاسرائيليون على معادلة السلام مقابل السلام .. والامن مقابل السلام ..
ووفق المنطق التركي اليوم فاننا أمام حالة مع المنطق المطابق للمنطق الاسرائيلي .. فاردوغان يريد فعلا السلام والامن مقابل السلام والامن .. ولكنه يريد الاحتفاظ بالارض .. فهو لم يبد اي اشارة تدل على رغبته او نيته في التخلي عن الارض سلما ..
إقرأ المزيد ←