
إن قراءة هادئة في خرائط القرن الماضي تكشف أن ما يُطرح اليوم تحت عناوين قانونية أو إدارية ليس بريئاً، بل هو استدعاء متأخر لصراعات لم تُغلق أصلاً. من اتفاقيات رسمت الحدود، إلى أملاك صودرت، إلى شعوب اقتُلعت، نحن أمام ملف متكامل إذا فُتح، فلن يبقى ضمن حدود البحث الأكاديمي، بل سيتحول إلى صراع سياسي وقانوني مفتوح، وربما إلى إعادة تعريف للشرعية نفسها.
أولا” – عندما وُقعت اتفاقية لوزان عام 1923، لم تكن مجرد معاهدة سلام، بل كانت إعلاناً بولادة تركيا الحديثة على أنقاض الدولة العثمانية، لكنها في الوقت ذاته كانت بداية اقتطاع فعلي لأجزاء من الجغرافيا السورية التاريخية. هذه الاتفاقية لم ترسم الحدود السورية التركية بشكل نهائي، لكنها منحت الشرعية لتركيا لتكون الطرف الأقوى في أي تفاوض لاحق، وهو ما جرى بالفعل حين تُرك تحديد الحدود لاتفاقيات ثنائية مع فرنسا المنتدبة على سوريا، الأمر الذي أخرج مناطق واسعة مثل أورفا وماردين وأجزاء من الجزيرة من المجال السوري، رغم ارتباطها التاريخي والاقتصادي ببلاد الشام.
ثانيا” – حتى قبل اتفاقية لوزان ، جاءت اتفاقية أنقرة عام 1921 لتكشف بوضوح أن الانتداب الفرنسي لم يكن وصياً بل متصرفاً، إذ تنازلت فرنسا لتركيا عن مناطق سورية دون أي سند قانوني حقيقي من الشعب السوري أو أي مؤسسة تمثيلية له. هذه الاتفاقية منحت تركيا عينتاب ومرعش وأورفا، ومهّدت لرسم حدود قُطعت فيها القرى إلى نصفين، وفُصلت العائلات عن أراضيها، وتحولت خطوط السكك الحديدية إلى حدود سياسية، في واحدة من أكثر عمليات التشويه الجغرافي قسوة في تاريخ المنطقة.
ثالثا” – تتجلى ذروة هذا المسار في قضية لواء اسكندرون، التي تُعد نموذجاً صارخاً لكيفية تحويل الحكم الذاتي المؤقت إلى ضم دائم. فقد كان من المفترض أن يتمتع اللواء بوضع خاص ضمن سوريا، لكن الضغوط التركية، والتواطؤ الفرنسي، والتلاعب الديموغرافي عبر تسجيل ناخبين أتراك وإدخال قوات عسكرية تركية تدريجياً، أدى إلى إعلان كيان شكلي باسم “دولة هاتاي”، قبل أن يتم ضمه رسمياً إلى تركيا عام 1939. هذا الحدث لم يكن مجرد تغيير حدود، بل كان سابقة خطيرة في شرعنة الضم عبر أدوات سياسية ملتوية.
رابعا” – في عمق هذا المشهد، يبرز ملف أملاك البطريركية الأرثوذكسية في أنطاكية، والتي كانت تمتلك مساحات واسعة من الأوقاف والأراضي والأديرة ، و بعد ضم اللواء، خضعت هذه الأملاك للقانون التركي، وتمت مصادرة أجزاء كبيرة منها أو تحويلها إلى ملكية الدولة، مع فرض قيود مشددة على إدارتها، ما أدى إلى تآكل الوجود المؤسسي لهذه البطريركية في موطنها التاريخي.
خامسا” – لا يمكن فصل هذا عن مأساة الأرمن عام 1915، التي رافقها عملية مصادرة منظمة للأملاك ، البيوت، الأراضي، الكنائس، و المدارس، كلها صودرت تحت مسمى “الأملاك المتروكة”، وانتقلت ملكيتها إلى الدولة أو إلى مستوطنين جدد. هذا الملف لا يزال مفتوحاً حتى اليوم، ليس فقط من زاوية الاعتراف التاريخي، بل أيضاً من زاوية الحقوق القانونية والمالية.
سادسا” – يمتد هذا الواقع ليشمل شريحة واسعة من السوريين بمختلف مكوناتهم، من عرب وسريان وكرد، الذين فقدوا أملاكهم داخل تركيا نتيجة تغير الحدود أو السياسات اللاحقة. كثير منهم فقدوا الجنسية، وبالتالي فقدوا حق التقاضي، فيما خضعت ممتلكاتهم لقوانين لا تعترف بالحقوق التاريخية، ما أدى إلى تثبيت واقع جديد بالقوة القانونية.
سابعا” – المفارقة التي يتم تجاهلها عمدا” هي أن هذا الملف ليس أحادي الاتجاه. فكما توجد أملاك عثمانية سابقة في سورية، كان هناك حضور اقتصادي وتجاري سوري واسع في مدن الأناضول، وعلى رأسها إسطنبول ولمن لا يعرف فإن أكثر ما يفتخر به أردوغان من أثار في اسطنبول أي أيا صوفيا ، ودولمة بهتشه هي نتاج عمل ، وإبداع المعماريين الدمشقيين ، وهناك عائلات شامية كثيرة امتلكت عقارات وأوقافا” واستثمارات، لكن ما حدث لاحقا” في ظل قيام الجمهورية التركية الحديثة بموجب اتفاقية لوزان ، وما تبعها من اتفاقيات ، وقوانين هو فرض منظومة قانونية جديدة أدت إلى مصادرة جزء كبير من هذه الأملاك، أو تقييدها، أو نقل ملكيتها. ورغم ذلك، لم يتحول هذا الملف إلى نزاع قانوني دولي، ولم تُطرح مطالبات سورية مقابلة، ما يكشف الطابع الانتقائي والخطير في إعادة فتح الملف من زاوية واحدة فقط !!
ثامنا” – إن التبرير الذي تقدمه محافظة دمشق بأن الهدف هو “تدقيق ملكية الأوقاف لتحصيل عائدات مالية” لا يصمد أمام أي تفكيك قانوني جاد. فتدقيق الأوقاف داخل سورية هو اختصاص سيادي داخلي بحت، تملكه مؤسسات الدولة عبر السجلات العقارية والمحاكم الشرعية ودوائر الأوقاف المتراكمة منذ العهد العثماني نفسه مرورا” بالانتداب والاستقلال. ولا يوجد أي مبرر قانوني أو إداري للرجوع إلى جهة خارجية في هذا الشأن. بل إن أي وثيقة تأتي من خارج الحدود، حتى لو كانت من مؤسسة دينية في تركيا، لا تملك أي حجية قانونية ملزمة داخل سورية، بل تبقى مجرد مادة تاريخية لا يمكن أن تؤسس لحقوق أو تغييرات في الملكية.
تاسعا”- وهذا مهم جدا” ، سأشير إلى بعض الحقائق التاريخية التي لايعرفها الكثيرون ، واطلعت عليها من خلال مصدر موثوق في تركيا قبل يومين :
أ- بعد حرب تشرين – اوكتوبر ١٩٧٣ في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد ، سعت السلطة الحاكمة في تركيا آنذاك والتي كانت عسكرية بواجهة مدنية بقيادة بولنت أجاويد للانفتاح على سورية ، وكان دافع تركيا وراء ذلك هو فتح ملف الأملاك السورية ، والتركية ، كرد على الدعاوى التي رفعت من قبل الأرمن في فرنسا ضد الحكومة التركية للمطالبة بأملاكهم التي صودرت في تركيا ، والقول أننا نبحث هذا الملف مع الحكومة السورية ، وفعلا” تشكلت لجنة رسمية سورية – تركية لبحث ملف الملكيات الفردية ، والأوقاف ، وأجرت هذه اللجنة المشتركة اجتماعات عديدة حيث قدم كل طرف وثائق مطالباته، والمفاجأة أن نسبة المطالبات السورية بلغت ٧٠% ، والتركية ٣٠% ، وقدرت قيمة الأملاك السورية في تركيا بحدود ٤٠ مليار دولار بأسعار سبعينيات القرن الماضي ( تخيلوا هذا الرقم بأسعار اليوم ) ، ونظرا” لهذه الخلاصة التي وصلت إليها اللجنة المشتركة السورية- التركية الرسمية ، فقد وجدت أنقرة أنه ليس من مصلحتها الإستمرار بهذا الملف ، خاصة أن السلطة في سورية آنذاك كانت حريصة على المصالح الوطنية .
ب – إذا أرادت تركيا فتح هذا الملف مستغلة وجود سلطة غير منتخبة ، وتابعة لها في دمشق ، ومستعدة لبيع كل شيء للبقاء في السلطة ، فيجب أن تتذكر أملاك اليونانيين التي استولت عليها فيما يعرف ب غزوة ٥- ٦ أيلول ١٩٥٥ حيث نهبت أملاك اليونانيين ، وتحولت للدولة التركية التي وزعتها على من تريد !!! و أملاك الأرمن ، والعرب ، والكرد، والسريان والكنائس، وغيره الكثير .
ت- حتى الآن لايوجد ترسيم رسمي للحدود بين سورية و تركيا ، وهذا سيفتح المطالبات ليس فقط بالأملاك ، إنما بالأراضي التي اقتطعت من سورية بعد اتفاق لوزان لعام ١٩٢٣ ، والوثائق موجودة في الأرشيف الفرنسي .
عاشرا” – إن فتح هذا الملف اليوم لا يمكن أن يكون خطوة معزولة أو تقنية، بل هو فتح شامل لكل هذه الطبقات من التاريخ غير المحسوم. إنه يعني إعادة طرح شرعية الحدود، وإعادة إحياء قضايا مثل لواء اسكندرون، وإعادة المطالبة بالأملاك المصادرة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى ردود فعل تركية مقابلة، وربما إلى تدويل النزاع.
حادي عشر- هنا تحديداً تبرز خطورة ما تقوم به سلطة الجولاني، إذ إن طرح هذا الملف في هذا التوقيت لا يبدو سعياً لاستعادة الحقوق، بقدر ما يبدو توظيفاً سياسياً في سياق علاقة غير متكافئة مع تركيا. فهذه السلطة، التي تفتقر إلى الشرعية الوطنية والدستورية، تفتح ملفات سيادية كبرى دون امتلاك أدواتها، ما يجعلها عملياً أداة ضمن مشروع أوسع.
ثاني عشر- في المقابل، تستفيد تركيا من هذا الواقع إلى أقصى حد، ليس فقط عبر تثبيت سيطرتها على مناطق في الشمال السوري، بل أيضاً عبر إحداث تغييرات ديموغرافية تدريجية، وإعادة توزيع الملكيات، وخلق وقائع جديدة على الأرض تجعل أي حديث مستقبلي عن السيادة أو استعادة الحقوق أكثر تعقيداً. ما يجري ليس مجرد إدارة مؤقتة، بل إعادة تشكيل طويلة الأمد للجغرافيا والسكان والملكية.
ثالث عشر – وأخيرا” – إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد نقاش حول وثائق أو أملاك، بل هو صراع على التاريخ نفسه: من يملك حق تعريفه، ومن يملك حق استثماره. فتح هذا الملف دون مشروع وطني جامع وقادر، يعني فتح “صندوق باندورا” بكل ما يحمله من نزاعات مؤجلة، وحقوق ضائعة، وصراعات قابلة للاشتعال. أما سلطة الجولاني، فإن لجوءها إلى هذا الملف يكشف عن محاولة للبحث عن شرعية خارجية عبر بوابة تركيا، حتى لو كان الثمن إعادة إنتاج خسارات تاريخية بصيغة جديدة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الخطر الأكبر ليس في ما ضاع في الماضي، بل في ما يُعاد تشكيله اليوم بصمت، من ديموغرافيا وملكية وهوية ، و“التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه يعاقب من لا يفهمه.”