
لا تختبروا صبر أبناء البحر، فحين يُحاصَر الكرام ابناء الكرام يصبح الغضب. إعصار. اتقوا شرّ الحليم إذا غضب.
اتّقوا هياج ابن البحر؛ فهدوءه كمين، وغضبه اجتياح. يُجوَّعون حتى العظم، ويُعرَّون من الأمان حتى آخر نفس.
يُقهرون حتى في لغتهم .
شخصيًا، لا أرى فرقًا بين تلك الحكومة العلمانية التي دمّرت غزة وجنوب لبنان، وبين سلطةٍ دينية تحاصر العلويين، وتزرع الخوف، وتمنع سبل العيش.
ما أقرب الحالة التي يعيشها ابن الساحل إلى تلك التي عاشها الغزيون، الذين مرغوا أنف الكيان أخيرًا.
في خضمّ هذا الجنون، وهذا السعار الذي تجاوز كلّ الحدود، تتشابه المآسي وتتكرّر الحكاية بوجوهٍ مختلفة.
لي صديقة تعيش اليوم وسط الركام، بعد أن فُصلت من عملها، وخسرت كلّ ما كان يمنح حياتها وحياة طفلتيها بعض الاستقرار. كنّا نتبادل الرسائل كلّ يوم، ثم فجأة… صمتت. وقالت إنها تريد أن تودّعني، وأنها ستشتاق إلى حديثنا.
سألتها عمّا يحدث هناك، فقالت: الخوف أسوأ من الموت . وقالت إن عليها مصاريف، فقرّرت أن تبيع هاتفها الجوال، اتصالها الوحيد بالعالم. سألتها عن سعر الهاتف، فقالت إن الأسعار ارتفعت، بينما قيمة البشر ما زالت موضع نقاش.
أرسلت لها مبلغًا يساعدها لبضعة أيام. كنت أظن أن الصيام ترف، وأنا أملك طعامًا في بيتي وأختار ألّا أتناوله، بينما صديقتي ومئات الآلاف معها لا يأكلون ولا يصومون.
ثم حاولت أن أكتب لها مجددًا، وجلست أفكّر: هل أقول “هل أنتِ بخير؟ هل أطفالكِ بخير؟” فبدا السؤال صغيرًا أمام هذا الخراب. أم أقول “هل أنتِ حيّة؟” فكان أقسى من أن يُقال.
في النهاية، لم أجد إلا هذه الكلمات: “أنتِ في بالي… وفي قلبي”. أرسلتها. فجاءني صوت ابنتها الصغيرة: أين هي الشوكولاتة التي وعدتِني بها؟ ثم ردّت أمها: إنهم لا يستطيعون الخروج من المنزل.
انكسر شيءٌ بداخلي لا أعرف اسمه. ربما إنسانيتي..
هذا زمن الخوف والتحريض والقتل، على الهوية .من يمزّق القلوب بصمت.
إلى أهلي في الساحل، وإلى من يحتضنون أطفالهم بما تبقّى لهم من قوّة ليزرعوا فيهم طمأنينةً مؤقتة: أنتم في بالي ، وقلبي معكم دائمًا. يا ابناء امي.
الظلم لا ينام، لكنه لا يموت. ومن يزرع القهر يحصد ما لا يتوقّعه.
ومن سَرَّه زمنٌ ساءته أزمان… اللهم هل بلغت.