

هذا الاسهال في البحث عن مايجذب أنظار الناس صار بلاشك يدل على ان الازمة العميقة التي حوصر فيها الجولاني وجماعته صارت خانقة .. ففي كل يوم عمل اعلامي وجهد محموم لالهاء الناس عن الغرغرينا التي تأكل أجسادهم .. المواطن السوري صارت الغرغرينا تأكل أطرافه .. ورائحة العفن تملأ منخريه .. وكل اجواء الاحتفالية والنصر والالعاب النارية والصور مع الجولاني وشتم النظام البائد لم تعد قادرة على ان تمنع رائحة التعفن في الجسد السوري التي تنتشر وتصل الى وسادة كل سوري .. المواطن يحس انه لم يصل في حياته الى هذا الدرك من الانحطاط النفسي والاحباط .. ليس لأن نظام الحكم قد تغير بل لأنه يزداد فقرا .. وصارت العائلات السورية تميل نحو التسول .. والفواتير لاترحم ولا تقدر قوة توسل في الارض ان تنقصها ليرة واحدة رغم التذلل والاستجداء .. والاوبئة تنتشر والمخدرات تنتشر .. والعصابات تنتشر .. والجرائم تزداد .. والحياة اليومية تنكمش .. والمشافي تتبخر فيها الخدمات .. وفي غمضة عين صارت للاتراك .. وشبكة المياه تباع .. والموظفون لايقبضون الرواتب .. الارض والموانئ والمطارات صارت مملوكة للآخرين وللشركات الاجنبية .. واسرائيل استولت على مياه الجنوب والاراضي الخصبة .. وجبل الشيخ صار في تل ابيب .. وأزمة المحروقات لانهاية لها ..
والناس الذين رقصوا طربا بوصول الجولاني أفاقوا من السكر والثمل .. وواجهوا أصعب حقيقة .. فقد صاروا في بيوتهم يتساءلون امام ثلاجاتهم الفارغة عن شيء لم يفكروا فيه .. كيف سنأكل الآن؟ .. وكيف سنتداوي؟ وكيف سنعلم أطفالنا وأبناءنا ؟؟ والرعب كله في الجواب الذي صار يدركه كل مواطن .. والجواب هو: انها مشكلتك منذ اليوم .. فالدولة لم تعد لك .. بل هي مملوكة للشركات .. ورجال الدولة صارت أموالهم في استانبول .. حيث الفيلات الفاخرة على مضيق الدردنيل ..
وعندما يبدأ السوري يحس بالغضب ويبدأ بعض الاحساس بالندم .. يستل الثورجيون على الفور قصة تلهيه عن رغيف الخبز .. يخرجون له قصة خرافية مزورة او مصنعة بالخيال ويلقونها في وجهه .. مرة أشرطة لونا الشبل .. ومرة قصة أمجد يوسف .. ثم عاطف نجيب .. ثم لقاء الاسد مع صحف روسية .. ثم ملفات صيدنايا ومشفى تشرين .. وبالامس جاؤوا بمفلح الزعبي الفاسد الكبير ليروي لهم قصة حمزة الخطيب وقضيبه المقدس الذي سيقام له نصب تذكاري بدل السيف الدمشقي .. ويلفق قصصا كاذبة .. وغدا سيجدون شيئا أخر .. المهم انهم يشترون الوقت وهم يخدرون المواطن الجائع .. ويمدون أيديهم في جيبه ويأخذون مافيه للفواتير ..
انا لم تعد تعنيني عملية البحث عن البراءة من هذه القصص الخرافية .. فلقد كتبنا منذ 14 سنة عن تفنيد كل الاكاذيب .. وأثبتنا انها أكاذيب .. وخرجت وثائق دولية وأممية وهي تشرح وتثبت اننا على صواب .. ومع هذا فان رغبة التخريب لدى البعض أبت الا ان ترفض رواياتنا .. وأصرت على التمسك فالسردية الملفقة .. فكلها أكاذيب وسرديات لاأساس لها من الصحة .. واكتشفت ان بعض الناس لايريدون الحقيقة بل يريدون اي شيء ليشتموا به زمن الاسد .. ولو جئت لهم باليقين فلن يغيروا رأيهم .. وستبقى لهم قصص مقدسة مثل قصة الكيماوي .. والاظافر .. وحمزة الخطيب .. والمكبس في صيدنايا .. وقيصر .. واياك ان تتعب نفسك في ان تناقش لأن عقل الموتورين لايريد ان يعرف الحقيقة وهو سيقاتلها ويركلها بقدميه ويقتلها بيديه .. لأنه يريد ان لايحس انه خاطئ .. بل ان التراجع سيشكل معضلة أخلاقية لمن عرف انه على خطأ .. فهو لايريد ان يكتشف ان ماتعلمه من أهله ومن شيخ الجامع كان خطأ وان الجميع الذين وثق بهم كانوا اما اغبياء او كذابين … وان أباه وعائلته قد كذبوا عليه بسبب غبائهم او وضاعتهم .. وهو ان اعترف اننا نحن من كنا على صواب فانه سيدين أهله وثقافته ودينه الذين علموه الكذبة .. وسيكتشف انه مغفل وغبي وساذج .. فلذلك اياك ان تظن انك ستغير في عقل الثورجي اي شيء .. لأنه سيعتبر تغيره هزيمة وخيانة لتعاليم مقدسة واهانة لذكائه .. مثل ان يكتشف أحدنا ان أباه صنع له ثروته من تجارة المخدرات .. لاشك انه سيقول ان أبي كان أشرف الخلق .. وسيقاتل بشراسة عن اسم أبيه .. حتى وان كان يعرف في قرارة نفسه انه ابن تاجر مخدرات..
بغض النظر عن أجواء التحريض والشحن العاطفي .. ففي النهاية على السوري ان يسأل نفسه سؤالا وهو: ماالفائدة من العودة الى تلك القصص طالما انها لن تطعمه؟؟ وهي لن تدفع الفواتير ؟؟ ولن تنقص عدد الوفيات من التهاب الكبد الذي يجتاح البلاد .. وهي لن تخرج اسرائيل من الجنوب؟ ولن تعالجه مجانا .. ولن تعلم أبناءه .. ولن ترفع سوية الجامعات .. ولن تخرج المهاجرين من سورية؟ ولن تأتي له بالاقتصاد والرواتب .. فلن تقوم اي دولة بفتح خزائنها لتقول له اننا نتعاطف معك لأنك قدمت لنا هذه القصص ..
هذه قصص تعكس حجم المأزق الذي وصل اليه الحكم الحالي .. وهو يحتاج الكثير من الاكسجين ليبقى .. ولاسبيل الى هذا الاكسجين سوى ان يجعل الناس تبحث عن سيء غير الخبز والحاجات الاساسية.. والخدمات .. وهذه الفيديوات المزورة هي نظارات شمسية كي لايرى عملية نهب البلد الكبرى ..
أذكر ان احصائية اجرتها مؤسسة اوروبية عن عمليات قصف حماس لاسرائيل في التسعينات افادت انه في عام واحد قتلت حماس شخصين مدنيين بالصواريخ البدائية .. ولكن التحسس من الفستق قتل في نفس العام 49 اسرائيليا .. اي ان الاسرائيليين قاموا بعدة حروب لاستئصال حماس من اجل انقاذ شخصين .. فيما كمان الافضل العناية بمعالجة التحسس من الفستق وانفاق المال على الوقاية من التحسس ..
الحقيقة التي تشبه هذه الاحصائية تنطبق علينا أي اننا منشغلون بأمجد يوسف فيما يموت آلاف السوريين جوعا وبردا وبالافات التي تفتك بالاطفال والعائلات .. فاذا افترضنا انه مات مثلا 100 شخص في السجون .. فان من يموت اليوم بالجوع والأمراض السارية والمعدية وقلة الخدمات الطبية وانتشار القمامة والقوارض وانهيار المناعة بسبب نقص التغذية وانتشار المخدرات والجريمة والعنف النفسي والضغط النفسي من تفاقم المشاكل المعيشية .. اعدادهم بالآلاف يوميا .. انها الابادة الصامتة للمجتمع السوري .. هذا المجتمع الذي كان محصنا صحيا وغذائيا وأمنيا واقتصاديا ونفسيا في زمن الاسد .. ولكنه منشغل بقصص عن سجون لم يجر فيها اي تحقيق مستقل وحقيقي … وهي ملفات تم التلاعب بمضمونها وتفتقد اي مصداقية لأن عملية الكيدية واضحة .. وهي مثل القنابل الدخانية والبالونات الحرارية التي تطلقها الطائرات للتشويش على الرادارات والصواريخ .. فرادارات الشعب السوري صارت تلتقط اشارات الفساد الكبير .. واشارات البيع والسمسرة .. واشارات نهب عظمى .. ولذلك يتم كل يوم الهاؤه بقصة وصاروخ حراري ..
المجتمع يعطى قضيب حمزة الخطيب .. ليتسلى بشتم الاسد .. ولكن قضيب حمزة الخطيب لن يطعمك الخبز .. ولن يدفع لم فواتيرك .. ولن يعيد لك ثرواتك الوطنية التي تباع لصالح جيوب اللصوص ..
المجتمع يعطى قصة صيدنايا والمكابس الخرافية التي ثبت انها فبركة .. ليتسلى بها الناس .. ولكن قصص صيدنايا التي تسليك لن تطعمك الخبز .. ولن تعيد لك الامان .. ولن توقف الامراض السارية .. ونقص المناعة ..
المجتمع يجتر أحاديث المظلومية .. ولكنه يموت بالتدريح .. بالمرض والجهل ونقص التغذية وانتشار الجريمة بسبب الضائقة الاقتصادية الطاحنة .. وكلما افاق السوري من تحت الطاحون يقدمون له مشهدا دراميا من مخابر التحريض كي ينسى ان عظامه تسحق تحت الطاحون .. يفيق من التخدير ويرى ان أمعاءه تسرق ولكن كمية المورفين الكبير تجعله لايحس بالوجع بل يشاهد فيلما عن صدينايا ومشفى تشرين على الفيسبوك ..
ان أحقر أنواع الموت هو الموت الذي يموته الانسان بالسم الذي يصنعه بنفسه .. يشرب من السم الذي يهدئ وجعه .. ولكن كلما شرب السم اقترب من الموت .. وكلما شرب من السم انتشرت الغرغرينا في جسده .. وهو لايزال يتجرع السم على انه مهدئ ودواء ..