
ليس أكثر رعباً من أن يسقط الإنسان من مرتبة الكائن الحر إلى مرتبة “الشيء”. وليس أكثر انحطاطاً من عقلية ترى طفلةً تُختطف من أرضها، ثم تُباع وتُشترى كما تُباع الدواب في أسواق العبيد. ما تكشفه المحاكم الأسترالية اليوم ليس مجرد جريمة فردية، بل نافذة على البنية الفكرية المتوحشة التي أنتجت تنظيم “داعش”، وشرّعت السبي والاستعباد والاغتصاب تحت غطاء ديني مزوّر.
القضية التي بدأت تتفجّر أمام القضاء الأسترالي تحمل تفاصيل تقشعر لها الأبدان: امرأتان مرتبطتان بتنظيم “داعش” متهمتان بشراء فتيات إيزيديات مقابل عشرة آلاف دولار واحتجازهن كـ”عبيد” داخل منزل في سوريا الشام. نساء عدن إلى أستراليا بعد أكثر من عقد في مناطق سيطرة التنظيم، ليواجهن اليوم اتهامات بجرائم ضد الإنسانية، بينها الاستعباد وتجارة الرقيق.
لكن القضية أعمق من أسماء المتهمين. إنها محاكمة لفكر كامل. محاكمة لثقافة صحراوية متحجرة أعادت إحياء أبشع ما عرفته البشرية من أنماط الاستعباد، ثم حاولت أن تمنحه “شرعية” دينية. هنا لا نتحدث عن انحراف عابر، بل عن عقيدة تكفيرية ألغت الإنسان، وحوّلت المختلف دينياً أو قومياً إلى مادة للاستباحة.
شهادات الفتيات الإيزيديات ليست مجرد روايات قانونية؛ إنها وثائق إدانة لعصر كامل من الانهيار الأخلاقي. فتاة تقول إنها كانت تُعرض لثلاثة أيام “للتجربة”، وإذا أعجب “عملها” يتم شراؤها. أي انحدار هذا الذي يجعل البشر يقيمون طفلةً كما تُقيَّم سلعة منزلية؟ أي جفاف روحي يجعل امرأة تشارك في حبس فتاة جائعة لساعات لأنها “نسيت غسل الأطباق”؟
إحدى الضحايا تحدثت عن احتجازها وهي قاصر، وإجبارها على الطبخ والتنظيف، وتعرضها لاعتداءات متكررة. لا حاجة للدخول في التفاصيل البشعة كي تتضح الصورة: نحن أمام منظومة قامت على كسر الإنسان نفسياً وجسدياً، وتحويل النساء المختطفات إلى أدوات خدمة وإذلال داخل بيوت “الخلافة” المزعومة.
والأخطر أن بعض المشاركين في هذه الجرائم لم يكونوا وحوشاً قادمين من الكهوف، بل أشخاصاً يحملون جنسيات غربية، عاشوا في دول حديثة، واستفادوا من التعليم والرفاه، ثم سافروا إلى سوريا الشام ليشاركوا في مشروع قائم على الذبح والسبي والاستعباد. هذا يكشف أن الخطر الحقيقي ليس الفقر وحده، بل قابلية العقل المؤدلج للتحول إلى آلة تبرر كل شيء عندما يُغسل وعيه بخطاب الكراهية والتكفير.
لقد حاولت “داعش” أن تقدّم نفسها كدولة، لكنها في حقيقتها لم تكن سوى إعادة إنتاج لأكثر مراحل التاريخ ظلاماً. دولة تُدار بأسواق النخاسة، وبالاستحواذ على النساء، وبثقافة “السبايا”، لا يمكن أن تكون مشروع نهضة أو تحرير، بل مشروع انحطاط شامل. والفظاعة أن التنظيم لم يكتفِ بالقتل، بل سعى إلى سحق الكرامة الإنسانية نفسها، وتحويل الألم إلى نظام يومي عادي.
أما الإيزيديون، فقد كانوا من أكثر مكوّنات المنطقة تعرضاً لهذه الوحشية. شعب كامل تعرّض للقتل والتهجير والخطف، فيما كانت نساؤه يُنتزعن من عائلاتهن ويُوزعن كغنائم حرب. ما حدث لهم ليس “حادثة جانبية” في الحرب السورية والعراقية، بل جرح تاريخي مفتوح يكشف إلى أي مدى يمكن للتطرف أن يتحول إلى إبادة ثقافية وإنسانية.
إن أخطر ما في الوهابية الصحراوية والتيارات التكفيرية المشابهة ليس فقط العنف المسلح، بل قدرتها على تجريد الإنسان من إنسانيته. فعندما يصبح المختلف “كافراً” منزوع القيمة، يصبح كل شيء مباحاً: القتل، والسبي، والإذلال، والاتجار بالبشر. وهنا يتحول الدين من رسالة أخلاقية إلى أداة هيمنة وقمع.
هذه المحاكمات يجب ألا تكون مجرد إجراء قانوني معزول، بل بداية مواجهة فكرية شاملة مع البيئة العقائدية التي أنجبت “داعش”. لأن التنظيم لم يولد من فراغ، بل خرج من تراكم طويل من خطابات التحريض والكراهية والتكفير، ومن ثقافة اعتبرت المرأة متاعاً، والمختلف هدفاً مشروعاً للإلغاء.
إن المنطقة لن تنهض طالما بقيت هذه العقليات قادرة على إعادة إنتاج نفسها تحت عناوين مختلفة. فالنهضة لا تُبنى بالعمائم السوداء ولا بأشرطة الذبح ولا بفقه الجواري، بل ببناء إنسان حر، يرى في الآخر شريكاً في الوطن والكرامة الإنسانية، لا مادةً للسبي والاستباحة.
وإذا كانت المحاكم اليوم تحاسب أفراداً، فإن التاريخ سيحاكم أيضاً كل من موّل، وحرّض، وبرّر، وصمت. لأن الصمت أمام تحويل النساء إلى عبيد ليس حياداً، بل شراكة أخلاقية في الجريمة.
هذه هي الحقيقة العارية التي انكشفت تحت رايات “الخلافة”: لم يكن هناك مجد ولا دين ولا تحرير، بل سوق كبير للخراب الإنساني، تُباع فيه الطفولة بالدولار، وتُسحق فيه الكرامة باسم السماء.
د.نبيلة عفيف غصن
===========================
رابط المقال: