
في الشرق الأوسط، لا تستمر العائلات السياسية عبر القوة وحدها، ولا عبر العقيدة وحدها، ولا حتى عبر الحزب وحده. هناك نمط آخر من الزعامات أكثر تعقيداً، يقوم على القدرة المستمرة على إعادة التموضع، وتبديل الأقنعة، وإعادة إنتاج الذات وفق التحولات الكبرى في الإقليم. ضمن هذا السياق يمكن قراءة تجربة آل جنبلاط في لبنان، وما يمكن وصفه اليوم ــ مجازاً وسياسياً ــ بـ”النسخة السورية الجنبلاطية” المتمثلة ببعض أدوار آل الأحمد.
لا يتعلق الأمر هنا بالتشابه العائلي أو الاجتماعي، بل بتشابه الوظيفة السياسية: القدرة على التحرك بين الضفاف المتناقضة، والاحتفاظ بخطوط اتصال مع الجميع، والبقاء دائماً بالقرب من مركز النفوذ مهما تبدلت الأنظمة والولاءات والشعارات.
من الإقطاع إلى الاشتراكية: التناقض الذي تحول إلى مدرسة سياسية
تمثل تجربة آل جنبلاط واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة في لبنان الحديث. فالعائلة ذات الجذور الكردية والإقطاعية تحولت تدريجياً إلى مركز الزعامة الدرزية في جبل لبنان، ثم لاحقاً إلى رأس حربة في الخطاب التقدمي والاشتراكي عبر كمال جنبلاط مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي.
لكن المفارقة الكبرى لم تكن فقط في الانتقال المذهبي أو السياسي، بل في الجمع بين الإقطاع التقليدي والخطاب الاشتراكي الثوري. كيف يمكن لزعامة إقطاعية مترفة أن تتحدث بلغة العدالة الطبقية والثورة الاجتماعية؟ هذا السؤال ظل حاضراً في الوعي السياسي اللبناني لعقود طويلة.
غير أن قراءة أكثر عمقاً تكشف أن المسألة لم تكن تناقضاً بقدر ما كانت تكتيكاً سياسياً بالغ الذكاء. فالعائلات التي تريد الاستمرار في الشرق الأوسط لا تتمسك بعقيدة ثابتة، بل تتحرك وفق ميزان القوة. الاشتراكية بالنسبة لبعض النخب لم تكن دائماً مشروعاً اقتصادياً، بل أحياناً غطاءً لإعادة إنتاج النفوذ ضمن بيئة عربية مشبعة بالشعارات القومية والثورية.
ومن هنا تحولت “المرونة الأيديولوجية” إلى سلاح بقاء. فالعائلة التي بدأت ضمن سياق اجتماعي ومذهبي مختلف انتهت بوصفها رأس الزعامة الدرزية، وراعية خطاب يساري عروبي، ثم لاحقاً لاعباً براغماتياً يتقن المناورة بين دمشق وواشنطن والرياض وباريس.
الاغتيال كجزء من صناعة الزعامة
التاريخ السياسي لعائلة جنبلاط مليء بالاغتيالات والصدامات الدموية. وكأن هذه العائلة لم تتطور ضمن مسار سياسي هادئ، بل ضمن بيئة صراع دائم جعلت الزعامة مرتبطة بالخطر المستمر. من اغتيال كمال جنبلاط إلى محطات كثيرة لاحقة، تشكلت صورة العائلة بوصفها جزءاً من لعبة إقليمية أكبر من مجرد حزب لبناني تقليدي.
لكن الأخطر في التجربة الجنبلاطية ليس الاغتيالات بحد ذاتها، بل القدرة المذهلة على النجاة السياسية بعد كل انهيار. فكل مرة كانت المنطقة تعتقد أن جنبلاط انتهى، يعود بنسخة جديدة أكثر قدرة على التكيف.
وهنا بالتحديد تبدأ المقارنة مع بعض النماذج السورية.
حافظ الأسد وفلسفة “القنوات المتشابهة”
كان حافظ الأسد يدير الدولة السورية بعقلية شديدة البراغماتية. لم يكن يؤمن فقط بالقوة الأمنية، بل أيضاً بفكرة بناء قنوات خلفية مع مختلف القوى والتيارات والطوائف والأحزاب.
لكن اللافت في منهجه أنه كان غالباً يختار لكل ملف شخصية تشبه البيئة التي تديرها أو تستطيع فهمها والتواصل معها. فالعلاقة مع إيران وحزب الله والبيئات الشيعية كانت تمر عبر شخصيات ذات قدرة خاصة على فهم تلك البنية السياسية والثقافية.مثل اللواء محمد ناصيف
والعلاقات الحساسة مع الغرب و أمريكا أو المؤسسات العسكرية الإقليمية كانت تدار عبر شخصيات مختلفة تمتلك لغة أخرى.مثل العماد حكمت الشهابي
ضمن هذا السياق يكتسب حديث وليد جنبلاط في مقابلته الأخيرة مع الإعلامي أحمد منصور أهمية خاصة، عندما تحدث عن الدور الذي لعبه عبد الله الأحمد بعد اغتيال كمال جنبلاط، سواء في ملف التعزية أو في تنسيق العلاقة السياسية بين حزب البعث والحزب التقدمي الاشتراكي.
المسألة هنا ليست بروتوكولية كما قد تبدو. فاختيار شخصية محددة لتكون قناة تواصل دائمة بين دمشق وآل جنبلاط يعني أن النظام كان يرى في هذه الشخصية قدرة خاصة على فهم هذا النموذج السياسي المركب: المرن، المتقلب، القادر على تبديل التموضع دون خسارة الحضور.
آل الأحمد: النسخة السورية من البراغماتية الجنبلاطية
اليوم، وبعد سنوات من الحرب السورية والانهيار الإقليمي، يظهر نمط سياسي مشابه داخل بعض أدوار آل الأحمد.
خالد الأحمد، الذي كان محسوباً على الدائرة القريبة من بشار الأسد، تحول لاحقاً إلى لاعب يتحرك في اتجاهات مختلفة، وظهر في مراحل متعددة ضمن مساحات سياسية متناقضة. لذلك ليس من المستغرب أن يتم وصفه من قبل الطائفة العلوية بأنه (الخائن)..
أما طارق الأحمد فتنقل بين مواقع حزبية وتنظيمية مختلفة، من البعث إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي بأجنحته المتعددة، ثم إلى الساحة اللبنانية والخطاب المعارض للسلطة السورية الجديدة، رغم وجود تقاطعات مع أدوار يلعبها أفراد آخرون من العائلة داخل مراكز النفوذ. و لذلك يوصف ايضا ضمن المجتمع السوري ب الحرباء
أما محمد الأحمد، فيقدم نموذجاً آخر لشخصية تتحرك ضمن فضاءات إعلامية وسياسية ضبابية، حيث يصعب أحياناً تحديد موقعه النهائي: هل هو قريب من السلطة؟ أم من خصومها؟ أم مجرد لاعب يحاول الحفاظ على شبكة علاقات مع الجميع؟
و يبقى الشقيق الأكبر لهم علي عبد الله الأحمد مكتفيا بدور الموجه لكل هذه الحركة دون أن يظهر على الساحة
كأنها عائلة روتشيلد اليهودية الصهيونية ب لباس جنبلاطي
هنا بالضبط يظهر التشابه مع النموذج الجنبلاطي: ليس في الانتماء الطائفي أو الخلفية الاجتماعية، بل في فلسفة الحركة السياسية نفسها.
الجنبلاطيون السوريون
الانتهازيون الجدد
الجنبلاطية هنا ليست شتيمة سياسية بقدر ما هي توصيف لأسلوب عمل غير أخلاقي قائم على عدة عناصر:
عدم الالتزام الصارم بخندق سياسي واحد.
القدرة على التحول السريع وفق تغير موازين القوى.
الحفاظ على قنوات اتصال مع الأطراف المتناقضة.
استخدام الخطاب الأيديولوجي بوصفه أداة لا عقيدة.
تقديم النفس دائماً كوسيط لا كطرف نهائي.
هذا النوع من الشخصيات يزدهر عادة في البيئات المنهارة والدول الانتقالية، لأن مرحلة الفوضى تحتاج إلى سماسرة سياسيين أكثر مما تحتاج إلى عقائديين صلبين.
وفي الحالة السورية الحالية، حيث لم تستقر بنية السلطة الجديدة بعد، وحيث لا تزال التحالفات الإقليمية متقلبة، يصبح لهذا النموذج هامش حركة واسع جداً.
من العقيدة إلى إدارة الشبكات
المشكلة الأساسية في هذا النمط ليست فقط في تبديل المواقف، بل في تحويل السياسة إلى إدارة شبكات نفوذ عابرة للأفكار. عندها تصبح الأحزاب مجرد أدوات مؤقتة، والشعارات مجرد ملابس موسمية.
فالشخصية التي تستطيع أن تكون بعثية وقومية ووسطية وبراغماتية في الوقت نفسه، ليست بالضرورة شخصية متعددة الرؤى، بل ربما شخصية تتقن فن البقاء السياسي.
وهذا ما يجعل كثيراً من السوريين يشعرون اليوم بأن بعض النخب لا تتحرك وفق مشروع وطني واضح، بل وفق حسابات التموضع وإعادة التموضع.
الخاتمة
ربما لا يكون مصطلح “الجنبلاطيون السوريون” توصيفاً أكاديمياً، لكنه يعبر عن ظاهرة حقيقية في المشرق العربي: نخب سياسية لا تنتمي بالكامل إلى أي معسكر، لكنها تنجح دائماً في البقاء قرب جميع المعسكرات.
إنها سياسة السيولة الكاملة.
سيولة في العقيدة، وسيولة في التحالفات، وسيولة في الخطاب.
وفي لحظات الانهيار الكبرى، تظهر هذه الشخصيات بوصفها الأكثر قدرة على النجاة، لا لأنها الأكثر ثباتاً، بل لأنها الأقل التزاماً.
وهنا يكمن جوهر المقارنة بين النموذج الجنبلاطي اللبناني وبعض النماذج السورية الجديدة: ليس التشابه في الأسماء، بل في الوظيفة السياسية ذاتها.
وظيفة العبور الدائم بين المتناقضات، مع الحفاظ المستمر على الحضور داخل اللعبة مهما تغيرت قواعدها.
===============
رابط المقال: