
أقرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أخيرًا بأنها أخفت تقييم خبراء السموم العسكريين الألمان الذين استبعدوا غاز الكلور كسبب لوفاة عشرات الأشخاص في الهجوم الكيميائي المزعوم على دوما في أبريل/نيسان 2018.
للمرة الأولى في فضيحة تستر طويلة الأمد، أقرت الهيئة الدولية الأبرز المعنية بمراقبة الأسلحة الكيميائية بأنها حجبت نتائج تقوّض مزاعم وقوع هجوم بغاز سام من قبل الحكومة السورية السابقة.
ووفقًا لوثائق سُرّبت سابقًا، فإن خبراء سموم عسكريين ألمان استعانت بهم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استبعدوا غاز الكلور كسبب لوفاة عشرات الضحايا في الهجوم الكيميائي المزعوم في مدينة دوما السورية في أبريل/نيسان 2018. بل إن الخبراء أثاروا احتمال أن تكون الحادثة «عملية مدبرة» أو «هجومًا زائفًا». إلا أن المنظمة قمعت هذه النتيجة وأصدرت تقريرًا نهائيًا خلص إلى أن غاز الكلور استُخدم على الأرجح. وقد انسجم استنتاج المنظمة مع مزاعم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، التي قصفت سوريا في أبريل/نيسان 2018 على خلفية ما قالت إنه هجوم كيميائي نفذته الحكومة السورية في دوما.
وبعد سنوات من المماطلة ورفض الكشف عن الحقائق، اعترفت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأن تقييم الخبراء الألمان، وحتى حقيقة الاستعانة بهم أصلًا، قد تم إخفاؤهما.
وجاء هذا الإقرار خلال معركة قانونية مع الدكتور بريندان ويلان، وهو مفتش مخضرم في المنظمة وعضو بارز في الفريق الذي أُرسل إلى سوريا ضمن مهمة التحقيق في دوما. وكان ويلان، إلى جانب عضو آخر في فريق دوما يُدعى إيان هندرسون، قد أثارا مخاوف بشأن التلاعب بنتائج التحقيق.
وبعد أن أصبحت اعتراضاتهما علنية، عمدت قيادة المنظمة إلى التشهير بالمفتشين المعترضين وفرضت عليهما عقوبات بدعوى خرق السرية. لكن ويلان نجح في الطعن بقرار معاقبته أمام المحكمة الإدارية التابعة لمنظمة العمل الدولية في جنيف، والتي قضت مؤخرًا بمنحه تعويضات وأمرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بسحب قرارها المطعون فيه.
إحدى التهم الموجهة ضد ويلان كانت أنه أرسل بشكل غير لائق رسالتين في مارس وأبريل 2019 إلى فرناندو أرياس، المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، أعرب فيهما عن مخاوف بشأن سلوك غير أخلاقي في تحقيق دوما. وفي محاولتها لإثبات قضيتها ضد ويلان، اعترفت المنظمة دون قصد بوجود الرقابة التي كان قد طعن فيها. فقد اشتكت المنظمة من أن ويلان أدرج في رسائله إلى أرياس “معلومات محددة ومفصلة جمعها محققو بعثة تقصي الحقائق (FFM) من خبراء السموم. هذه المعلومات، المصنفة على أنها عالية الحماية لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لم تُدرج في التقرير النهائي الذي نُشر للعامة.”
وتقرّ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأن تقييماً سُمّياً “عالي الحماية” يستبعد استخدام غاز الكلور في دوما “لم يتم تضمينه في التقرير النهائي” الصادر في مارس 2019.
إن تأكيد المنظمة بأنها استبعدت معلومات خبراء السموم “عالية الحماية” من التقرير النهائي المنشور للعامة يؤكد إحدى أبرز شكاوى ويلان.
كتب ويلان في رسالته المؤرخة في أبريل 2019: “إن معلومات حاسمة، مثل آراء خبراء السموم… قد تم، بشكل صادم، حذفها.” وأضاف: “ولا يوجد حتى أي سجل في التقرير لتلك المشاورات… إن القول إن هذا الاستخدام الانتقائي لآراء الخبراء والحقائق أمر مقلق، هو تقليل من حجم المشكلة.”
احتج ويلان على حذف آراء خبراء السموم الألمان بسبب ما تحمله من دلالات عميقة. ففي التصريحات العلنية التي أعقبت حادثة دوما، كان خبراء قد أثاروا بالفعل شكوكاً حول أن الكلور هو سبب الوفيات في دوما. لكن خبراء السموم العسكريين الألمان، الذين استشارتهم المنظمة في يونيو 2018، كانوا أكثر حسماً. فقد أبلغ الألمان المنظمة أن ظروف الوفيات – مثل الموت والانهيار الفوري في أكوام وسط غرفتين، وعدم محاولة الهرب، وظهور رغوة غزيرة وسريعة من الفم والأنف – لا تتوافق مع التسمم بالكلور. ووفقاً للرئيس السابق لمختبر المنظمة، فقد أثار الخبراء حتى “احتمال أن يكون الهجوم مفبركاً” في دوما لأن “ظروف وفاة الضحايا لا تتطابق مع التعرض للكلور.”
وبينما لا تتوافق علامات الرغوة السريعة لدى ضحايا دوما مع التعرض لغاز الكلور، فإنها تتوافق مع التعرض لعوامل الأعصاب. لكن في تلك المرحلة، كانت التحاليل الكيميائية للمنظمة قد استبعدت استخدام السارين أو أي عامل أعصاب آخر، إذ لم يتم العثور على أي من هذه المواد، أو أي مواد سامة أخرى، في موقع الحادث أو في العينات البيولوجية.
وإذا لم تكن الرغوة السريعة والغزيرة ناتجة عن هجوم بغاز الأعصاب أو غاز الكلور، فقد كان هناك احتمال ألا يكون قد وقع أي هجوم كيميائي من الأساس، وأن تكون الجماعات المسلحة قد فبركت الحادثة لتوريط الحكومة السورية. وفي هذه الحالة، كانت المنظمة ستتعامل مع هجوم كيميائي مزيف أدى إلى شن غارات جوية بقيادة الولايات المتحدة على سوريا، وأسفر عن مقتل أكثر من 40 رجلاً وامرأة وطفلاً في ظروف غير مفسرة.
وقد أُدرج تقييم الخبراء الألمان في التقرير الأولي لفريق دوما، الذي قام ويلان بإعداده بمساعدة خبراء آخرين، وبعد موافقة المراجعين بمن فيهم قائد الفريق، جرى تحضيره للنشر في يونيو 2018. لكن مسؤولين كباراً في المنظمة قاموا بتحريف تلك الوثيقة وحاولوا التعجيل بإصدار نسخة بديلة معدلة تدّعي زوراً وجود أدلة على استخدام أسلحة كيميائية. وتمكن ويلان من إحباط نشر النسخة المزيفة فقط بعدما اكتشفها في اللحظة الأخيرة وأرسل رسالة احتجاج عبر البريد الإلكتروني. لكن عندما صدر التقرير النهائي في مارس 2019، بعد مغادرة ويلان للمنظمة، استبعدت المنظمة مجدداً أي إشارة إلى آراء الخبراء الألمان، أو حتى إلى حقيقة استشارتهم. وبدلاً من ذلك، ذكر التقرير أن هناك “أسباباً معقولة للاعتقاد بأن استخدام مادة كيميائية سامة كسلاح قد وقع. وكانت المادة الكيميائية السامة على الأرجح هي الكلور الجزيئي [غاز الكلور].” ولو تم نشر نتائج الخبراء الألمان، لكانت قد ناقضت هذا الاستنتاج بشكل صريح.

في رسالة بريد إلكتروني تعود إلى أغسطس 2019، طلب ويلان من مسؤولين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كانا قد رافقاه إلى ألمانيا أن ينضما إليه في إثارة المخاوف بشأن قمع نتائج خبراء السموم. وكتب ويلان: “على الأقل، يجب تقديم تفسير مُرضٍ.” لكن المنظمة لم تقدم أبداً رداً يدحض التقييم الأولي لخبراء السموم، ولا تفسيراً لسبب إخفائه.
وفي تقرير آخر للمنظمة حول حادثة دوما، صدر في يناير 2023 عن فريق التحقيق وتحديد الهوية (IIT)، زُعم أنه تمت استشارة خبير سموم مختلف لم يُكشف عن هويته، وأكد التقرير أن “أعراض الضحايا تتوافق، بشكل عام، مع التعرض لغاز الكلور بتركيزات عالية جداً.”
لكن، كما ذكرتُ في ذلك الوقت وناقشتُ في عرض قُدم إلى الأمم المتحدة، فإن تقرير فريق التحقيق وتحديد الهوية حصر نطاق تقييم خبير السموم في مجرد “روايات” مجموعة منتقاة بعناية من الشهود المزعومين. وعلاوة على ذلك، فشل خبير السموم التابع للفريق في معالجة مسألة الرغوة التي ظهرت على الضحايا المتوفين في مقاطع الفيديو في دوما، وكذلك تقييم الخبراء الألمان الذي اعتبر أن ذلك لا يتوافق مع التعرض لغاز الكلور. وحتى اليوم، لم يسجل أي خبير سموم معترف به موقفاً علنياً يؤكد أن الأعراض الظاهرة على ضحايا دوما ووفاتهم السريعة المبلغ عنها تتوافق مع التعرض لغاز الكلور.
وفي أروقة السلطة، تم التعامل مع تقرير فريق التحقيق وتحديد الهوية باعتباره تبرئة لادعاء الهجوم الكيميائي في دوما، وهو الادعاء الذي كان جزءاً أساسياً من حملة تغيير النظام بقيادة الولايات المتحدة والتي أطاحت بحكومة بشار الأسد في ديسمبر 2024. وقد أشادت وزارة الخارجية الأمريكية ونظيراتها البريطانية والفرنسية والألمانية بنتائج الفريق، وروّجت لما وصفته بـ “العمل المستقل والمحايد والخبير الذي قام به موظفو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.”
وسارت وسائل الإعلام الرئيسية على النهج نفسه. فقد قامت مؤسسات إعلامية كبرى – بما في ذلك بي بي سي، ورويترز، وذا غارديان، ووول ستريت جورنال، وواشنطن بوست – بتغطية تقرير فريق التحقيق وتحديد الهوية بشكل مؤيد، مع تجاهل أي إشارة إلى الجدل المتعلق بالتستر في قضية دوما داخل المنظمة. وفي مثال واضح على الإنكار، تجاهلت صحيفة واشنطن بوست المفتشين المعارضين للرواية الرسمية، ووصفت التشكيك فيها بأنه مجرد “حملة تضليل من الدولة الروسية وعدد من النشطاء البارزين على الإنترنت.” وأضافت الصحيفة، زيفاً، أن هؤلاء زعموا حتى أن “الأطفال الذين ظهروا وهم يخرجون رغوة من أفواههم كانوا يتظاهرون بالأعراض.”
لكن الحقيقة هي أن التزييف الحقيقي تمثل في الرقابة على خبراء السموم الألمان الذين استبعدوا غاز الكلور كسبب لتلك الأعراض والوفيات. وكنتيجة مباشرة للإجراءات القانونية التي اتخذها ويلان، اعترفت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أخيراً بأنها قمعت هذه المعلومات الحاسمة في التحقيق الذي لا يزال دون حل حول كيفية مقتل العشرات من الأشخاص في دوما.
============================
رابط المقال: