
رواية “هرب وترككم” ليست رواية بريئة، وليست مجرد خبر سياسي عابر، وليست تفسيرًا كافيًا لما حدث في لحظة من أخطر لحظات تاريخ سورية الحديث. هذه الرواية يجب أن تُفحص كأداة نفسية وسياسية، لأنها جاءت في لحظة كان المطلوب فيها فصل الرأس عن الجسد، وضرب معنويات الجيش، وكسر ثقة الناس بالدولة، وإقناع السوريين بأن النهاية وقعت قبل أن يفهموا ماذا جرى فعلًا. الرئيس بشار الأسد لم يكن مجرد شخص في قصر، بل كان رأس الدولة، ورمز الشرعية السياسية والعسكرية، والعنوان الذي كانت تتماسك حوله مؤسسات وجيش وذاكرة ودولة كاملة. لذلك كان لا بد لمن أراد تفكيك الجسد أن يضرب صورة الرأس أولًا. عندما يُقال للجيش وللناس في لحظة صدمة إن “الرئيس هرب”، فإن الرسالة النفسية المقصودة ليست فقط خبرًا عن مكان شخص، بل رسالة انهيار: انتهى الأمر، لا قيادة، لا رأس، لا معنى للثبات، لا داعي للمقاومة، كل واحد ينجو بنفسه. هذه هي الحرب النفسية في أخطر صورها. أما لو قيل للناس إن الرئيس مُنع من الظهور، أو كان خارج سورية، أو وُضع تحت ضغط قسري، أو أن خيانة داخلية وخارجية حصلت، أو أن هناك ترتيبًا دوليًا مفروضًا، أو أن المشهد أعقد بكثير من كلمة “هرب”، لكان ردّ الفعل مختلفًا تمامًا. كان الجيش سيسأل، وكان الناس سيصمدون، وكان الوعي سيتعامل مع المسألة كمعركة وجود لا كخبر انتهاء. لذلك أرفض أن أبتلع الرواية الجاهزة كما صاغوها لنا.
أرفض أن أقبل الشائعة كحقيقة، وأرفض أن أقبل الصمت كجواب، وأرفض أن تختصر سورية كلها في جملة رخيصة صُنعت لتبرير انهيار معنوي قبل الانهيار الميداني. السؤال الحقيقي ليس فقط: أين كان الرئيس؟ بل: من صنع رواية الهروب؟ من ضخّها؟ من احتاجها؟ من استفاد منها؟ من أراد أن يظهر الجيش العربي السوري وكأنه تُرك بلا رأس؟ من أراد أن تتحول الدبابات والمدرعات والمؤسسات إلى جسم بلا قرار؟ من أراد أن يصدّق الناس أن بشار الأسد، الطبيب والرئيس الذي بقي في قلب الحرب أكثر من عقد، فجأة “هرب” بهذه البساطة كما يكررون؟ لا، المسألة أكبر من هذا التبسيط. ما حدث يحتاج إلى فتح ملف كامل: ملف الخيانة، ملف الضغط الدولي، ملف روسيا، ملف الداخل، ملف الجيش، ملف الإعلام، ملف الحرب النفسية، ملف من أعطى الأوامر، ومن انسحب، ومن صمت، ومن رتب، ومن نشر، ومن بنى رواية النهاية. لأن سقوط الدول لا يحدث فقط بالبندقية؛ يحدث أيضًا بالكلمة، بالإشاعة، بالصورة، بالصدمة، بكسر المعنويات، وبإقناع الناس أن كل شيء انتهى قبل أن يبدأوا بالسؤال. سورية لم تُكسر فقط في الميدان، بل حاولوا كسرها في الوعي. أرادوا أن يقتلوا الرأس رمزيًا حتى ينهار الجسد نفسيًا. أرادوا أن يقولوا للسوري: لا تنتظر، لا تفكر، لا تسأل، لقد تُركت وحدك.
لكن سورية لا تُفهم بهذه السطحية، وبشار الأسد لا يُقرأ بهذه الخفة، والجيش العربي السوري لا يُمحى بجملة إعلامية، والتاريخ لا يُكتب بالشائعات. إن كان هناك ترتيب قسري فليُكشف. إن كانت هناك خيانة فلتُكشف. إن كان هناك ضغط دولي فليُكشف. إن كان هناك صمت روسي أو حسابات كبرى أو ملفات مخفية فليُفتح كل ذلك. أما أن يقال لنا فقط “هرب” ثم يُطلب منا أن نغلق عقولنا، فهذا لن يحدث. لا نبيع وعينا للإشاعة، ولا ندفن ذاكرة دولة تحت عنوان جاهز، ولا نسلّم سورية لرواية صُنعت في لحظة صدمة. الحقيقة ستظهر، لأن الحقيقة لا تموت. والثلج سيذوب، والمرج سيبان. وسورية لا تنسى من ثبت، ولا من خان، ولا من صمت، ولا من كذب، ولا من صنع رواية الهروب ليكسر شعبًا وجيشًا ودولة. ومن يفهم، يفهم.
=====================================
رابط المقال: