مقال جدير بالقراءة: التاريخ لن يرحم الغافلين* .. بقلم: الكاتب مجهول

في التاريخ، لا تسقط المدن دفعةً واحدة، بل تسقط أولاً حين يظن أهلها أن النار البعيدة لن تصل إليهم.
عندما اجتاح المغول الدولة الخوارزمية وأسقطوا ملوكها ومدنها، لم تهتز بغداد خوفًا، بل عاشت احتفالات استمرت سبعة أيام فرحًا بسقوط خوارزم، وكأن الخراب الذي ابتلع الشرق لن يجد طريقه إلى أبوابها. ظنّ الخليفة العباسي المستعصم بالله أن المسافة بين الشماتة والخطر بعيدة، وأن بغداد أكبر من أن تُمس.


لكن التاريخ لا يرحم الغافلين.


بعد سنوات قليلة فقط، وصل المغول إلى بغداد نفسها. لم يبق حجر على حجر، وسقطت عاصمة الخلافة التي ظنت أنها بمنأى عن المصير ذاته. أما المستعصم، الذي دعا الناس يومًا للفرح بسقوط غيرهم، فتذكر الروايات أنه لُفّ بالسجاد وسارت فوقه خيول وجنود المغول حتى مات دعسًا.


ولو أن بغداد استعدّت بدل أن تحتفل، ولو أن أهلها أدركوا أن سقوط الجار إنذار لا مناسبة للشماتة، ربما كان التاريخ قد كُتب بصورة مختلفة.


وفي عام 2023، وبعد زلزال أنطاكيا الكارثي، توزّع نحو مليون وتسعمائة ألف علوي أنطاكي بين إسطنبول وأضنة ومرسين وأنقرة ومدن أخرى، ضمن واقع جديد غيّر البنية السكانية للواء بشكل جذري. كثيرون رأوا في ذلك أكثر من مجرد نزوح إنساني، بل نتيجة تخدم مشروعًا طويل الأمد لحزب أردوغان وتياره الإخواني، يقوم على إنهاء الثقل العلوي التاريخي في المنطقة.
وعلميًا، نجحوا إلى حدٍّ كبير.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد منطقه دائمًا. حين يتفرق الناس، وينشغل كل فرد بخوفه الصغير أو مصلحته الضيقة، تتحول الجماعات مع الوقت إلى مجرد بقايا ذاكرة.
واليوم، الدور عليكم. وأنتم لستم حتى مواطنين أتراكًا يملكون ضمانات دولة أو حماية هوية مستقرة. إن تقاعس كل وأي سوري او سني و(وتقاعس العلويين أكثر من غيرهم) عن حماية أرضه وعرضه ووجوده، ولو بالكلمة، ولو بساعة عمل واحدة في اليوم في سبيل ذلك، فذلك ليس ضعفًا سياسيًا فقط، بل سقوطا أخلاقيا أيضًا.
أقل ما يقال فيه: خساسة.
فلا التاريخ يرحم المتخاذلين، ولا الجغرافيا تحفظ من لا يحفظ نفسه.
{لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

=================

  • بتصرف
هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق