فاقد الشيء لا يعطيه: سلطة الخريف العبري على صدور السوريين – بقلم: عمر جيرودي



فاقد الشيء لا يعطيه
وهذه حقيقة تتجسّد اليوم في سلطة الأمر الواقع الإرهابية التي ترزح سورية تحت سوط بطشها. سلطة وُلدت من رحم مؤامرة كبرى، هدفها تفتيت الوطن وتدمير مؤسساته، وتحويل بنيته العسكرية والمدنية إلى أنقاض، وتحويل أبناء الشعب الواحد إلى أعداء.

إن هذه السلطة القابعة على صدور السوريين، لا تمثل إلا نموذجًا حيًا لـ”ثورات الخريف العبري” التي ما عُرفت يومًا إلا بالإفساد لا الإصلاح، والقتل والإرهاب لا بالمحبة والإخاء، وبالتدمير لا البناء. ثورات جعلت الأوطان تدور في فلك إسرائيل، لا في فلك كرامة الأوطان.

وكل من يظن أن خيرًا سيأتيه على يد هؤلاء الإرهابيين فهو واهم، بل مخدوع.
فمن دمّر المستشفيات والمرضى يستشفون بها، وفجّر المدارس والأطفال بداخلها، وارتكب المجازر بالأهالي الآمنين في بيوتهم، وأحرق الغابات، وقصف المدن، واتخذ من النساء والأطفال دروعًا بشرية ضمن المدن والبلدات — كيف له أن يبني وطنًا أو أن يصنع الأمن ويمنح الأمان؟ كيف له أن يبني وطنًا وهو لا يعرف إلا القتل والتخريب؟

نعم، قد يغيّرون مظهرهم، ويلفّون لحاهم النجسة بالحرير، ويتعطرون عند أسيادهم ومشغليهم. لكن الجوهر يبقى لا بناءً على يد من قتل الوطن، ولا حياة مع من يتنفسون الأكاذيب.

تمر سورية اليوم بمنعطف وجودي خطير، لا يعادل في خطورته إلا حجم الغباء السياسي والإجرامي الذي تمارسه هذه العصابة. إنهم لا يفقهون أبجديات المواطنة، لأنهم أصلاً حاربوا المواطنة باسم الطائفة، ودمروا الدولة باسم الدين.

إن خطابهم، منذ البداية، كان طائفيًا بامتياز. وحربهم بأدوات إعلامية عالمية وعربية مدعومة بجيوش من الذباب الإلكتروني، لم تكن يومًا ثورة، بل كانت انتقامًا ممن وقف بوجه مشغليهم وقال “لا” فكان ما كان من إجرام وقتل وكذب وتدليس وإرهاب تحت عباءة “الجهاد المقدس” لتجريد سورية من أسباب قوتها ومنعتها.

حربنا اليوم مع هذه الحثالة الغوغائية وجيوشهم من الذباب الإلكتروني، أشدّ وأقسى من الحرب العسكرية التي خضناها. فالمعركة اليوم ثقافية، حياتية، وجودية. إنها معركة العقل ضد التخلف، والمواطنة الجامعة ضد التفرقة والتجزئة، والوطن ضد المشروع الطائفي المسلح بأسباب الكراهية.

إنهم يكرّسون الخطاب الطائفي، ويبرزون الموتورين الحاقدين، ويفتحون المجال لكل من يحرض على القتل والدم، ويعمّقون الجرح السوري يومًا بعد يوم. وهذا الطريق لا يؤدي إلا إلى الهاوية.

خسارتنا إن سكتنا ستكون غير معوّضة، وسيلعننا التاريخ إن لم يعلُ صوت العقلاء وأهل الرأي والمشورة على صوت شيوخ القتل والفتنة، أصحاب اللحى القبيحة التي توارى خلفها أبشع المشاريع الاستعمارية وأخبث النوايا المسمومة.

لكن التحذير الأكبر:
أن نرد عليهم بنفس أسلوبهم الطائفي فهذا هو ملعبهم، وأرض خستهم ونذالتهم. هناك أجهزة مخابرات تدرس الفتنة وتُقوّمها وتغذيها، وجيوش إلكترونية تُشعل نار الطائفية، وإعلام مأجور يكرّر البروباغاندا المدروسة.

يريدون للشعب أن يمتلك ذاكرة السمك، فينسى إجرامهم ويقلب المفاهيم، ويُشيّطن الدولة الشرعية التي كانت تحمينا منهم. الدولة الجامعة التي لم يعرفوا هم لها نظيرًا، لأنهم لا يجيدون إلا التفريق والتطييف والكراهية.

أما العقلاء، فصوتهم ليس له ضجيج، ومعركتهم ليست في الشارع الطائفي، بل في عمق الوعي. وهذا ما يجعل المعركة صعبة، لأن الصامتون المدافعون عن الوطن يواجهون عواصف من الهذيان المسلح بالجهل.

ومهما حاولوا تغيير هوية سورية وإزالة إرثها الثقافي والوطني ونسف إرث القائد حافظ الأسد، وتحويره، وتزويره، فلن يزول وسيبقى لأن له جذورًا ضاربة في أعماق أرض الوطن الذي عرف قيمته وبناه وعزز من أسباب قوته ومنعته. فمن صنع من سورية دولة القرار المركزي في المنطقة، لا بد لأبنائه ومن يؤمن بفكره الوطني أن يقفوا صفًا واحدًا ويدًا واحدة، ضد أعداء الله والإنسانية والوطن.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق