مقال جدير بالقراءة: المكارثية الامريكية !!! ماذا عن السورية ؟؟؟؟ – بقلم: د. بسام أبو عبدالله

( أما بقي لديك أي احساس بالكرامة ، واللياقة يا سيدي ؟ أما بقي لديك أي حياء ؟ ) جوزيف ويلش .

في التاريخ السياسي، توجد لحظات تتحول فيها الدولة من دولة قانون إلى دولة شبهة، ومن دولة مؤسسات إلى دولة اتهامات ، وعندما يصبح مجرد الانتماء السابق، أو الرأي، أو العلاقة، سبباً للعقاب والإقصاء، فإن المجتمع يدخل مرحلة من الخوف الجماعي، وتبدأ عملية تدمير الثقة بين المواطنين والدولة.

هذا ما عرفته الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي فيما عُرف بـ”المكارثية” (McCarthyism)، وهي تجربة أصبحت اليوم نموذجاً عالمياً للتحذير من مخاطر تسييس العدالة، وتحويل الخوف إلى أداة للحكم، والقانون إلى وسيلة للإقصاء.

واليوم، ومع الجدل الدائر حول مشروع قانون العزل السياسي في سورية، يبرز سؤال مشروع: هل تتجه البلاد إلى إعادة إنتاج التجربة نفسها، ولكن بظروف سورية؟

أولا” – كيف بدأت المكارثية؟

لم تبدأ المكارثية باعتقالات جماعية، بل بدأت بخطاب سياسي ألقاه السيناتور الأمريكي جوزيف مكارثي في مدينة ويلينغ بولاية فرجينيا الغربية في 9 شباط/فبراير 1950، أعلن فيه أنه يمتلك قائمة تضم 205 شيوعيين يعملون داخل وزارة الخارجية الأمريكية. ولم يقدم تلك القائمة بصورة موثقة، كما تغيّر عدد الأسماء التي ادعى امتلاكها أكثر من مرة، لكن ذلك لم يمنع انتشار حالة من الذعر الوطني.

كان المناخ العام مهيأً لتصديق كل شيء. ففي العام السابق انتصر الشيوعيون في الصين، ونجح الاتحاد السوفييتي في إجراء أول تجربة نووية، ثم اندلعت الحرب الكورية عام 1950، فترسخ الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تواجه مؤامرة شيوعية عالمية، وأن “العدو” ربما يوجد داخل مؤسساتها نفسها ،وهكذا نجح مكارثي في تحويل الخوف إلى برنامج سياسي، والاشتباه إلى دليل، والاتهام إلى عقوبة.

ثانيا” – لماذا سكت الجميع؟

قد يبدو غريباً أن يحدث ذلك في أعرق الديمقراطيات الغربية، لكن المؤسسات نفسها أسهمت، في البداية، في تمدد الظاهرة ، فكثير من أعضاء الكونغرس خافوا من مواجهة مكارثي، لأن مجرد الاعتراض عليه قد يعرّضهم هم أيضاً لتهمة التعاطف مع الشيوعية. كما فضلت وسائل إعلام عديدة مسايرة المزاج الشعبي، بينما اختار الرئيس دوايت أيزنهاور، الذي تولى الرئاسة عام 1953، عدم الدخول في مواجهة مباشرة معه في البداية، خشية أن يحوله إلى “شهيد سياسي” ويزيد من شعبيته.

وعندما يصمت البرلمان، وتتردد السلطة التنفيذية، وتخشى الصحافة، يصبح الطريق مفتوحاً أمام تغول الاتهامات .

ثالثا” – أهوال المكارثية؟

استمرت المكارثية عملياً بين عامي 1950 و1954، لكنها لم تكن مجرد حملة أمنية، بل تحولت إلى حالة سياسية واجتماعية شاملة ، اذ لم يعد السؤال: “هل ارتكب الشخص جريمة؟”، بل أصبح: “هل يمكن أن يكون شيوعياً؟” ولم يعد المطلوب إثبات التهمة، بل أصبح المتهم مطالباً بإثبات براءته ، واستندت لجان التحقيق إلى الشبهات والوشايات والانتماءات السابقة، وأحياناً إلى مجرد حضور اجتماع أو توقيع عريضة قبل سنوات.

امتدت الحملة إلى معظم مؤسسات الدولة والمجتمع.
ففي هوليوود، سُجن عدد من كتاب السيناريو فيما عرف بـ”هوليوود العشرة”، ومن أبرزهم دالتون ترامبو، الذي مُنع من العمل باسمه سنوات طويلة، واضطر إلى الكتابة بأسماء مستعارة، قبل أن يحصل لاحقاً على جائزتي أوسكار ، كما غادر تشارلي تشابلن الولايات المتحدة بعد أن تعرض لحملة اتهامات وتشويه واسعة، ولم يعد إليها إلا بعد سنوات طويلة ، أما الفيزيائي الشهير روبرت أوبنهايمر، الذي قاد المشروع العلمي لصناعة القنبلة الذرية الأمريكية، فقد سُحب منه التصريح الأمني، وأُبعد عن مواقع صنع القرار بسبب الشبهات السياسية، رغم خدماته الاستثنائية للولايات المتحدة.

لم تقتصر الحملة على المشاهير، بل شملت آلاف الأساتذة الجامعيين، والموظفين الحكوميين، والدبلوماسيين، والنقابيين، والفنانين، والإعلاميين، الذين فقد كثير منهم وظائفهم، أو دُمّرت حياتهم المهنية، دون أن تثبت بحقهم أي جريمة ، ولهذا أصبحت عبارة “القوائم السوداء” رمزاً لتلك المرحلة.

رابعا” – الأهداف الحقيقية للمكارثية :

رغم أن المكارثية رفعت شعار حماية الأمن القومي ومحاربة الاختراق الشيوعي، فإن أهدافها تجاوزت ذلك بكثير. فقد تحولت تهمة “الشيوعية” إلى وسيلة لإعادة تشكيل الحياة السياسية الأمريكية، وإسكات الأصوات المعارضة، وإخضاع الجامعات، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، وإقصاء الخصوم السياسيين. ولذلك لم يعد مصطلح “المكارثية” يشير إلى السيناتور مكارثي وحده، بل أصبح في العلوم السياسية وصفاً لكل حملة تقوم على التخويف، والاتهام الجماعي، والإقصاء السياسي، دون أدلة قانونية كافية.

خامسا” – اللحظة التي أسقطت مكارثي :

بلغت المكارثية ذروتها عندما بدأ مكارثي اتهام الجيش الأمريكي نفسه باختراقه من قبل الشيوعيين ، وخلال جلسات الاستماع الشهيرة عام 1954، وقف محامي الجيش الأمريكي جوزيف ويلش مخاطباً مكارثي بالعبارة التي دخلت التاريخ : ( أما بقي لديك أي إحساس بالكرامة واللياقة يا سيدي؟ أما بقي لديك أي حياء ؟ ) .

لم تكن تلك العبارة وحدها سبب سقوط مكارثي، لكنها كسرت حاجز الخوف.

فقد شاهد ملايين الأمريكيين جلسات الاستماع على شاشات التلفزيون، ورأوا كيف تحولت الاتهامات إلى وسيلة للتشهير أكثر من كونها بحثاً عن الحقيقة.
وبعد أشهر قليلة، صوّت مجلس الشيوخ على توبيخ مكارثي رسمياً، فسقط نفوذه السياسي، وانتهت المكارثية باعتبارها واحدة من أكثر التجارب إحراجاً في التاريخ الأمريكي ، ومنذ ذلك الحين، أصبح اسمه نفسه مصطلحاً سياسياً سلبياً، يُستخدم في مختلف لغات العالم لوصف حملات التخوين والإقصاء.

سادسا” – ماذا عن سورية ؟

يثير مشروع قانون العزل السياسي المطروح في سورية أسئلة تتجاوز النصوص القانونية نفسها ، فإذا تحول مشروع القانون هذا إلى أداة لمعاقبة فئات واسعة بسبب انتماء سابق، أو وظيفة شغلوها، أو علاقة تنظيمية قديمة، دون مسؤولية جنائية فردية تثبتها محكمة مستقلة، فإننا لا نكون أمام عدالة انتقالية، بل أمام عقوبة جماعية.

فالعدالة الانتقالية تقوم على المسؤولية الفردية، بينما تقوم المكارثية على الاشتباه الجماعي ، وهذا هو الفارق الجوهري بين بناء دولة القانون وبناء دولة الإقصاء.

سابعا” – لماذا يبدو التشابه مقلقاً؟

إذا طُبق قانون العزل السياسي بصورة واسعة، فقد تظهر سمات تشبه ما عرفته الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، ومنها:

• تحويل الانتماء السابق إلى جريمة دائمة.
• استبدال القضاء بالاتهام السياسي.
• إنشاء قوائم للمحرومين من العمل العام.
• نشر الخوف داخل مؤسسات الدولة والجامعات والإعلام.
• توسيع دائرة الإقصاء بدلاً من تضييق دائرة المسؤولية الجنائية.
• تكريس الانقسام المجتمعي بدلاً من المصالحة الوطنية.

وقد تكون النتائج في سورية أكثر خطورة، لأن البلاد خرجت من حرب مدمرة امتدت سنوات طويلة، وما تزال تعاني انقسامات سياسية واجتماعية وطائفية عميقة.

ثامنا” – بين العدالة والانتقام ؟؟؟

لا توجد دولة محترمة تحاسب الناس على أفكارهم أو انتماءاتهم السابقة فقط، وإنما تحاسبهم على الجرائم التي ارتكبوها شخصياً، وبعد محاكمات عادلة ومستقلة.

أما التوسع في العزل السياسي، فقد يؤدي إلى إنتاج عشرات الآلاف من المهمشين سياسياً واجتماعياً، وهو ما يهدد الاستقرار لعقود مقبلة ، فالدول لا تُبنى بالإقصاء، وإنما بإعادة بناء الثقة، ولا تتحقق المصالحة الوطنية عبر توسيع دائرة الخصوم، بل عبر حصر المسؤولية في من ثبتت إدانتهم بأحكام قضائية عادلة.

تاسعا” – وأخيرا” – لم تدخل المكارثية كتب التاريخ لأنها انتصرت، بل لأنها فشلت !!!

لقد أدرك الأمريكيون، بعد سنوات قليلة، أن الخوف لا يصنع العدالة، وأن الاتهام لا يمكن أن يحل محل القانون، وأن الدولة التي تبدأ بإقصاء خصومها السياسيين قد تنتهي بإضعاف مؤسساتها نفسها ، والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه السوريون اليوم، قبل إقرار أي قانون للعزل السياسي، ليس: من ينبغي إقصاؤه؟ بل: أي دولة نريد أن نبني؟

فإذا كانت الغاية هي تأسيس جمهورية مستقرة تقوم على المواطنة وسيادة القانون، فإن العدالة يجب أن تبقى فردية، والقضاء مستقلاً، والحقوق مصونة ، أما إذا تحول العزل السياسي إلى أداة لإعادة تشكيل المجال العام وفق موازين القوة والانتماءات السابقة، فإن سورية قد تجد نفسها أمام تجربة تشبه، في جوهرها، المكارثية الأمريكية؛ تجربة تبدأ بشعار حماية الدولة، لكنها قد تنتهي بإضعاف الدولة نفسها، وتعميق الانقسام الوطني، وتأجيل المصالحة، وإنتاج أجيال جديدة تشعر بأنها مُعاقبة بسبب ماضيها، لا بسبب ما ارتكبته من أفعال.

لقد احتاجت الولايات المتحدة أربع سنوات فقط لتكتشف خطأ المكارثية، لكنها احتاجت عقوداً لاستعادة الثقة التي أهدرتها تلك المرحلة ، أما سورية، التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، فقد لا تحتمل تكرار تجربة أثبت التاريخ أنها لا تبني الأوطان، بل تؤسس لدورات جديدة من الخوف والإقصاء والانقسام.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق