مقال جدير بالقراءة: منطق “ولو طارت”… كيف يُغتال العقل في النقاش السوري؟ – د. بسام ابو عبدالله

في كل مرحلة انتقالية تمر بها الدول، تنشأ حالة من الاستقطاب الحاد بين المؤيدين والمعارضين ، وهذا أمر طبيعي ،لكن غير الطبيعي أن يتحول النقاش السياسي إلى مجموعة من الإجابات الجاهزة التي لا تتغير مهما تغيرت الوقائع.

في سورية اليوم، يكفي أن تنتقد قراراً اقتصادياً، أو تتساءل عن أداء مؤسسة، أو تطالب بتطبيق القانون، حتى تسمع الردود نفسها، وكأنها خرجت من دليل واحد: “لا تنسوا الماضي”… “هذه إرادة الأغلبية”… “سورية ستصبح مركز الشرق الأوسط”… “أنتم تريدون عودة النظام السابق”.

هذه ليست حججاً سياسية، بل ما يسميه علماء المنطق المغالطات المنطقية ، أي أساليب في الإقناع تبدو صحيحة ظاهرياً، لكنها لا تجيب عن السؤال المطروح ، و سأناقش بعضها في هذا المقال :

أولاً – الماضي ليس رخصة مفتوحة للحاضر :

عندما يُسأل أي مسؤول أو مؤيد عن أزمة معيشية، أو خلل إداري، أو تجاوز قانوني، يأتي الجواب سريعاً: “وماذا عن النظام السابق؟” لكن هذا ليس جواباً، بل هروب من السؤال !!!

في المنطق، تسمى هذه المغالطة “ماذا عن…” (Whataboutism)، أي تحويل النقاش من القضية المطروحة إلى قضية أخرى، بدلاً من الإجابة عنها.

لا أحد ينكرهنا أن السوريين عاشوا عقوداً من الاستبداد والفساد، لكن الاعتراف بذلك لا يمنح أي سلطة جديدة حصانة من النقد ، والمساءلة ، فألمانيا لم تبنِ جمهوريتها على تكرار الحديث عن هتلر، بل على بناء مؤسسات تمنع تكرار التجربة ، وجنوب أفريقيا لم تجعل نظام الفصل العنصري ذريعة لتبرير أخطاء ما بعده، بل أنشأت مساراً للمحاسبة والمصالحة ، ورواندا، بعد واحدة من أبشع الإبادات الجماعية، أدركت أن بناء المستقبل لا يكون بالعيش الدائم داخل الماضي ، والشعوب لا تنتخب حكومات لتشرح لها لماذا كان الماضي سيئاً، بل لتجعل الحاضر أفضل.

ثانياً – الأغلبية السياسية… لا الأغلبية المذهبية :

من أكثر العبارات تداولاً اليوم: “الحكم للأغلبية ، وهذا
جميل… لكن أي أغلبية؟

في الدولة الديمقراطية، الأغلبية ليست مذهبية ولا دينية ولا عرقية، وإنما أغلبية سياسية تتشكل عبر انتخابات حرة، ويمكن أن تتغير في الانتخابات التالية ، أما عندما تصبح الأغلبية المذهبية هي مصدر الشرعية، فإننا لا نكون أمام دولة مواطنة، بل أمام دولة هوية، حيث يصبح الانتماء الطائفي أهم من الكفاءة، والمواطنة أقل قيمة من الانتماء للجماعة.

لو كان هذا هو معيار الحكم، لما أصبحت دول متعددة الأديان والأعراق مثل الهند أو الولايات المتحدة أو ماليزيا أو إندونيسيا قادرة على الاستمرار ، فالدولة الحديثة لا تسأل المواطن: إلى أي طائفة تنتمي؟ بل تسأله: ما حقوقك؟ وما واجباتك؟

ولهذا فإن أي حديث عن “حكم الأكثرية المذهبية” لا يعبر عن الديمقراطية، بل عن فهم يختزل الدولة في جماعة، والوطن في هوية واحدة ، وهو ما يتم العمل عليه في سورية بالضبط ، كما هو حال العراق الذي ما يزال دولة فاشلة حتى الان ، وفقا للمعايير العالمية .

ثالثاً – الأحلام ليست خططاً ، واتفاقيات :

لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع أن سورية ستصبح “مركز الشرق الأوسط”، أو “سنغافورة المنطقة”، أو “العاصمة الاقتصادية الجديدة” ، لكن السؤال الذي لا يجيب عنه أحد هو: كيف؟

الدول لا تصبح مراكز إقليمية عبر المؤتمرات، ولا عبر توقيع الاتفاقيات وحدها، ولا عبر الخطابات المتفائلة.
سنغافورة احتاجت عقوداً من بناء الإدارة والتعليم والقضاء والاستثمار ، ودبي لم تصبح مركزاً مالياً لأنها أعلنت ذلك، بل لأنها بنت بيئة قانونية ومؤسسات وبنية تحتية وثقة دولية ، أما الاتفاقيات، فهي مجرد أدوات. وقد شهد العالم عشرات الدول التي وقعت مئات الاتفاقيات، لكنها بقيت غارقة في الفقر والفساد، لأن المؤسسات كانت غائبة ، كما أن الاقتصاد لا يعيش على الأمنيات، بل على الأرقام: معدل النمو، والاستثمار، والإنتاج، والصادرات، واستقلال القضاء، ومحاربة الفساد، واستقرار التشريعات.
رابعاً – النقد ليس حنيناً إلى الماضي :

ربما تكون أخطر عبارة تُستخدم اليوم هي: “إذا انتقدتم السلطة الحالية، فأنتم تريدون عودة النظام السابق.”
وهذه مغالطة أخرى ، فالإنسان قد يرفض الاستبداد السابق، ويرفض في الوقت نفسه أخطاء السلطة الحالية.
وهذا هو الموقف الطبيعي لأي مواطن حر ، ولو كان كل نقد يعني تأييد الخصم، لما بقيت في العالم صحافة، ولا برلمانات، ولا معارضات، ولا جامعات ، و أعتقد أن الدولة القوية لا تخاف من النقد، لأنها تعتبره وسيلة لتصحيح الأخطاء ، أما الدولة التي تعتبر كل سؤال تهديداً، فهي تعترف، من حيث لا تدري، بضعف ثقتها بنفسها ، وبالرغبة في الهروب من الرقابة ، والمساءلة !!!

خامساً – عندما يتحول النقاش إلى عقيدة و إيمان :

المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف الآراء، بل في أن بعض الناس لم يعودوا يناقشون السياسة، بل يدافعون عنها كما يدافع المؤمن عن عقيدته ، و في هذه الحالة، لا تعود الوقائع مهمة ، فاذا تحسن الوضع، فالفضل للسلطة،
وإذا ساء، فالسبب النظام السابق ، وإذا فشل مشروع، فهناك مؤامرة ، وإذا انتقد أحد، فهو خائن أو حاقد أو يريد إعادة الماضي.

هنا يموت التفكير، لأن النتيجة معروفة قبل بدء النقاش.
سورية تحتاج إلى مواطنين… لا إلى جمهور
لن تخرج سورية من أزمتها إذا استبدلت عبادة أشخاص بعبادة أشخاص آخرين، أو استبدلت شعارات قديمة بشعارات جديدة ، فالسلطة تتغير، لكن معيار الحكم عليها يجب أن يبقى ثابتاً:

هل أصبحت حياة الناس أفضل؟
هل يشعر المواطن بالأمان أمام القانون؟
هل توجد مؤسسات مستقلة؟
هل يُحاسب المسؤول؟
هل يستطيع المواطن أن ينتقد دون خوف؟
هذه هي الأسئلة التي تبني الدول.
أما تحويل كل نقاش إلى معركة بين “معنا” و”ضدنا”، فلن ينتج سوى إعادة إنتاج الأزمة بأسماء مختلفة.

سادسا” – ان أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الاستبداد وحده، بل أن يفقد قدرته على التفكير النقدي،
فعندما يصبح الماضي مبرراً دائماً للحاضر، والأغلبية بديلاً عن المواطنة، والأحلام بديلاً عن الخطط، والنقد خيانة… فإن المشكلة لا تكون في السلطة وحدها، بل في الثقافة السياسية التي تحيط بها.

قد تختلف الحكومات، وتتبدل الوجوه، وتتغير الشعارات، لكن الحقيقة تبقى واحدة:
لا تُبنى الأوطان بالتصفيق، ولا تُدار بالعواطف، ولا تُحمى بالمغالطات ، فالدولة التي تخشى السؤال لن تجد الجواب، والمجتمع الذي يكتفي بترديد “ولو طارت”… لن يعرف يوماً لماذا لم يطِر !!!!

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق