مقال جدير بالقراءة: النفط الذي صانه حافظ الأسد للسوريين.. كما صان كل قطْرة مَطر – بقلم: وتد من قاسيون

لم أعد أريد أن أجادل أحداً في أن يحبَّ الأسدَين أو لا يحبّهما، بقدر ما أريد أن أجادل السوريين في ذاكرتهم؛ تلك الذاكرة التي انتُهكت حتى أُنهِكت، واغتُصبَت حتى صار مطلوباً من الإنسان السوري أن يختار، غير مكابرٍ، بين غريزته وضميره.. وكأن إنصاف الماضي خيانة، وكأن الاعتراف بما كان فيه السوري من خيرٍ وكرامةٍ يعني انسلاخه عن القطيع الذي أُريد أن يكون فيه ويسير في نسقه، تقوده مكنات «الجزيرة» و «العربية» وسائر أبواق الشياطين.

ثمة فرقٌ هائلٌ بين أن تنتقدَ عهداً، وبين أن ترجم حقبةً كاملةً لأن خصومها أقنعوك بأن كل حجر فيها كان دليلاً على الجريمة.

كان يمكن أن نقول كسوريين: نريد حريةً أكثر، وعدلاً أكثر، وفساداً أقل، ودولةً أقوى، لكننا اخترنا الحكاية الأسهل حين قلنا إن كل شيء كان خراباً أسَدياً، وكل مدرسةٍ كانت دعايةً بعثية، وكل طريق تعبَّد بسواعد الكادحين كان فساداً بقرار سلطة “مافيوية” ضد شعب “الأنبياء والقديسين”.. ثم كررنا الحكاية واجتررنا الكذب حتى صار الاعتراف بأن الشمس كانت تشرق في تلك السنوات الأَسَديَّة فعلاً نوعياً للخيانة..

ولكن هيهات أن تصبح الشمس سوداء لأنَّ في واشنطن وتل أبيب من كره، وأراد للسوريين أن يكرهوا من كان يقف تحتها!

في سورية كان هناك دولة في عهد الأسدين. تلك حقيقة لا يستطيع محوها إعلام الدنيا برمّته، وكل ما يحشد من «التكتوكر» و«اليوتيوبر» التي تجنّدها غرف عمليات جوناثان بأول والـ MI6 والمخابرات التركية القابعة في دمشق اليوم. كانت المدرسة تفتح بابها لابن الفقير والغني معاً، والجامعة تستقبل أبناء الطبقات الفقيرة والميسورة معاً، والمشفى لا يبدأ علاجه بسؤال المريض عن سعر الدولار.. وأما الخبز فلم يكن سلعة مترَفة، بل مادة يستوي عندها السوريون كأسنان المشط. والمازوت لم يكن مجرد رقمٍ في شاشة السوق يتبدل سعره بين يوم وليلة، والفلاح كان يعرف أن وراء محصوله دولة تدعم وتحمي وتشتري بسعرٍ مُجزْ ومحفز، لا سمساراً يساومه حتى آخر حبة قمح ثم يأكل عليه حقه في النهاية. وفوق كل ذلك كان ثمة دولة تحتاط لغدها، وتتعامل كما تتعامل الأم في المنزل حين تخبىْ لليوم الأسود حفنة من القمح وغالوناً من الوقود. ألم يقرأ السوريون أسرار المفاعل النووي الذي كانت الدولة تعده من موارد الشعب ليكون منه زوادة حياة للغد، يردع عدواً أو يمنح طاقة نووية حين ينضب النفط من بطن الأرض؟ّ

إن كل تلك الحقائق المعروفة والأسرار المتكشفة التي تثبت اتصال دول الأسد بمصالح شعبها ليست نوستالجيا اخترعها الحنين. فصندوق النقد الدولي الذي تتعبده سلطة تم تنصيبها في ليلٍ حالكٍ من التآمر على سورية وثّق نفسه أن الدولة السورية، في إطار إصلاحات دعم الوقود عام 2008، رفعت أجور القطاع العام 25%، ومنحتْ الأسر السورية قسائم تتيح شراء ما يصل إلى ألف ليتر من المازوت بسعر مدعوم، وقدّر الصندوق دعم الطاقة في ذلك العام بنحو 12.9% من الناتج المحلي، كما وثّق إجراءاتٍ موجهةً لدعم المزارعين وتعويضهم عن خفض دعم المازوت.

قد يختلف المرء في جدوى ذلك الدعم، وفي آلياته وأشكاله، وقد ينتقد سوء إدارته، وقد يحاسب الدولة على فسادها؛ وكل ذلك حق وواجب.. لكن أن تُمحى الحقائق نفسها ثم يُسمى الكذب تاريخاً، فتلك ليست محاسبة للماضي، بل تزوير له.

كانت سوريا في 2010 تنتج نحو 383 ألف برميل من النفط يومياً. وفي سنواتها الزراعية الجيدة تجاوز إنتاج القمح أربعة ملايين طن بفعل الدعم اللامحدود الذي أولاه حافظ الأسد للفلاح. أما اليوم، فقد أصبح البلد، بعد سنوات الحرب والانهيار، عاجزاً عن إنتاج ما يكفي حاجته من القمح، حتى قدَّرت «رويترز» إنتاج 2025 بنحو 1.2 مليون طن مقابل حاجة تقارب أربعة ملايين، وحين فاضت السماء عام 2026 وأغاثت قلوب الفلاحين العطشى للمطر كان ثمة من ينتظر تعبه وخير السماء ليحتال عليه، ويبخسه ثمن محصوله، ويماطل في سداد مستحقاته بعملةٍ لم تعد تساوي عناء حملها.

لا أقول ذلك شماتة بأحد، معاذ الله، بل أقول ذلك لأن للقمح الذي كرّسه حافظ الأسد قضية كرامة وسيادة وطنية ذاكرةٌ لا تشبه ذاكرة السوريين اليوم، ولأن حبَّة الحنطة التي كانت تخرج من الأرض لتعود إلى السوري رغيفاً، أكثر صدقاً اليوم من ألف خطاب سياسي وألف فم كاذب فوق لحية منافقة.

وأما وقد جاءت اللحظة التي قيل فيها للسوري: لقد تحررت. فلنا أن نسأل: ماذا كان أول ما احتاج إليه السوريون، وانخفض سعره في زمن الإنهاك بعد الحرب؟

– الخبز؟

– لا طبعاً. لقد كان مواكب السيارات الحديثة التي غصّت بها شوارع البلد، لأن «حافظ الأسد جعل السيارات رفاهية» كما قالوا!

وماذا كان من أوائل ما ارتفع سعره؟

الخبز؟

نعم. لأن الخبز في فم الفقير جريمة شبع.. و«الفقراء أحباب الله»؟!

يرصد «المركز السوري لبحوث السياسات» أن كانون الأول 2024 شهد صدمة تضخمية بلغت 15.1% في شهر واحد، وأن من أسبابها الرئيسية قرارات رفع سعر الخبز المدعوم وتحرير أسعار المحروقات والغاز. وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت أبواب استيراد السيارات تُفتح على مصراعيها. وفي كانون الثاني 2025 أُعلن عن السماح باستيراد السيارات من مختلف الفئات والأنواع، ثم أعلنت السلطات في نيسان من العام نفسه أن نحو مئة ألف سيارة دخلت سوريا منذ ما أسمي «التحرير»، مع رسوم جمركية خُفّضت بنسب وصلت إلى 80%.. وهنا لا يستطيع المرء أن يمنع السؤال من أن يطرق رأسه:

لماذا كان الطريق إلى السيارات أسرع من الطريق إلى الجرارات الزراعية ومن الرغيف؟

لماذا كان تحرير استيراد السيارة أمراً عاجلاً، بينما كان تأمين القدرة على شراء الخبز أمراً مؤجلاً؟

لا أقول إن السيارة تَرَف محض، ولا إن استيرادها جريمة، ولا إن السوري لا يستحق أن يركب سيارة حديثة، لكنني أسأل عن ترتيب الأولويات لبلد أنهكته الحرب ليس إلاَّ. ففي قاع هرم «ماسلو»، قبل السيارة، وقبل الهاتف، وقبل السفر، وقبل رفاهية الاختيار، هناك الجوع والأمن والمأوى والحاجات الأساسية للسوري. ذلك الهرم الذي يفترض أن تبدأ منه أي سلطة عاقلة. في ذلك الهرم بدا وكأن أحداً قلبه رأساً على عقب حتى صار المواطن مطالباً بأن يصعد إلى قمة الاستهلاك: سيارة قبل الرغيف، وسوق قبل الأمان، واستهلاك قبل الإشباع. واستثمار عقاري يشبع بطن موسى العمر ويليق بغرّته قبل ترميم الإنسان وترميم أواصر الوحدة بين السوريين الذين فرّقتهم الحرب فتفرَّقوا في خياراتهم أيدي سَبَأ. ولا عجب إذا ما عرف السوري أن «تجربة إدلب» التي تتباهى بها سلطة الجولاني كانت تقوم أصلاً على تكريس نموذج «أبراج الدانا وسرمدا ومعرة مصرين وأطمة» مقابل المخيمات على بعد أمتار فقط منها. وذلك ما أسموه تجربة النجاح التي يجب أن تعمم على كل سورية!

وهنا تصبح المسألة أكبر من سعر ربطة خبز أو عدد السيارات التي عبرت الحدود. إنها مسألة: أي إنسان تريد هذه السلطة أن تصنع؟  هل تريد مواطناً آمناً، وشبعاناً، ومتعلماً؟ أم تريد مواطناً مستهلكاً يفتح محفظته أمام السوق لصيب ما بجيبه في صندوق أبي مريم الأسترالي المسمى «الصندوق السيادي»؟

إن الإنسان الجائع لا يحتاج إلى درس في اقتصاد السوق؛ بل يحتاج إلى خبز. والإنسان الفقير الذي لا يستطيع تدفئة بيته لا يحتاج إلى خطاب عن تحرير الأسعار وحملة تبرعات كاذبة وبلهاء خاوية لكل مدينة؛ بل يحتاج إلى مازوت تدفئة يصب في مدفئة بيته،  والفلاح الذي لا يعرف إن كان سيقبض ثمن محصوله من الدولة المفلسة بفضل مواكب «التاهو» لا يحتاج إلى مؤتمرات عن الاستثمار وهوية بصرية؛ بل يحتاج إلى دولة تقف خلف حبة القمح. ولذلك فإن مشكلة السوريين اليوم ليست في أن تدخل مئة ألف سيارة. بل في أن تدخل السيارات من الباب الكبير، بينما يخرج الرغيف من باب الفقر!

لم تكن الدولة القديمة ملاكاً، ولم يكن الأسد قديساً، ولم تكن سوريا جنَّة. لكنها كانت تعرف، ولو بِقدْر، أن الدولة ليست شرطيّاً فوق رأس المواطن بل مظلّة، تسعف حين يضيق الحال، وتدعم حين يعجز الناس، وتشتري حين يختنق الفلاح، وتُطعِم حين يرتفع سعر القمح، وتداوي حين تسد الآفاق أمام الفقير..  وتدفع من خزنتها كي لا يدفع الجائع من معدته.. وهذا تحديداً ما لا يجوز أن نمحوه من الذاكرة ونحن نحاكم أخطاء ذلك العهد.

حين استولى الإخوان المسلمون على الحكم في مصر كان شقيق الرئيس الإخواني محمد مرسي يتحدث في مقابلة تلفزيونية منشورة عن حصول والده على خمسة فدادين من تقسيم جمال عبد الناصر، ضمن سياسات الإصلاح الزراعي، كانت سبباً في معيشة العائلة وتعليم الأبناء؛ ولعل المفارقة التي يثيرها ذلك الحديث تكشف شيئاً أعمق بكثير: كيف يمكن أن ينتفع المرء أو تنتفع الجماعة من أثر سياسة اجتماعية، ثم يتحول الخطاب السياسي إلى رواية تلعن صاحب تلك السياسة كلها؟ يختزل ذلك الحديث النفاق من أوسع أبوابه.. ومن حيث تنتهي الذاكرة ويتجلى واضحاً عمق العهر السياسي الذي تمارسه جماعات «الإسلام السياسي». فهل آن للسوري أن يستيقظ بعد عامين؟ وهل حان الوقت أن يخلع السوري عن عينيه غشاوة الأمس واليوم معاً، وينظر إلى وطنه بعين الإنسان الواعي الذي لا يسأل: من انتصر؟ ولا ماذا بقي لي من الكرامة والسيادة والموقف الوطني .. بل أن يسأل فقط ماذا بقي لي حتى من الخبز؟ وماذا بقي من الأمان؟ ومن التعليم والصحة والزراعة والصناعة؟

بل ماذا بقي من الدولة؟

«كالطاعن نفسَه ليقتل رِدفَه» أمضى السوري سنوات يرجم ماضيه المشرّف بالحجارة، حتى أصاب الراشق نفسه. فهل

آن له أن يضع الحجارة جانباً، لا لكي يعيد الماضي. بل لكي يستعيد عقله من أرسان الإعلام المسموم. فالوطن الذي يكذب على ماضيه، يسهل أن يكذب عليه حاضره؛ والشعب الذي يسمح بمحو نصف ذاكرته، سيجد غداً من يكتب له النصف الآخر.

لذلك لا أطلب من السوري أن يحب الأسد، بل أطلب منه شيئاً أصعب: أن يكف عن كراهية الحقيقة لأنها لا توافق الرواية التي صدَّقها بفعل إعلام مسموم وكاذب. فقد تكون أقدس لحظة في تاريخ وطن هي تلك اللحظة التي يتوقف فيها أبناؤه عن رجم بعضهم بعضاً بالأكاذيب والمظلوميات، ويبدأون أخيراً في النظر إلى ما كان، وإلى ما صار، وإلى ما ضاع بينهما. عندها فقط يصبح الماضي تاريخاً نتعلم منه، لا صنماً نعبده، ولا شيطاناً نلعنه، ولا كذبة نبتلعها.. يصبح مرآة نقية وصادقة. والمرآة، مهما كانت قاسية، أرحم من الكذب.. لأن من يرى وجهه يستطيع أن يُصلحه، ومن يرى أخطاءه يمكنه أن يتجاوزها.. أما من يحطم المرآة، ثم يخرج إلى الشارع معتقداً أنه تغيّر، فلن يعرف أبداً أن الذي تغيّر كان الزجاج فقط.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق