

لأول مرة أروي هذه القصة كاملة، لا نقلاً عن أحد، بل بصفتي شاهداً على جزء من أحداثها.
بتاريخ 5 آذار/مارس 2018، اتصل بي أحد المسؤولين وطلب مني الحضور إلى مكتبه عند الساعة الثانية عشرة ظهراً. ذهبت إليه، فأبلغني باختياري ضمن وفد سيدخل إلى مدينة دوما برعاية روسية، للقاء قادة «جيش الإسلام» وفتح ملف المخطوفين والمعتقلين لديهم، في وقت كانت فيه المفاوضات بشأن التسوية وخروج المسلحين قد قطعت شوطاً مهماً.
لماذا كنت ضمن الوفد؟
ببساطة، لأنني كنت معنياً بمنطقة مخيم الوافدين الملاصقة لدوما، ولأن أبناء المخيم هم أبناء عشيرتي وأهلي.
في 8 آذار/مارس 2018 دخلنا إلى دوما برفقة الجانب الروسي. كان معي شيخ بلدة المخيم وشخص آخر أتحفظ على ذكر اسمه حفاظاً على سلامته، إضافة إلى عدد من وجهاء ريف دمشق.
التقينا قادة «جيش الإسلام»، وكان الملف الأساسي الذي طرحناه هو مصير المخطوفين والمعتقلين. أبلغونا حينها أن لديهم 2451 معتقلاً.
طلبنا رؤيتهم، فجاء الرد بأنه يمكن إحضار عشرة أشخاص يمثلون المعتقلين لنتحدث إليهم. وبعد نحو نصف ساعة، حضر عشرة أشخاص والتقينا بهم مباشرة.
سألناهم عن حقيقة الأعداد والأوضاع داخل أماكن الاحتجاز. وبحسب ما قالوه لنا حينها، فإن عدد المحتجزين كان كبيراً جداً، وإن عمليات إعدام كانت تُنفذ بين حين وآخر. وما زالت عالقة في ذاكرتي عبارة أحدهم حين قال لنا، بما معناه: نحن ما زلنا أحياء حتى هذه اللحظة، لكننا لا نعرف متى يأتي دورنا.
وتحدث آخر عن وجود عدد كبير من النساء. أما عندما سألنا عن 214 طفلاً، فقالوا إنهم لم يشاهدوا الأطفال منذ فترة اعتقالهم.
ثم جاء شهر نيسان، وتم الاتفاق على خروج مسلحي دوما.
كنا ننتظر أن نرى هؤلاء المعتقلين يعودون إلى عائلاتهم. تجمعنا في صالة الفيحاء، وكان الأهالي ينتظرون أبناءهم وأزواجهم وآباءهم. أمهات وزوجات وأطفال عاشوا لحظات لا يمكن وصفها وهم ينتظرون أن تُفتح الأبواب ويخرج منها أحباؤهم.
لكن الصدمة كانت أن من أُطلق سراحهم لم يكونوا بالآلاف، بل بضعة عشرات فقط. غادرت الصالة خجلاً من دموع الأمهات وشوق الأبناء للقاء ابائهم
وبحسب ما كان متداولاً لدينا عن الاتفاق آنذاك، كان من المفترض أن يُسلَّم المحتجزون بعد خروج المسلحين، وأن يتم الوصول إلى أماكن احتجازهم، ومنها سجن التوبة وغيره. لكن عند الدخول، لم يظهر العدد الذي قيل لنا إنه موجود.
ومنذ تلك اللحظة بدأ السؤال الذي لم يُغلق حتى اليوم:
أين ذهب الباقون؟
تداولت لاحقاً معلومات واتهامات عن تصفية أعداد من المحتجزين ودفنهم في مناطق مختلفة، بينها منطقة الضمير. كما ظهرت خلال السنوات اللاحقة مقابر ورفات في دوما ومحيطها، لكن تحديد هوية الضحايا يحتاج إلى تحقيق جنائي مستقل وموثق، بعيداً عن توظيف المقابر والضحايا في الروايات السياسية المتصارعة.
أروي ما سبق لأنني كنت موجوداً في تلك الأيام، والتقيت بنفسي بعض المحتجزين، وسمعت منهم مباشرة.
أما صالة الفيحاء، فلها بالنسبة لي ذاكرة مختلفة تماماً.
هي المكان الذي وقف فيه أهالٍ ينتظرون أبناءهم الذين لم يعودوا. المكان الذي شهد دموع أمهات وزوجات وأطفال كانوا يعتقدون أن ساعات قليلة تفصلهم عن اللقاء.
وحين رأيت الصالة أمس وقد تحولت إلى مساحة للغناء والاحتفال، عاد إلى ذاكرتي ذلك المشهد بكل تفاصيله.
ليس اعتراضاً على الفن، ولا على الفرح على العكس تماما سوريا تستحق أن تفرح وإنما لأن الحديث عن «الإنسانية» يصبح ناقصاً عندما تُنتقى الضحية وفق هوية القاتل أو الموقف السياسي منه.
ومن يطالب بالحقيقة والعدالة لضحايا طرف، عليه أن يطالب بها لضحايا الطرف الآخر أيضاً.
وبحسب ما عرفناه عن ملف المخطوفين الذي تابعناه آنذاك، كانت الغالبية الساحقة من المفقودين من أبناء الطائفة السنية. وهذه الحقيقة . القصة تكفي وحدها لإسقاط محاولات اختزال القضية في سردية طائفية جاهزة.
بعد ثماني سنوات، يبقى السؤال ذاته:
أين ذهب المخطوفون الذين قيل لنا إن عددهم 2451؟ ومن قتل من لم يعد منهم؟ وأين دُفنوا؟
هذه ليست أسئلة للثأر، بل أسئلة للحقيقة والعدالة.
فالإنسانية الحقيقية لا تعرف هوية الضحية قبل أن تتضامن معها، ولا تسأل عن هوية الجلاد قبل أن تدينه.
وليد الدرويش
==============================
مجلس الشعب السوري لم يتم حله ولم يتم انتخاب اي مجلس منذ غياب الدولة السورية ولذلك يبقى جميع أعضاء مجلس الشعب السوري قبل سقوط دمشق هم النواب الشرعيون للشعب السوري