
حين كنا طلابًا في المدرسة، قرأت مسرحية «نهر الجنون» لتوفيق الحكيم. نهر يشرب منه الناس فيُصابون بالجنون، ثم يصبح العاقل الذي امتنع عن الشرب مجنونًا في أعينهم. لم أتساءل يومها عن منبع النهر، ولا عن الجهة القادرة على وضع ما تشاء فيه. بدت الحكاية تأملًا في علاقة الفرد بالجماعة، وفي قدرة الأكثرية على فرض معيارها. لكن السنوات اللاحقة كشفت لي أن المجتمعات لا تشرب الماء وحده؛ إنها تشرب النماذج التفسيرية والصور والذكريات التي تحدد من هو العدو، وما معنى الاستقلال، ومتى يكون الانتصار انتصارًا. وهذه النماذج، بخلاف الماء، تحتاج إلى من يمول انتشارها ويحرس مجراها.
لم أجد استعارة الحكيم أكثر حضورًا مما وجدتها في الثامن من كانون الأول 2024، حين دخلت دمشق قوات يقودها أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة السابق، وعمّت الاحتفالات بسقوط النظام. كان الرجل الذي أصبح عنوانًا للتحرير قد قاد تنظيمًا ارتبط بالقاعدة، وسُجل في تاريخه تفجير مشفى الكندي في حلب، وإعدام أسرى من الجيش السوري، وإعلان المسؤولية عن تفجيرات دامية في دمشق. ولم يكن ذلك تاريخًا غامضًا مدفونًا في أرشيف بعيد؛ فقد وثقت تقارير دولية بعض تلك الوقائع، ونُشرت تسجيلات مصورة لعمليات التنظيم.
كانت المفارقة أن يُستقبل قائد هذا التنظيم في العاصمة بوصفه رمزًا للخلاص، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تستغل انهيار الدولة لتوسيع انتشارها وتدمير ما تبقى من قدراتها العسكرية. لم يكن الجنون في فرح من انتهى حكم كان يرفضه، بل في أن تصبح لحظة دخول قائد جهادي سابق إلى دمشق، وانكشاف البلاد أمام قوة الاحتلال، مشهدًا واحدًا يُسمى تحريرًا. هنا لم تعد مسرحية «نهر الجنون» استعارة بعيدة؛ لقد أصبح الاحتفال نفسه، في هذا التناقض بين الذاكرة والواقع، عين الجنون.
ولفهم كيف وصل المجتمع إلى هذه اللحظة، ينبغي العودة إلى منابع النهر.
البذور: من العراق إلى صناعة العدو
شكّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 منعطفًا أعاد ترتيب المنطقة وفق نموذج جديد. فحل الجيش، وتفكيك المؤسسات، وبناء النظام السياسي على المحاصصة المذهبية والإثنية، لم يكن مجرد تغيير في الحكم، بل تحويلًا للهوية من انتماء داخل الدولة إلى مورد سياسي تُوزع على أساسه السلطة. وفي هذه البيئة اتسع الخطاب السني الشيعي، وتقدمت الهوية المذهبية على أسئلة السيادة والاحتلال.
أسهمت قنوات مثل الوصال والصفا، وغيرها من المنابر، في جعل الخلاف المذهبي مادة يومية عابرة للحدود. ولم يقتصر أثرها على عرض الاختلافات العقائدية، بل امتد إلى تحويلها إلى آلة لإنتاج العدو، تحدد مسبقًا الأسئلة التي ينبغي طرحها والوقائع التي تستحق أن تُرى.
بدل السؤال: من يواجه الاحتلال؟ أصبح السؤال: ما مذهب من يواجهه؟
وبدل تقييم التحالف السوري مع إيران وحزب الله من حيث موقعه في موازين القوة ضد إسرائيل، صار بالإمكان تصويره اصطفافًا مذهبيًا يستوجب العداء. وهكذا أصبح التصنيف المذهبي أداة لتعطيل التقييم السياسي، ونقل النقاش من مستوى الفعل والمصلحة إلى مستوى الجوهر المزعوم.
وفي مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست عام 2018، ربط محمد بن سلمان دعم انتشار الوهابية خارج المملكة بسياق الحرب الباردة وطلبات الحلفاء الغربيين. تكشف هذه الشهادة جانبًا من العلاقة بين المال والعقيدة والمصلحة الجيوسياسية. فالأفكار لا تتحرك بأقدامها؛ إنها تحتاج إلى مؤسسات ووسائل توزيع وشبكات تمويل تجعلها بنية تحتية للوعي.
وكان أثر هذه البيئة على سوريا سابقًا لاندلاع الحرب فيها. فقد أصبح ممكنًا أن يُعاد تعريف موقع الدولة السورية وتحالفاتها الإقليمية بلغة مذهبية، وأن يتراجع السؤال عن الاحتلال والردع أمام سؤال الهوية. وكانت تلك إحدى أهم بذور التلويث.
الحرب بالوكالة: حين تحول البترودولار إلى سلاح
شهدت سوريا احتجاجات عام 2011، وكانت هناك مظالم سياسية واجتماعية. لكن وجود هذه المظالم لا يفسر وحده تحول البلاد إلى ساحة حرب طويلة استقطبت تنظيمات جهادية ومقاتلين أجانب، واستمرت سنوات رغم الدمار الهائل الذي أصاب المجتمع والدولة.
كان التحول إلى الحرب الواسعة مرتبطًا بتدفق الموارد العسكرية والمالية من الخارج.
ومن أبرز الأمثلة برنامج Timber Sycamore، الذي وثقته صحيفة نيويورك تايمز في كانون الثاني 2016. فقد جمع البرنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأجهزة إقليمية، حيث وفرت السعودية أموالًا وأسلحة، وتولت الوكالة الأمريكية التدريب، بينما شاركت دول أخرى في التمويل والدعم اللوجستي.
لم يكن ذلك مجرد تعاطف سياسي مع المعارضة السورية، بل استثمارًا عسكريًا منظمًا لتغيير موازين القوة وإدامة الصراع. وكان البترودولار شرطًا ماديًا أساسيًا لاستمرار الحرب، بما وفره من سلاح وذخيرة وتمويل للفصائل وشبكات الإمداد.
وفي تصريحات إعلامية، تحدث رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم عن إنفاق بلاده مبالغ ضخمة على الملف السوري، وعن التنسيق مع أطراف إقليمية ودولية. وتضع هذه التصريحات التمويل الخليجي في مركز فهم الحرب، لا على هامشها.
اختلفت الولايات المتحدة والسعودية وقطر وتركيا في بعض التفاصيل والفصائل المفضلة، لكنها تقاطعت في دعم قوى مسلحة تعمل على إضعاف قدرة الدولة السورية على الاحتفاظ باحتكار القوة. وكانت إسرائيل من أبرز المستفيدين استراتيجيًا من تراجع قدرات الجيش السوري وتفكك بنيته على حدودها الشمالية.
فالحرب بالوكالة لا تشترط تطابق مصالح جميع المشاركين في كل تفصيل. يكفي أن تتلاقى المصالح على إضعاف خصم مشترك، وأن تتوافر الموارد اللازمة لإدامة الصراع حتى تتغير موازين القوة.
المقاتلون الأجانب: الحرب التي أُخفي وجهها
لم تكن الحرب السورية مواجهة بين حكومة ومعارضة محلية فحسب. لقد أصبحت سوريا والعراق مقصدًا لعشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب.
ففي تشرين الثاني 2017، أفاد مسؤول الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بأن أكثر من أربعين ألف مقاتل إرهابي أجنبي، من نحو 110 دول، سافروا إلى ساحتي الصراع في سوريا والعراق. وكانت الأراضي التركية إحدى أهم طرق العبور، كما وثقت تقارير أمريكية وأوروبية عن شبكات انتقال المقاتلين.
أدخل هذا التدفق إلى الحرب تشكيلات عقائدية عابرة للحدود، لا تتطابق أهدافها مع مصالح الدولة السورية أو سكانها. واستفادت شبكات التجنيد والتهريب من ضعف الرقابة الحدودية، ومن البيئة الإقليمية التي جعلت استمرار القتال ممكنًا.
وفي مثل هذه الظروف، لم تكن مواجهة تنظيمات مرتبطة بالقاعدة ومقاتلين أجانب مجرد قمع لمعارضة سياسية. فالدولة التي تواجه تفجيرات وعمليات قتل وتنظيمات مسلحة تملك واجبًا في حماية سكانها وملاحقة المتورطين في الجرائم.
وهنا ينبغي التمييز بين السجين السياسي والسجين المرتبط بتنظيم مسلح عابر للحدود. فاختزال جميع السجناء في صورة المعارض السلمي يحجب طبيعة جزء مهم من القوى التي دخلت الحرب، كما أن وصف جميع المعتقلين بالإرهابيين يحجب وجود ضحايا للاعتقال التعسفي والتعذيب.
لقد استُخدمت صورة السجين، في جانب من الخطاب السياسي، بديلًا عن البحث في مصادر التسليح وشبكات التجنيد وأهداف التنظيمات. وهكذا تحولت مأساة حقيقية إلى نموذج تفسيري شامل، يختزل الحرب في مواجهة بين سلطة وسجناء، ويُخرج من المشهد عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب والموارد التي جعلت استمرار القتال ممكنًا.
من مشفى الكندي إلى قصر الشعب
في كانون الأول 2013، هاجمت جبهة النصرة مشفى الكندي في حلب بتفجيرين انتحاريين. ووثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا سيطرة التنظيم على الموقع وإعدام جنود سوريين وقعوا في الأسر، بعد أن نشر التنظيم تسجيلًا مصورًا لقتلهم. وكان المشفى قد تحول قبل الهجوم إلى موقع عسكري، لكن ذلك لا يغير من طبيعة جريمة إعدام الأسرى بعد وقوعهم في قبضة التنظيم.
وفي أيار 2012، أعلنت جبهة النصرة مسؤوليتها عن تفجيري دمشق اللذين أسفرا عن مقتل 55 شخصًا. وارتبط الإعلان بالتفجيرين اللذين وقعا في منطقة القزاز، وتناقلت وسائل الإعلام تسجيلًا مصورًا يتضمن إعلان المسؤولية.
أما محطة زيزون لتوليد الكهرباء، فقد تعرضت للتفكيك والنهب بعد سيطرة فصائل مسلحة على المنطقة. واتهمت الحكومة السورية جبهة النصرة وأحرار الشام ومجموعات متحالفة معهما بالمشاركة في تفكيك معدات المحطة وتهريبها إلى تركيا، بينما وثقت تقارير حقوقية عمليات نهب نفذتها مجموعات متطرفة، بينها الحزب الإسلامي التركستاني.
هذه ليست تفاصيل هامشية في تاريخ الحرب. إنها وقائع تتعلق بقتل أسرى، وتفجيرات دامية، وتخريب مرافق كانت تخدم المجتمع السوري.
وكان أبو محمد الجولاني قائدًا لجبهة النصرة خلال هذه المرحلة. والمسؤولية القيادية عن التنظيم تفرض مساءلة عن سجله، حتى حين لا تتوافر أدلة على إصدار القائد أمرًا شخصيًا بكل عملية.
ثم جاء تغيير الاسم.
أعلن الجولاني فك الارتباط التنظيمي بالقاعدة عام 2016، وتحولت جبهة النصرة إلى جبهة فتح الشام، قبل تشكيل هيئة تحرير الشام عام 2017.
لكن تغيير الاسم لا يمحو الوقائع، كما أن تغيير اللباس والخطاب لا يلغي الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة.
وفي الثامن من كانون الأول 2024، دخل الجولاني دمشق قائدًا للقوى التي أسقطت النظام.
هنا تبلغ استعارة نهر الجنون ذروتها.
فالرجل الذي قاد تنظيمًا ارتبط بالقاعدة، وسُجل في تاريخ ذلك التنظيم تفجير مشفى وإعدام أسرى وإعلان المسؤولية عن تفجيرات دامية، أصبح عند قطاعات من الجمهور رمزًا للتحرير. ولم تعد التسجيلات المصورة والتقارير الدولية التي توثق تاريخ التنظيم حاضرة بالقدر نفسه في المشهد الاحتفالي.
إنها ليست مسألة اختلاف سياسي عادي حول رجل وصل إلى الحكم. إنها مسألة تحول في المعايير التي يُقاس بها معنى التحرير.
فحين يصبح سقوط الحاكم السابق كافيًا لمنح قائد التنظيم المسلح شرعية وطنية كاملة، دون أن تُستحضر مسؤوليات ذلك التنظيم وتاريخه، يكون الوعي قد تعرض لانقلاب عميق.
ثم تسارعت عملية الاعتراف الدولي بالسلطة الجديدة.
وفي تشرين الثاني 2025، زار الجولاني البيت الأبيض والتقى دونالد ترامب. وكان مشهد رش ترامب العطر عليه أكثر من تفصيل بروتوكولي عابر؛ فقد اختزل مفارقة سياسية وتاريخية: الرجل الذي قاد جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، والتي ارتبط سجلها بتفجير مشفى الكندي وإعدام الأسرى وإعلان المسؤولية عن تفجيرات دمشق، أصبح ضيفًا رسميًا في عاصمة كانت تصنفه ضمن قوائم الإرهاب.
وليس في تغيير الاسم ما يمحو التاريخ، ولا في المصافحة ما يلغي المسؤولية عن الماضي. لقد تغير موقع الجولاني في الحسابات الدولية، لكن الوقائع التي سبقته إلى دمشق بقيت جزءًا من ذاكرة السوريين. وهنا تظهر إحدى وظائف آلة إنتاج الوعي: إعادة تقديم الشخصية ذاتها ضمن صورة جديدة، حتى يصبح الماضي الذي كان يحدد معناها السياسي تفصيلًا يمكن تجاوزه.
ثم جاءت الرواية اللاحقة عن مزاح الجولاني مع ترامب بشأن منح إسرائيل ولاية نيوجيرسي بدل الجولان، لتقدم مثالًا على الجرأة بأثر رجعي: حين تتحول عبارة تُروى للجمهور إلى تعويض رمزي عن عجز لم يتغير على الأرض.
فالسيادة لا تُقاس بحدة النكتة، ولا بحفاوة الاستقبال، بل بقدرة الدولة على حماية حدودها وامتلاك قرارها.
الحناظل: من التعبئة الطائفية إلى الدم
كانت أحداث الساحل في آذار 2025 أكثر من اختبار أمني للسلطة الجديدة؛ لقد كشفت الوجه الدموي لخطاب طائفي تراكم خلال سنوات الحرب.
فقد وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا مقتل نحو 1400 شخص خلال موجة العنف، وأشارت إلى عمليات قتل وتعذيب ونهب وانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، ارتكبتها عناصر من القوات التابعة للسلطة الجديدة ومسلحون عملوا إلى جانبها، فضلًا عن انتهاكات ارتكبتها مجموعات موالية للنظام السابق. وكان المدنيون العلويون من أبرز ضحايا عمليات القتل الموثقة.
ولم تكن هوية الضحايا أمرًا عارضًا. فقد وثقت تقارير حقوقية شهادات عن مسلحين استخدموا الانتماء الطائفي معيارًا للاشتباه والقتل. وهنا لم يعد التصنيف المذهبي مجرد أداة للتعبئة السياسية، بل تحول لدى بعض الجناة إلى معيار للحياة والموت.
وفي تموز 2025، كشفت أحداث السويداء امتداد هذا المنطق إلى الدروز. فقد شهدت المحافظة عمليات قتل وخطف وإذلال وتهجير وانتهاكات ضد المدنيين، إلى جانب خطاب تحريضي صور الدروز بوصفهم أعداء دينيين وخونة. وشملت الانتهاكات أطرافًا مسلحة متعددة، بينها قوات تابعة للسلطة المؤقتة ومجموعات مرتبطة بها، فضلًا عن مجموعات محلية أخرى.
إن الخطاب الطائفي الذي تغذت عليه قطاعات من التنظيمات المسلحة خلال الحرب لم يتوقف أثره بمجرد انتقالها إلى الحكم. فقد ساهم في بناء تصور للآخر لا يراه مواطنًا مختلفًا، بل خصمًا دينيًا متوارثًا. وحين يقترن هذا التصور بالسلاح والإفلات من العقاب، يمكن أن يتحول العداء الكامن إلى استعداد لقتل المدنيين على أساس هويتهم.
وهنا تتجلى المفارقة الأعمق: كيف يُطلب من سلطة الجولاني أن تفكك خطابًا طائفيًا كان جزءًا من بنيتها العقائدية، وأداة في تعبئة مقاتليها، ووسيلة لتعريف العدو وتبرير قتاله؟
فالمشكلة ليست في خطاب تحريضي تسلل إلى مؤسسات الدولة الجديدة، بل في إرث أيديولوجي نشأت عليه التنظيمات التي أصبحت اليوم تمسك بمفاصلها. وما ظهر في الساحل والسويداء يثير سؤالًا جوهريًا عن أثر سنوات جرى فيها تصوير الآخر المذهبي بوصفه عدوًا وجوديًا.
وحين انتقلت الجماعة من الحرب إلى الحكم، لم يكن تغيير الزي والخطاب السياسي كافيًا لتغيير التصورات التي تشكلت في وعي مقاتليها.
فكيف يمكن لمن بنى شرعيته القتالية على تقسيم المجتمع إلى مؤمن وعدو أن يؤسس دولة تقوم على المساواة بين المواطنين؟ وكيف يُنتظر من البنية التي أنتجت هذا الوعي أن تكون هي نفسها الأداة التي تفككه؟
إن المسؤولية السياسية لسلطة الجولاني لا تنحصر في إصدار بيانات تدين المجازر. إنها تتعلق بطبيعة المؤسسات التي ورثت تنظيمات الحرب، وبمدى قدرتها على إخضاع السلاح للقانون، ومحاسبة مرتكبي الجرائم وقادتهم المسؤولين، ومنع تحول الهوية الدينية إلى معيار للحماية أو العقاب.
الجنوب: التحرير الذي كشف الأرض
وفي الجنوب، استغلت إسرائيل انهيار النظام السابق لتوسيع انتشارها العسكري وتنفيذ ضربات واسعة استهدفت مقدرات الجيش السوري.
وقد تزامنت هذه الضربات مع احتفالات السلطة الجديدة بسقوط النظام، ومع ظهور الجولاني في الجامع الأموي.
كانت المفارقة صارخة: قائد تنظيم ارتبط بالقاعدة يحتفل بدخول دمشق، وقوة احتلال توسع حضورها على الأرض، وقدرات عسكرية وطنية تتعرض للتدمير.
ولم تعد المفارقة اليوم مجرد صورة من الأيام الأولى لسقوط دمشق، بل تحولت إلى واقع عسكري يتقدم على الأرض. ففي التاسع عشر من تشرين الأول 2026، وصلت دورية إسرائيلية إلى أطراف قرية دربل في جبل الشيخ بريف دمشق الغربي، بعد توغلات سابقة في محيط بيت جن. وفي الثاني والعشرين من الشهر نفسه، واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها في الجنوب، وتوغلت في قرية جملة بريف درعا، حيث قُتل مدني سوري من ذوي الإعاقة. وهكذا، بينما تُروى حكاية التحرير من دمشق، تتقدم قوات الاحتلال في ريفها وتفرض وقائع جديدة في الجنوب. ولم يعد السؤال عما إذا كان النظام السابق قد سقط، بل عما بقي من السيادة بعد سقوطه. فأي معنى لتحرير العاصمة حين يصل جيش الاحتلال إلى أطراف ريفها؟ وأي انتصار هذا الذي تُفتح فيه أبواب القصور للحاكم الجديد، بينما تُفتح الأرض أمام جنود الاحتلال؟ هنا تكتمل مرارة نهر الجنون: أن يُحتفى باستعادة دمشق في حدث هو عين الفقدان، حيث سقطت قدرة الدولة على حماية الأرض التي تحمل اسمها.
هذا هو المشهد الذي تعود فيه مسرحية «نهر الجنون» إلى الذاكرة بكل قسوتها. ليس لأن جميع المحتفلين كانوا يجهلون ما حدث، بل لأن لحظة الفرح الأحمق أمكن أن تطغى على تاريخ التنظيم المنتصر وعلى ما كان يجري للأرض في الوقت نفسه.
قانون قيصر: حين نسي الشارب من لوّث النهر
ولعل من أكثر مفارقات نهر الجنون دلالة ما جرى في الوعي الشعبي بشأن قانون قيصر.
فالقانون الذي أقره الكونغرس الأمريكي عام 2019 لم يهبط على سوريا من فراغ. لقد جاء ضمن سياسة أمريكية لعزل النظام السابق اقتصاديًا، وساندت تشديد العقوبات جهات معارضة سورية وشبكات ضغط في واشنطن، باعتبارها وسيلة لإضعاف السلطة ودفعها إلى التنازل أو الرحيل.
لكن العقوبات لم تبقَ حبيسة الحسابات السياسية التي صيغت من أجلها. فقد أثرت في الاستثمار وإعادة الإعمار والمعاملات الاقتصادية، وأسهمت، إلى جانب الحرب والدمار وعوامل أخرى، في تعميق الضيق المعيشي الذي أصاب السوريين.
ثم سقط النظام، ووصل الجولاني إلى دمشق، وأصبح رفع العقوبات يُعرض بوصفه أحد إنجازات عهده.
هنا تتجلى المفارقة: أن يُحتفى برفع أداة ضغط ساهمت قوى من المعارضة السابقة في المطالبة بها، دون استحضار تاريخ تلك الأداة، أو السؤال عمن أيد استخدامها، ومن تحمل آثارها، ولماذا أصبح رفعها اليوم مناسبة للاحتفال.
وفي الثامن عشر من كانون الأول 2025، ألغت الولايات المتحدة قانون قيصر إلغاءً تشريعيًا كاملًا، لكنها لم تُنهِ بذلك منظومة القيود والعقوبات الأمريكية بأكملها. فقد أبقت واشنطن على عقوبات تستهدف أفرادًا وكيانات محددة، وعلى ضوابط لتصدير تقنيات ومعدات معينة، فضلًا عن صلاحيات قانونية تتيح لها فرض عقوبات جديدة. كما أبقى التشريع على آلية تقارير دورية إلى الكونغرس بشأن أداء السلطة السورية في ملفات مكافحة الإرهاب، وحماية الأقليات، والأمن الإقليمي، والعلاقة مع إسرائيل.
وهنا تتجلى مفارقة أخرى: يُقدَّم رفع العقوبات بوصفه انتصارًا سياسيًا للجولاني، بينما تظل واشنطن ممسكة بأدوات ضغط اقتصادية وقانونية تستطيع استخدامها متى اقتضت مصالحها. فما أُلغي هو قانون بعينه، لا قدرة الولايات المتحدة على توظيف العقوبات في إدارة علاقتها بسوريا.
ومن ثم فإن الاحتفاء برفع القيود، دون الالتفات إلى ما بقي من أدوات الضغط وإلى الجهة التي تتحكم بها، ليس دليلًا على اكتمال السيادة، بل شاهد آخر على هشاشتها. فالقوة التي تملك منح الإعفاءات وتوسيعها، وتملك كذلك فرض قيود جديدة، تحتفظ بوسيلة ابتزاز سياسي محتملة، حتى بعد إعلان نهاية العقوبات الشاملة.
لقد شرب السوري من النهر حتى أصبح قادرًا على الاحتفال برفع القيد، دون أن يسأل عمن طالب بوضعه أولًا.
وهذا هو جوهر استعارة نهر الجنون: ألا يقتصر التلويث على تغيير الموقف من الأشخاص، بل يمتد إلى إعادة ترتيب الذاكرة نفسها، بحيث يُنسى تاريخ الأداة، ويُختزل الخلاص في صورة من أعلن زوالها.
القوة المستعارة: انتصار له مدة صلاحية
تستطيع القوة المستعارة أن تساعد على تحقيق انتصار عسكري، لكنها لا تبني، بذاتها، دولة مستقلة.
فالمال والسلاح والغطاء السياسي مرتبطة بمصالح الجهات التي توفرها. وقد تتغير هذه المصالح بتغير التحالفات والأولويات الدولية. ولهذا فإن القوة المستعارة تحمل في داخلها حدود استمرارها.
وفي تحليلات أنيس النقاش لموازين القوة الإقليمية، يحضر التمييز بين القوة النابعة من قدرة المجتمع على الصمود، والقوة المعتمدة على منظومات خارجية.
لكن المسألة لا تتعلق بالسلاح وحده. فالدولة تحتاج إلى اقتصاد منتج، ومؤسسات قابلة للمحاسبة، وقدرة على حماية مواطنيها، واستقلال في القرار السياسي.
ولا يكفي الاعتراف الدولي أو وعود الاستثمار إذا بقيت الأسرة عاجزة عن تأمين الخبز والدواء. فإعادة البناء تُقاس بما يصل إلى الإنتاج والعمل والخدمات، لا بالمبالغ المعلنة في المؤتمرات.
وإذا أصبحت حاجات المواطن مؤجلة باستمرار لصالح رضا الخارج، فإن الاستقلال السياسي يظل ناقصًا مهما تبدلت الأعلام والشعارات.
العودة إلى النهر
أعود إلى نهر الجنون.
في المدرسة، كنت أظن أن المشكلة فيمن شرب، وأن النجاة تكمن في الامتناع. أما اليوم، فأرى أن السؤال الأهم يتعلق بمنابع النهر نفسها.
لقد جرى الاستثمار في خطاب مذهبي أعاد ترتيب تصور قطاعات من الجمهور للعدو والحليف. ثم تحولت شبكات التمويل والتعبئة إلى حرب مسلحة ساهمت في إضعاف الدولة السورية وتغيير موازين القوة في المنطقة.
وكانت إسرائيل من أبرز المستفيدين من تراجع القدرة العسكرية السورية، كما ظهر بوضوح عقب سقوط دمشق.
لكن التلويث لم يقتصر على موازين القوة؛ لقد أصاب المعايير التي يُحكم بها على الوقائع.
فقد أصبح ممكنًا أن يدخل قائد جبهة النصرة السابق دمشق تحت عنوان التحرير، وأن تتراجع في المشهد العام ذاكرة تفجير مشفى الكندي وإعدام الأسرى وتفجيرات دمشق، وأن يتحول الاعتراف الدولي اللاحق إلى شهادة شرعية، بينما تستمر إسرائيل في فرض وقائع عسكرية على الأرض السورية.
وأصبح ممكنًا أن يُحتفى برفع قانون قيصر، دون أن تستعاد في الذاكرة سنوات الضغط السياسي التي سبقت إقراره، أو أن يُنظر إلى تغيير اسم قائد التنظيم بوصفه تغييرًا في تاريخه.
هنا تكمن المفارقة التي لم أكن أستطيع فهمها حين قرأت مسرحية الحكيم طفلًا.
ليس الجنون في أن يفرح الناس بسقوط حكم كانوا يرفضونه، بل في أن يصبح الفرح قادرًا على تعليق الذاكرة، وإعادة تعريف الأفعال، وتغيير معنى العدو والحليف في لحظة واحدة.
ولا تبدأ استعادة الوعي الوطني بانتظار مراجعة أخلاقية من الحاكم الجديد، ولا بالتعويل على تغير مواقف واشنطن أو العواصم الخليجية.
إنها تبدأ حين يعود السؤال عن المال والمصلحة والقرار إلى مركز التحليل: من موّل الحرب؟ ومن سلّح الفصائل؟ ومن استثمر في الانقسام؟ ومن استفاد من إضعاف القدرة السورية على الردع؟ وكيف أمكن تحويل الانتماء المذهبي إلى بديل عن السؤال الوطني؟ومن سخر الأموال والمقدرات ومول وجند للإتيان بالحاكم الجديد ومعه تنظيم من الإرهابيين ؟
وتبدأ كذلك باستعادة الذاكرة؛ فلا تمحو صورة رجل في قصر رئاسي صورته السابقة قائدًا لتنظيم مسلح، ولا يمحو الاعتراف الدولي سجل الجرائم التي ارتكبتها الجماعة التي قادها، ولا تصبح الأرض محررة لمجرد أن السلطة تغيرت في العاصمة.
فالحناظل التي يقطفها السوريون اليوم لا تكفي مرارتها لتفسير ما حدث. ينبغي العودة إلى البذور، وإلى الذين سقوها، وإلى الذين أقنعوا الناس طوال السنوات الماضية بأن الثمر سيكون حلوًا.
وربما كان هذا هو الفارق بين نهر الجنون ونهر الوعي: الأول يجعل اتفاق الجماعة دليلًا على الحقيقة، أما الثاني فيبدأ حين يستعيد الإنسان ذاكرته وحقه في السؤال عن مصدر الماء، حتى لو كان وحده.
===================================
رابط المقال: