علي أن أعترف انني في حيرة شديدة من قضية في منتهى الحساسية .. ألا وهي حرية التعبير عن المعاناة في زمن الحصار وزمن الحرب .. هل نتجاهل صرخات الناس أم نحترم شعاراتنا وايديولوجياتنا ونعيش في أبراجنا العاجية؟ .. اذا لم نعكس آلام الناس فمن سيفعل ..؟؟ ولكن لحظة .. هذا التجاذب بين الواجبين وهذا التوازن الدقيق المطلوب بينهما مؤلم ومحير ..
الا انني لم أعد حائرا فقد تخلصت من حيرتي .. ودعوني هنا أتذكر معكم أننا مررنا بمرحلة كنا نسمع فيها سخرية من شعار لاصوت يعلو فوق صوت المعركة .. وتفنن الحاقدون والاعلام العربي في تناول هذا الشعار بالهزء والسخرية حتى أن أكثر الناس تفهما للشعار صار محرجا من اطلاقه او التذكير به .. وانتشرت في مصر بعد كامب ديفيد وربما قبلها موجة من تحقير هذا الشعار لاستئصاله بالهزء منه .. ولومه على كل مصائب مصر وحكايات صلاح نصر وصفوت الشريف .. وانتقلت العدوى الى الجماهير العربية تدريجيا .. وصارت اي محاولة لتذكير الناس بأهمية المعركة سببا في اغضابهم واصرارهم على ان هذا الشعار الاجوف ما هو غطاء حجب الرؤية وأخفى الحقيقة عن الناس ومنعه من ممارسة حريتهم وكان ذريعة للفساد والفاسدين للعبث بحقوق الناس فيما عيون الناس وآذانهم مغطاة بأصوات المعركة وأفواههم مكممة بشعاراتها ..
شعار لاصوت يعلو فوق صوت المعركة هو شعار يجب أن يكون شعار المنطقة كلها .. وشعار الجيل وراء الجيل .. حتى تنتهي المعركة المتواصلة منذ قرن كامل .. لأن الحقيقة هي ان كل مايحدث لدينا هو بسبب هذه المعركة التي سخر منها الساخرون واستهانوا بها وقللوا من شأنها ونسبوا اليها كل الأخطاء .. فبسبب هذه المعركة الطويلة التي بدأت منذ قرن مع المشروع الصهيوني فاننا خسرنا فلسطين .. وخسرنا عدة حروب والمزيد من الاراضي العربية بعدها .. ثم واجتاحت اسرائيل لبنان .. وبسبب هذه المعركة أيضا تم دفعنا الى حرب الخليج الاولى بين العراق وايران والتي كانت في حقيقتها بين العرب وايران لأن العرب تم دفعهم من قبل الصهاينة للقتال نيابة عن اسرائيل لمعاقبة ايران على قرارها بالخروج من الحلف الامريكي الاسرائيلي ودخولها الحلف العربي الفلسطيني .. وبعدها خسرنا العراق .. وخسرنا مرحلة الكفاح الفلسطيني الذي تم احتواؤه في أوسلو لأن ذريعة الموقعين كانت أن صوت المعركة طال وأن الشعب الفلسطيني تعب من صوت المعركة ومن حقه أن ينعم بصوت السلام .. ثم وصلنا الى الربيع العربي الذي دمر ليبيا واليمن وسورية .. وفي المعارك الهامشية تم بتر السودان وترحيله الى المعسكر الاسرائيلي .. وتم القاء القبض على مياه النيل لتقييد حركة مصر الى ان يتم القضاء عليها في مشروع قادم .. وأخيرا اعلن عن احتلال دول الخليج رسميا عبر معاهدات سلام ستتولى اسرائيل فيها الاشراف على دول الخليج وعصرها وابتزازها وتسخير مواردها لتمويل حروب اسرائيل ضد العرب .. وكل ماسبق هو معارك متلاحقة ضمن المعركة الواحدة الكبيرة مع المشروع الصهيوني الضخم الجشع الذي لايشبع بلعومه الواسع ..

هذه هي المعركة التي لايليق بها الا شعار واحد كنا نسخر منه فيما مضى وهو .. لاصوت يعلو فوق صوت المعركة .. وهو الدواء لمرضنا وآلامنا في هذا الشرق ..
إقرأ المزيد












