
هنالك مجموعة من الاشخاص العقلاء وذوي الخبرة والاكاديميين الذين أراجعهم وأتداول معهم في الشأن السوري .. وهؤلاء لايظهرون على الشاشات بل تعرفهم من سنين التجربة .. وتدرك حصافتهم من خلال تشخيص دقيق للأحداث .. وقد لفت نظري بيان حزب التحرر الوطني الذي طرح تساؤلات هامة وملاحظات حقيقية منها:
أولا- أنَّ اقتصارَ شعاراتِ الحراكِ على الجانبِ الاقتصاديِّ، دونَ التطرقِ إلى جوهرِ الأزمةِ السياسيةِ، يثيرُ تساؤلاتٍ مشروعةً، قد تُفسَّرُ إمّا بالخوفِ أو بالصمتِ المريبِ، وذلك للأسبابِ التالية: لماذا غابتِ المطالباتُ الصريحةُ برحيلِ السلطةِ ورأسِها؟ لماذا لم يُدَنْ ما جرى من مجازرَ وانتهاكاتٍ بحقِّ أبناءِ الطوائفِ المختلفةِ في عدةِ مناطقَ؟ لماذا لم يُرْفَعِ الصوتُ ضدَّ الاعتداءاتِ الخارجيةِ والتوغلاتِ للكيانِ الغاشمِ جنوبيَّ البلادِ واستعمالِ الأجواءِ السوريةِ في الحربِ الدائرةِ والتي تمسُّ سيادةَ البلاد؟ لماذا لم يُندَّدْ بحالاتِ الخطفِ والانفلاتِ الأمنيِّ التي وثَّقتْها جهاتٌ حقوقيةٌ دولية؟ لماذا سادَ الصمتُ تجاهَ تغوُّلِ الأجهزةِ الأمنيةِ والفصائلِ المسلحةِ على حياةِ المواطنين؟لماذا لم يُطرَحْ ملفُّ التمييزِ في توزيعِ المناصبِ وإقصاءُ مكوناتٍ أساسيةٍ من المجتمع؟ لماذا لم تُذكَرْ معاناةُ المخيماتِ شماليَّ البلادِ ولا أزمةُ اللاجئينَ في أوروبا وحقُّهم في العودةِ الكريمةِ؟ إنَّ هذهِ الأسئلةَ لا يمكنُ تجاوزُها، والإجابةُ عنها كفيلةٌ بتحديدِ طبيعةِ هذا الحراكِ وحدودِهِ. والسؤالُ الأهمُّ: هل مشكلتُنا كشعبِ سوريا العظيمةِ اقتصاديةٌ فقط مع هذا المحتلِّ الجولانيّ؟
ثانيًا- إنَّ وحشيةَ السلطةِ في قمعِ أيِّ تحرُّكٍ، حتى وإنْ كانَ محدودَ السقفِ، باتتْ حقيقةً لا تحتاجُ إلى إثباتٍ، وموقفُنا منها ثابتٌ لا يتغيَّرُ. لن نقبلَ بهذا الواقعِ، ولن نصمتَ أمامَ هذهِ الانتهاكاتِ، وسنواصلُ العملَ حتى تحريرِ وطنِنا من هذا النهجِ القائمِ على القمعِ والتسلط.
وبعد التداول لفت نظري ان هذا البيان ينسجم جدا مع تحليل هذه العقول السورية الوطنية التي تمتلك النظرة الثاقبة والحصافة الكثيفة .. وقال التحليل الذي طرحه احدهم – وفيه شيء من التحليل النفسي والاجتماعي – ولخصه من وجهة نظره بما يلي:
هناك صرف للأنظار Distraction عن قضايا مصيرية عميقة وجوهرية من خلال خلق أزمة مصطنعة لتصبح حديث الساعة على مواقع التواصل الاجتماعي واستغلال عواطف الجمهور ومشاعره( خوف ،غضب، وسخرية ) وتشكيل عقلية القطيع بشكل يجعل الأفراد يتبنون موقفا جماعيا دون تفكير خشية مخالفة السائد وهدف كل ذلك تغطية الفساد والفشل واشغال الرأي العام عن سوء الادارة أو القرارات السياسية الخطيرة وتجنب مساءلة المسؤولين الفعليين والانشغال دائماً بقصة الفلول والنظام البائد ، والمحصلة جعل المجتمع يرى أن المشاكل الهامشية هي الأهم ويتجاهل المشكلة الوجودية وهذا سيقود لزيادة في الانقسام المجتمعي وخلق صراعات ثقافية ومذهبية أو حول شخصيات .
بالحقيقة هذه استراتيجية تعتمد على أن الجهل ليس فقط غياب المعرفة بل هو الخوف من المعرفة أو القبول بالسطحية .
هناك شعور بالخوف والتهديد والدونية في واقع معظم السنة السوريين ( وبالطبع عند باقي المكونات ) فأصبح الجمهور يمارس الهروب النفسي من الواقع عبر الخطف خلفاَ وذلك عبر انتقاد وشتم الماضي ( النظام البائد والأسدين ) لإظهار قوته المزيفة أو التظاهر بالمعرفة ويمارس الإزاحة للسابق عبر شتم ونقد أهداف آمنة لاتشكل خطراً عليه ويتجاهل الواقع ، وهو يعلم أن مجرد ملامسته للواقع سيفتح عليه أبواب جهنم ، ثم يضاف الى ذلك الشعور بالخجل بعد أن اكتشف ما وقع به وكيف أصبح حاله. هذه هي مشكلة الشعب السوري البائس ..
وهذه ملاحظة خطرة .. فافقار الشعب السوري واهانته في رزقه وتحويله الى شعب متسول جائع أصابه الجرب ليس بريئا .. بل هو خطة لتخديره للبدء في عملية الاستعمار النهائي عبر تركيز تركيز اهتمامه بالوجع الشخصي فيما ينهش اللصوص الصيدة .. فهناك قرارات في غاية الخطورة لبيع ثروات البلاد وخصخصة كل شيء.. وتحويل البلاد الى مستعمرات وكانتونات طائفية .. واذا استفاق اهل دمشق وحلب وهم الميزان المرجح لاي انتفاضة فإنهم قد يوقفون هذا الانهيار والزحف الظلامي .. ولذلك تم تحويل احتجاج الناس وتلخيصه في مطالب اللقمة والخدمات البسيطة لتفجير نقاش عن مطالب اساسية فيما لايحس الناس في ضوضاء وصلب النقاش عن الكهرباء والخبز ان انه يتم نهش عظام سورية كلها وتوزيعها وتحويلها الى وقف عثماني وتغيير نسيتها الاجتماعي وذاكرتها كلها .. وعندما يستفيق الناس على بعض من وفرة الخبز والخدمات البسيطة التي يعبرها انجازا وملاذا وخلاصا يكون البلد قد صار في معدة تركيا واسرائيل والشركات الأجنبية.. وسيكون كل شي قد انتهى ولاجدوى من اي تحرك .. فالمجتمع مقسم جدا .. وهو طوائف لاتثق ببعضها .. وكل طائفة تبحث عن وجعها هي .. فالسنة لايكترثون بمذابح العلويين والدروز بل بوجع جيوبهم ونقص الخبز وفاتورة الكهرباء .. وهؤلاء بدورهم لايهمهم وجع اهل الشام نكاية بتجاهل السنة لهم ولدمهم الذي لم يتظاهروا من أجله بل من أجل فواتير الكهرباء ..
الجمهور السني للأسف يتم التلاعب به بتخويفه من بعبع ورعب عودة العلويين للسلطة او عودة الاسد .. فإلى جانب انشغال الناس بالخبز والفقر وغضبهم من تدني الخدمات وصولهم الى حالة الجرب الصحي .. فقد ازدادت فجأة صفحات مجهولة غالبها تركي واخواني تبشر الناس بعودة الأسد .. وهي لعبة (سلطان الخوف) الذي يتحكم بالناس .. ويجعل خوفهم اقوى من رغبتهم في التحرر من الاستعمار الحقيقي .. مما يلجم الجمهور السني الذي لاترتبط ذاكرته بأجمل فترات أيامه اليانعة في ظل الأسدين حيث الوفرة والأمان والنمو والتطور .. فقد تم تلخيص كل زمن الاسدين وكل الانجازات الوطنية والاجتماعي بأحداث حماة وتدمر والبراميل وصيدنايا وقيصر .. وكلها سرديات وهمية ضخمة جدا ولااساس لها من الصحة وكانت الدولة فيها تحارب عنف الاسلاميين المتطرفين .. ولكن هذه السرديات المقدسة صارت وظيفتها هي فقط التغطية على الحقيقة وهي ان السوريين خدعتهم الثورة المصنعة في مكاتب المخابرات ليدمروا أنفسهم ولاتصنع لهم إلا ذاكرة تكتبها أجهزة المخابرات .. ولابد من استمرار تغييب وعي الناس بتشتيت انتباههم الان اكثر من اي وقت مضى .. لأن عملية فك الدولة والمؤسسات وإدخال الشعب في عصر الانتداب والاحتلال تحتاج مخدرات قوية جدا .. كيلا يفيق المريض من التخدير اثناء بتر أعضائه.. واستئصال أحشائه ليتحول الى مومياء مجتمع .. ومومياء دولة .. وجثة دولة محنطة في البلاط العثماني ..
اذا أراد الشعب السوري ان يوقف عملية تحنيطه .. عليه أن يتدفق الى الشوارع بالملايين لأنه الان فقط قادر على النجاة .. والا فعليه ان ينضم الى متحف مومياءات الامم والشعوب .. اما نزول الملايين الى الشوارع في مدينتي حلب ودمشق فانها ستلقي الصدمة والروع في قلوب الجميع .. وسيخضع الجميع لمطالبه خوفا من ان يتحول هذا الغضب الى ثورة حقيقية تطيح بكل المخطط الغربي الاسرائيلي العثماني ..
