مقال جدير بالقراءة: شرعنة القتل باسم الدين : عندما يتحول الخطاب إلى شريك في الجريمة !!! بقلم: د. بسام أبو عبد الله

في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول الخارجة من النزاعات، يظهر نوع من الخطاب يحاول إعادة تعريف الجريمة، لا عبر إنكارها، بل عبر تبريرها ومنحها غطاءً أخلاقياً أو دينياً ، وما تم نشره على لسان مفتي سلطة الأمر الواقع أسامة الرفاعي ( وأتمنى أن لا يكون صحيحا”) ، والتي يبرر فيها جرائم جيش الاسلام ، وغيره من الجماعات المتطرفة على أنها أعمال مبررة لأنها تهدف للتمكين وفق نظريات الاخوان المسلمين ،وأشباهها من الجماعات الأخرى ، ولا يمكن مقارنتها بتلك التي أرتكبت دفاعا” عن الطاغية حسب قوله !!!! وهذه الفتاوى هي نفسها التي بررت ، ودفعت نحو مجازر الساحل آذار- ٢٠٢٥ ، ومجازر السويداء تموز – ٢٠٢٥ وغيرها من حالات القتل ، والخطف ، والاغتصاب بحق مواطنين سوريين في مختلف المناطق السورية.

الحقيقة أن هذا الخطاب لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، لأنه يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي العام بحيث تصبح هذه الجرائم “مقبولة” أو حتى “واجبة”. والتصريحات التي تبرر قتل مدنيين تحت عنوان “التمكين” أو “إعلاء كلمة الدين” تندرج ضمن هذا النمط الخطير، الذي لا يمكن السكوت عنه لا قانونياً ولا سياسياً ولا أخلاقياً.

أولاً – إن الادعاء بوجود “قتل مشروع” في سياق ما يسمى “التمكين” هو طرح مرفوض كلياً في القانون الدولي. فالقانون الدولي الإنساني، كما هو منصوص عليه في اتفاقيات جنيف، يضع قاعدة صارمة لا تقبل التأويل: حماية المدنيين واجبة في جميع الأحوال. أي استهداف مباشر أو غير مباشر للمدنيين يُعد جريمة حرب، بغض النظر عن النية أو الشعار أو الخلفية الأيديولوجية للفاعل.

ثانياً – إن محاولة التمييز بين “عنف مشروع” و”عنف غير مشروع” بناءً على هوية الفاعل أو مرجعيته الدينية تمثل خرقاً جوهرياً لمبدأ المساواة أمام القانون. في القانون الجنائي الدولي، لا يوجد ما يسمى “جرائم مبررة عقائدياً”. الأفعال تُقاس بنتائجها وطبيعتها، لا بخطاب مرافِق لها. وبالتالي، فإن أي محاولة لإضفاء صفة “الشرعية” على قتل جماعي أو استهداف مدنيين هي في ذاتها تواطؤ مع الجريمة.

ثالثاً – إن توظيف الدين في تبرير العنف يمثل انحرافاً خطيراً، ليس فقط قانونياً بل أيضاً حضارياً. فحتى ضمن الأطر الفقهية التقليدية، هناك إجماع واسع على تحريم قتل الأبرياء وعدم جواز التعدي على غير المقاتلين. وعليه، فإن هذا النوع من الخطاب لا يعكس “تطبيقاً للدين”، بل استخداماً انتقائياً له لخدمة أهداف سياسية أو سلطوية.

رابعاً – إن إنكار صفة “الضحية” عن المدنيين الذين قُتلوا، أو اختزالهم في سياق “مشروع أكبر”، يُعد شكلاً من أشكال نزع الإنسانية، وهو ما يُعتبر في القانون الدولي أحد المؤشرات الخطيرة المرتبطة بجرائم ضد الإنسانية. فالضحايا، وفق القانون، ليسوا أرقاماً ولا أدوات، بل أفراد يتمتعون بحقوق أصيلة لا تسقط تحت أي ظرف.

خامساً – إن المقارنة بين جرائم مختلفة بهدف التبرير هي مغالطة قانونية وأخلاقية. فالقانون الدولي لا يعترف بمنطق “المقايضة بين الجرائم”. ارتكاب طرف لانتهاكات لا يمنح طرفاً آخر حق ارتكاب انتهاكات مماثلة. المسؤولية فردية، ولا يمكن تذويبها في سياق صراع عام.

سادساً – إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس فقط مضمونه، بل نتائجه. فهو يفتح الباب أمام تكرار الجرائم، ويمنح غطاءً نفسياً وأيديولوجياً لمرتكبيها، ويقوض أي إمكانية لبناء دولة قائمة على سيادة القانون. فالدولة لا تُبنى بمنطق “التمكين”، بل بمنطق العدالة والمساءلة.

سابعا” – إن تبرير القتل تحت أي مسمى، سواء كان دينياً أو سياسياً، هو انحدار نحو شرعنة الفوضى وتقويض أسس الدولة الحديثة. لا يمكن القبول بأي خطاب يمنح حصانة لمرتكبي الجرائم أو يعيد تعريف الضحايا وفق اعتبارات أيديولوجية. الطريق الوحيد للخروج من دوامة العنف هو الاعتراف بالجرائم، ومحاسبة مرتكبيها، وترسيخ مبدأ أن القانون فوق الجميع ، وهو أمر لن تستطيع سلطة الأمر الواقع الحالية إنجازه أبدا” .

ولعل المقولة الشهيرة التي قالها المدعي العام في محاكمات نورمبرغ تختصر المشهد بدقة:
“إن الجرائم تظل جرائم، سواء ارتكبها المنتصرون أو المهزومون.”
هذه القاعدة، البسيطة في صياغتها والعميقة في معناها، هي ما يجب أن يُبنى عليه أي مستقبل عادل، لا خطاب يبرر القتل ويعيد إنتاجه.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق