
في المجتمعات الخارجة من الحروب والانهيارات، يصبح الخطاب الأخلاقي والديني أداة شديدة الحساسية، إذ يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة بناء القيم، أو وسيلة لإعادة إنتاج الانحراف بشكل أكثر خطورة. وفي الحالة السورية الراهنة، تبرز مفارقة صارخة بين خطاب يرفع شعارات الزهد والتقوى، وممارسات على الأرض تعكس أنماطاً من البذخ والفساد، لا تنسجم فقط مع واقع بلد مدمّر، بل تتناقض جذرياً مع الأسس التي يُفترض أن يقوم عليها هذا الخطاب نفسه.
ويأتي هذا الطرح في ضوء ما يتم تداوله مؤخراً حول تسرب وثيقة يُقال إنها صادرة عن وزير الأوقاف وموجهة إلى جهة في سلطة الأمر الواقع، تتضمن طلب شراء 44 سيارة لصالح الوزارة بقيمة تقارب مليوناً وثمانمائة وخمسين ألف دولار. وبغضّ النظر عن دقة هذه المعلومات، فإن مجرد تداولها في بلد تصل فيه نسب الفقر إلى ما يقارب 90%، يطرح تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق العام، ويعكس حجم التناقض بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، الأمر الذي يشكّل أحد الدوافع الأساسية لطرح هذا الموضوع.
أولاً – يمكن تفسير هذا السلوك من زاوية نفسية فردية، حيث يظهر ما يُعرف بالتعويض المفرط؛ فالأفراد الذين عاشوا فترات من الحرمان أو التهديد، يميلون عند وصولهم إلى السلطة إلى إظهار مظاهر القوة والثراء بشكل مبالغ فيه. هنا لا يكون البذخ مجرد ترف، بل محاولة لإثبات الانتصار وتعويض شعور سابق بالنقص. ويترافق ذلك مع حالة من التنافر المعرفي، حيث يجري التوفيق بين خطاب ديني يدعو للتقشف، وممارسات مادية مترفة، عبر إنتاج مبررات داخلية تجعل التناقض يبدو
وكأنه انسجام.
ثانياً – على مستوى علم النفس الاجتماعي، تلعب ديناميكيات الجماعات المغلقة دوراً حاسماً؛ ففي هذه البيئات، يُعاد تعريف القيم بما يخدم السلطة، ويتحول النقد إلى تهديد يجب إقصاؤه. ومع الوقت، يحدث ما يمكن تسميته بتطبيع الانحراف، حيث تبدأ الممارسات الصغيرة بالتوسع تدريجياً حتى تصبح القاعدة العامة. وهنا تظهر الازدواجية الأخلاقية بوضوح: يُطلب من المجتمع التقشف، بينما تُمنح النخبة الحاكمة امتيازات واسعة، يتم تبريرها بخطاب ديني أو سياسي انتقائي.
ثالثاً – من منظور علم النفس السياسي، فإن غياب المؤسسات والرقابة يفتح الباب أمام تحوّل السلطة إلى أداة للمنفعة الخاصة. فالجماعات التي تصل إلى الحكم دون أن تتحول إلى مؤسسات، تبقى أسيرة منطق “الغنيمة” لا “الدولة”. وفي هذا السياق، يصبح المال العام وسيلة لبناء شبكات الولاء، وتتحول الامتيازات إلى أداة لضمان الاستمرار في الحكم. كما أن المظاهر الباذخة، من مواكب وسيارات فارهة، لا تعكس فقط ذائقة شخصية، بل تُستخدم كأداة لإرسال رسائل القوة والهيبة في بيئة مضطربة.
رابعاً – تكمن الخطورة الأعمق في إعادة توظيف الدين لتبرير هذه الممارسات. فبدل أن يكون معياراً للمحاسبة، يتحول إلى غطاء يمنح الشرعية، حيث يُعاد تفسير مفاهيم مثل “التمكين” و”المصلحة” لتبرير الامتيازات والفساد. وهنا لا يقتصر الخلل على السلوك، بل يمتد إلى تشويه المنظومة القيمية ذاتها، بما يجعل من الصعب لاحقاً استعادة المعايير الأخلاقية الحقيقية.
وفي هذا السياق، تُطرح جملة من المبررات ذات الطابع الشرعي، مثل اعتبار هذه الامتيازات من “ضرورات التمكين”، أو أنها تدخل في باب “تحقيق المصلحة العامة”، أو أنها مخصصة “لخدمة الدعوة وإدارة شؤون الدولة”، بل وقد يُستند أحياناً إلى منطق “الضرورة” لتوسيع دائرة المباح. إلا أن هذه التبريرات، حين تُستخدم خارج ضوابطها الحقيقية، تتحول من أدوات اجتهادية إلى وسائل لتبرير الانحراف، وتفقد بعدها الأخلاقي والقيمي.
خامساً – إن هذا النمط من السلوك، القائم على البذخ واستباحة الموارد في بيئة يغلب عليها الفقر والعوز، لا يشكّل فقط انحرافاً أخلاقياً، بل يحمل في داخله بذور فنائه. فالتاريخ السياسي يُظهر أن الفجوة المتسعة بين سلطة مترفة ومجتمع مسحوق تُنتج تدريجياً حالة من الاحتقان الصامت، تتحول مع الزمن إلى فقدان كامل للشرعية، ثم إلى انفجار اجتماعي أو انهيار داخلي. ومع وصول نسب الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، يصبح أي استعراض للثروة بمثابة استفزاز مباشر، لا يُضعف الثقة بالسلطة فحسب، بل يقوّض أسس بقائها، لأن السلطة التي تفشل في تحقيق الحد الأدنى من العدالة، وتستعرض امتيازاتها في وجه الجوع، إنما تسرّع بنفسها مسار السقوط.
سادساً – أما من الناحية النفسية، فإن القدرة على التعايش مع هذا التناقض الحاد—بين الترف الشخصي ومحيط يعاني الحرمان—يمكن تفسيرها عبر آليات مثل “التبلد الأخلاقي” و”فك الارتباط القيمي”، حيث يعيد الفرد تعريف الواقع بطريقة تُقصي معاناة الآخرين من دائرة اهتمامه. كما تلعب عقلية “الاستحقاق” دوراً مركزياً، إذ تتشكل قناعة داخلية بأنه يستحق ما لديه بغض النظر عن السياق العام. ومع الوقت، يتحول الفقر المحيط إلى مجرد “خلفية طبيعية” لا تثير التعاطف، خاصة في بيئات مغلقة تعزز هذه القناعات وتمنع الاحتكاك الحقيقي بمعاناة الناس. وهكذا لا يعود التناقض مصدر قلق، بل يصبح جزءاً من توازن نفسي مختل يسمح باستمرار السلوك ذاته دون
شعور بالذنب.
سابعاً – إن ما نشهده ليس مجرد انحراف فردي أو فساد إداري، بل نمط متكامل يجمع بين عوامل نفسية واجتماعية وسياسية، يؤدي في نهايته إلى تحويل الخطاب القيمي إلى أداة مصلحية، والسلطة إلى غاية بحد ذاتها.
ثامنا” – من المهم التأكيد، تجنباً لأي قراءة انتقائية أو اتهام بعدم الموضوعية، أن مثل هذه الممارسات ليست حكراً على المرحلة الراهنة، بل كانت حاضرة أيضاً في بنية النظام السابق، حيث ترافقت شعارات الدولة والمؤسسات مع شبكات فساد واستغلال للسلطة والمال العام. وبالتالي، فإن أي محاولة لتبرير الانحراف الحالي بالإشارة إلى ممارسات الماضي، لا تشكّل دفاعاً بقدر ما تؤكد استمرارية الخلل. فالمعيار الذي يجب أن يحكم التقييم ليس هوية الفاعل، بل طبيعة الفعل نفسه. وبالنسبة لنا، فإن كل هذه السلوكيات—سواء صدرت في الماضي أو الحاضر—مدانة، لأن الأساس في أي نظام سياسي سليم هو سيادة القانون، ووجود آليات حقيقية للمساءلة، تضمن عدم تحوّل السلطة إلى أداة للفساد مهما تغيّرت الشعارات أو الوجوه.
تاسعا” – يُضاف إلى ذلك أن غياب مسار حقيقي للعدالة الانتقالية في سورية، أسهم في إعادة إنتاج هذه الأنماط بدل تفكيكها. فحين لا تُحاسَب شبكات الفساد السابقة ضمن إطار قانوني واضح، ولا تُعاد هيكلة المؤسسات على أسس شفافة، تنتقل الممارسات ذاتها بأشكال جديدة وتحت شعارات مختلفة. وهنا لا يعود التغيير سوى تبديل في الوجوه ، لا في القواعد، ما يكرّس حلقة مفرغة من الإفلات من العقاب، ويُضعف أي محاولة لبناء دولة قائمة على القانون.
إن أي سلطة لا تخضع للمساءلة، ولا تُبنى على مؤسسات، ستنتهي حتماً إلى إعادة إنتاج الفساد، مهما كان خطابها أخلاقياً أو دينياً. فالمشكلة في سورية اليوم لم تعد في الشعارات، بل في القدرة على تحويل هذه الشعارات إلى قواعد ملزمة، تُطبَّق على الجميع دون استثناء.
عاشرا” – إن توظيف الدين لتبرير الامتيازات لا يسيء فقط إلى الدين ، بل يضرب في عمق القيم التي يدّعي حمايتها، ويحوّلها من معيار للمحاسبة إلى أداة للهيمنة. وعندما تفقد القيم وظيفتها كضابط للسلوك، تتحول السلطة إلى كيان مغلق لا يرى في المجتمع إلا مجالاً للسيطرة، لا شريكاً في بناء الدولة.
وفي لحظة تتسع فيها الفجوة بين خطاب الزهد وواقع البذخ، لا يكون الخطر في التناقض بحد ذاته، بل في اعتياده وتطبيعه. فالمجتمعات قد تصبر على الفقر، لكنها نادراً ما تقبل بإهانته. وحين يصبح الظلم مشهداً يومياً مبرَّراً، فإن الانفجار لا يكون احتمالاً، بل نتيجة مؤجلة.
لقد أثبتت التجارب أن الشرعية لا تُستمد من الخطاب، بل من العدالة، وأن الدولة لا تُبنى بالمواعظ، بل بالمؤسسات. وكل سلطة تعجز عن إدراك هذه الحقيقة، إنما تكتب بنفسها بداية نهايتها، مهما طال الزمن أو تغيّرت العناوين. وكما قال اللورد أكتون في عبارته الشهيرة:
“السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.”