

أجمل غزل هو غزل العناكب للعناكب .. والعقارب للعقارب .. وهو مانراه اليوم في العلاقات السورية بين الفرق المتناحرة .. وهو غزل لن ينتهي الا بان يبغي عنكبوت على عنكبوت ..
في زيارة الجولاني للغوطة كنا نحس انها زيارة العناكب للعناكب .. ملؤها الحذر والتوجس .. ونلاحظ في لغة جسد الجولاني الرعب وفي سلوكه .. وامتقاع الوجه وتوتر عضلات الوجه يدل على انه كان على أعصابه في تلك الفترة .. وحوله الامن المشدد يدل على انه لايثق بالغوطة ولا بأهلها .. وقد استغرب الكثيرون كيف ان الجولاني لايثق بالبويضاني وسبب هذا التوجس .. وكأن بينهما ثأرا لايموت .. ومعهم الحق في هذا الاستغراب وهو لايعرفون الثار الذي بين الغوطة وبين الجولاني ..
في الملفات التي صار الناس يعرفونها قول لايجرؤ على قوله البعض علنا .. وهو ان قيادات جيش الاسلام أدركت ان ضربة الغوطة الكيماوية لم تكن للدولة السورية علاقة بها .. وان ماعرفه زهران علوش كان صادما .. وهو ان الجولاني هو من نفذ الهجوم .. وبمساعدة وتوجيه المخابرات التركية .. ولذلك كان زهران علوش في وضع نفسي صعب وفي حيرة من أمره .. فهو ان قال الحقيقة فان الأمل بتوريط الاميريكيين وحلف الناتو في ضرب الدولة السورية سيتلاشى وسيظهر على انه هو من أفشل عملية تحطيم النظام وانه لايجوز له التفريط بهذه الفرصة تحت أية ذريعة .. وان لها مخرجا فقهيا في انها مفسدة صغيرة لدرء مفسدة كبيرة وتحقيق نصر كبير للاسلام والمسلمين .. وان الله سيحتسب الضحايا شهداء .. وكان علوش في جلساته الخاصة كما وصل للدولة يقول ان الجولاني أكل كبده في ضربة الكيماوي .. وان في فمه ماء .. ولكنه ان فتح فمه فسيلومه المسلمون ويقولون انه ساعد النصيرية في كسب هذه الحرب .. ولذلك صمت زهران علوش وبلغ الدم وحبس غاز الاعصاب في رئتيه .. رغم انه أبلغ مموليه بما وصلت اليه تحقيقات جيش الاسلام بالادلة القطعية من ان الجولاني هو من ضرب أهل الغوطة بالكيماوي .. وواجه علوش تعليمات صارمة واجتهادات دينية تحظر عليه قول الحقيقة ..فقرر علوش وقيادات جيش الاسلام الطلب من الجهات الراعية ان تخرج جبهة النصرة من الغوطة لانه اعتبر ان مافعلته دون استشارتهم خطير جدا وكبير .. وقد يحدث ثانية وتتم التضحية من جديد بأهل الغوطة في مسرحيات ثانية من اجل ان تكسب جبهة النصرة الحرب على حساب قرابين تقدمها الغوطة مجانا ..
وارتأى القائمون على المعركة في الغوطة وغالبا انها المخابرات التركية ان زهران علوش بلغ به الغضب مبلغا قد يصبح خطرا .. وحاولوا اجراء مصالحة بينه وبين الجولاني .. ولكن علوش أصر على طلبه ان يترك اهل الغوطة للجهاد دون ابقاء النصرة بينهم لانهم لم يعودوا يثقون بها .. وهنا فوجئ الجميع بتسهيل تمرير معلومات الى المخابرات السورية والروسية عن اهم اجتماع لزهران علوش .. وحسب المعلومات كان هذا اللقاء سيحضره ممثل الجولاني الذي يقال انه تأخر عن الحضور لأنه يعلم ان المكان سيتم نسفه (هناك معلومات متضاربة تقول انه حضر لطمأنة علوش ولكن الجولاني نسفه ايضا) .. وفي الاجتماع كان علوش سيطرح فيه قراره الاخير لممثل الجولاني انه سيخرج على الناس ليصارحهم بما حدث في الغوطة ان لم تخرج النصرة من الغوطة وعن سبب اصراره على اخراج النصرة وفيلق الرحمن منها .. وكان مصدر المعلومات عن الاجتماع السري هو الجولاني نفسه عبر المخابرات التركية .. وهذه الرسالة الخطرة محفوظة في ارشيف المخابرات السورية الذي هو الان بحوزة الجولاني والمخابرات التركية .. وطبعا يستحيل ابرازها .. بل يشغلون الناس بقضايا امجد يوسف وغيره .. اما ضحايا الكيماوي في الغوطة والحقيقة المخفية ورسالة الغدر للمخابرات السورية التي سربها الجولاني فهي لايتم اظهارها طبعا .. ولو علمت المخابرات السورية يومها ان علوش يريد ان يطرح فكرة الاعلان عن حقيقة الكيماوي للناس فانها لم تكن لتوجه له تلك الضربة .. وستتركه ليفجر قضية الكيماوي وينسفها من اساسها .. ولكنها لم تكن تثق به .. ولم تكن تدري بطبيعة النقاش والقرار الذي قد يتخذه زهران علوش ..
الجولاني تخلص من علوش وأسراره وتهديداته وبمباركة المخابرات التركية وصمت الدول الخليجية التي ابتلعت الاهانة بضغط امريكي .. ووجدت القيادات التي خلفت علوش انها فقدت اوراقها تماما وانها لاتقدر على مواجهة العالم بالحقيقة لانه سيتم التخلي عنهم ايضا .. ولكن الغوطة بقي في قلبها جرحان .. جرح الكيماوي الذي نفذه الجولاني .. وجرح اغتيال زهران علوش وطعنه في ظهره ..
ولذلك فان الناس استغربوا ان يندلع القتال لاحقا بعد تصفية علوش بين جيش الاسلام عام 2016 مع تحالف ضم جبهة النصرة (التي أصبحت لاحقاً جبهة فتح الشام) وفيلق الرحمن من جهة أخرى، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وأضعف الفصائل المعارضة داخل الغوطة في مواجهة الجيش السوري.. كان خلفاء علوش يدركون ان القتال يضعفهم ولكنهم كانوا يخشون غدر الجولاني فقد غدر بهم مرتين .. الا انهم ازاء التعليمات الصارمة من المخابرات السعودية والخليجية بعدم التفوه بالحقيقة وفتح ملف الكيماوي الذي يجب استخدامه الى اقصى مدى لحصار الدولة السورية …
المهم ان الجولاني يدرك ان أهل الغوطة يحدثونه وفي قلوبهم جرحان .. وان كل هذه المعلومات وضعها البويضاني في الامارات عندما استضيف هناك بصفة (معتقل) .. ومهما طال الزمن سيقول البويضاني الحقيقة .. وستنتقم الغوطة من قاتلها مرتين ..
لذلك عندما كنت اتابع الملامح الصفراء للجاسوس الخطر الجولاني وهو في الغوطة كنت احس انه يتشمم رائحة الغاز الذي ضرب به الغوطة بتعلميات أسياده .. وحيثما مشى كانت اصوات الضحايا التي اختنقت بغازاته تلاحقه .. المجرم لايخاف شيئا في الكون مثل مكان جريمته ..
نعم انه كان في مكان جريمته ويحس بالقشعريرة رغم انه جاسوس بل ان خوفه اكبر كجاسوس .. وهو محاط بضحاياه ورائحة جثثهم .. وبأبنائهم .. واشقائهم .. وثاراتهم .. فكيف لايخاف .. فلن يحميه منهم حتى ترامب نفسه .. وهو كان في البيت الابيض أمنا على نفسه جدا ولكنه في الغوطة .. كان ذا وجه أصفر .. وقلب يرتجف .. وحوله ثارات وثارات .. لن تموت ..
