مقال جدير بالقراءة: جمهورية الحمض النووي : النار التي ستلتهم مشعليها!!! – بقلم: د. بسام ابو عبدالله

في الدول الطبيعية يُحاسَب المواطن على أفعاله.
أما في الجمهوريات المأزومة، فيُحاسَب على اسمه، وطائفته ، ودينه .

وفي المراحل الأكثر انحداراً، لا يعود الإنسان مسؤولاً حتى عن أفعاله أو آرائه أو مواقفه، بل يصبح مسؤولاً عن حمضه النووي نفسه، وعن الطائفة التي وُلد فيها، وعن الجغرافيا التي خرج منها إلى الدنيا دون أن يستشيره أحد.
هكذا يبدو المشهد السوري اليوم.

ففي الوقت الذي ينتظر فيه السوريون إجابات عن أسئلة تتعلق بالاقتصاد، والخدمات، والأمن، والعدالة، وإدارة الدولة، يجدون أنفسهم أمام حملات منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى مقاطعة أطباء ومهندسين وسائقين وأصحاب مهن ومواطنين عاديين، لا لشيء إلا لأنهم ينتمون إلى طائفة معينة ، إنها لحظة سياسية وأخلاقية كاشفة ، ليس لأنها تكشف طبيعة بعض المحرضين فقط، بل لأنها تكشف طبيعة الأزمة التي تعيشها السلطة نفسها.

السلطات الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى الطائفية.
والسلطات التي تمتلك مشروع دولة لا تحتاج إلى التحريض ، والسلطات التي تنجح في الاقتصاد والإدارة والخدمات لا تحتاج إلى اختراع أعداء جدد كل أسبوع.

أما حين تتراجع القدرة على إنتاج الإنجاز، فإن البديل الأسهل يصبح إنتاج الكراهية ، وحين تعجز السلطة عن تقديم الحلول، تبدأ بتقديم المتهمين ، وحين تفشل في إدارة الدولة، تبدأ بإدارة الغرائز ، هذه بالمناسبة ليست ظاهرة سورية حصراً ، إنها إحدى أقدم الحيل السياسية في التاريخ !!!!

كل سلطة تواجه أزمة شرعية أو تراجعاً في شعبيتها تحتاج إلى تحويل الأنظار نحو مكان آخر ، وحين لا تجد إنجازاً تعرضه على الناس، تعرض لهم عدواً ، وحين لا تستطيع تعبئة الشارع حول مشروع اقتصادي أو وطني، تعبئه حول الخوف والكراهية والانقسام.

لماذا الآن؟ هذا هو السؤال الأهم !!! ففي السياسة لا توجد مصادفات كثيرة وحين تتزامن موجات التعبئة الطائفية مع أزمات سياسية أو خدمية أو مع فضائح تهز الرأي العام، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت هناك محاولة لتحويل النقاش العام من مساءلة السلطة إلى صراع مجتمعي أفقي بين السوريين أنفسهم ، إذ بدلا” من مساءلة السلطة عن أسباب وتداعيات فيضانات دير الزور ومسؤولية السلطة وتركيا عما حصل ، وتداعياته على إنتاج القمح والأمن الغذائي للسوريين، وكثير من الهموم السورية اليومية … يصبح السؤال: من أي طائفة أنت ؟؟؟ ومن قتل أطفال رانيا العباسي ، وهي بالطبع جريمة نكراء وبشعة، مثلها مثل قتل الأبرياء في عدرا العمالية ، وتفجير مدرسة الأطفال في حمص، وغيرها الكثير من الجرائم إذ لا يختلف الأطفال هنا ، أو هناك ، ولا الضحايا هنا أو هناك بنظر القانون والعدالة أبدا ” !!! وبدلاً من أن تتجه الأنظار نحو السياسات، تتجه نحو الهويات ، وبدلاً من أن يكون الخلاف مع السلطة، يصبح الخلاف بين المواطنين أنفسهم ، وهكذا تنجح السلطة ـ مؤقتاً ـ في نقل المعركة من فوق إلى تحت، ومن السياسة إلى الغرائز، ومن الدولة إلى الطائفة.

يعرف علم النفس الاجتماعي هذه الظاهرة جيداً : إنها آلية “كبش الفداء” ، حين تتراكم المشكلات ولا توجد حلول حقيقية، يجري اختراع جماعة يُلقى عليها اللوم.
الجماعة المستهدفة تتحول إلى تفسير جاهز لكل شيء ، هي سبب الفساد ، وهي سبب الفشل ، وهي سبب الأزمات وهي سبب الغضب الشعبي ، وهي سبب كل ما لا تستطيع السلطة تفسيره أو معالجته ، كما كان الأمر سابقا” حينما كانت الامبريالية و الصهيونية مسؤولة عن تقصيرنا ، إنها وصفة نفسية وسياسية تمنح الجمهور تفسيراً بسيطاً لعالم معقد ، لكنها لا تحل شيئاً ، بل تؤجل الانفجار فقط.

المسألة هنا لا تتعلق فقط بحملة إلكترونية عابرة ، عنوانها – لست شجرة – أو – لست انسانا”- بل بطريقة تفكير أعمق ، فمن الصعب بناء دولة حديثة بعقلية تقوم أساساً على تقسيم المجتمع إلى جماعات متقابلة، وعلى النظر إلى التنوع بوصفه مشكلة يجب التخلص منها أو تطويعها، لا حقيقة يجب إدارتها واحترامها ، ومن الصعب إقناع السوريين بخطاب المواطنة فيما يستمر التساهل مع خطاب الكراهية ، كما أنه من الصعب الحديث عن دولة لكل مواطنيها بينما يُترك المجال مفتوحاً أمام دعوات المقاطعة والتحريض والإقصاء الجماعي ، فالدولة الحديثة لا تسأل المواطن: من أي طائفة أنت؟ بل تسأله: ماذا فعلت، وماذا قدمت لبلدك ، وتحاسبه بموجب القانون ، أما السلطة المتطرفة أيديولوجيا” فتسأل أولاً عن الهوية، ثم تبحث لاحقاً عن الوقائع.

اللافت في هذه القضية ليس فقط ظهور خطاب الكراهية.
بل غياب موقف قانوني صارم وواضح تجاهه ، فلو كانت هناك حملة تدعو إلى مقاطعة جماعة أخرى من السوريين على أساس ديني أو قومي أو مناطقي، فهل كان الصمت سيبقى هو نفسه؟ وهل كانت السلطة ستعتبر الأمر مجرد رأي؟

في كل الأحوال السلطة التي تسمح بخطاب الكراهية ضد جزء من مواطنيها لا تبقى حكماً بينهم ، بل تصبح طرفاً في النزاع وجزءا” من المشكلة ، وليس الحل ، والأخطر أنها تفقد تدريجياً شرعيتها الأخلاقية كسلطة مسؤولة عن جميع مواطنيها ، وتتحول إلى مجرد جماعة أيديولوجية متطرفة تطبق قناعاتها الخاصة ، وتمنح صكوك الذنب ، والغفران ، وفي هذه الحالة نحن أمام سلطة تمارس التقية و الخداع ، أي شيزوفرينيا القول ، والفعل ، بالرغم من أنه من أكبر الكبائر في الدين : كبر مقتا” عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون …..

المشكلة الأكبر أن هذا النوع من السياسات يشبه سلوك النعامة التي تدفن رأسها في الرمال معتقدة أن الخطر اختفى ، فالتحريض لا يحل أزمة اقتصادية ، والكراهية لا تعالج الفساد ، والتعبئة الطائفية لا تبني مؤسسات. والمقاطعة المذهبية لا تنتج دولة ، وكل ما تفعله أنها تؤجل مواجهة المشكلات الحقيقية ، لكن المشكلات تبقى موجودة ، بل تكبر ، وتتحول مع الوقت إلى أزمات بنيوية تهدد الجميع.

إن سورية ليست الدولة الوحيدة المتنوعة في العالم.
العالم مليء بالدول التي تضم قوميات وأدياناً وطوائف ومذاهب ولغات مختلفة ، وهذه الدول لم تستقر لأنها ألغت التنوع ، بل لأنها بنت قواعد لإدارته ، و في تلك الدول لا يُقاطع الطبيب بسبب طائفته ، ولا يُقاطع السائق بسبب مذهبه ، ولا يُقاطع الأستاذ بسبب خلفيته الدينية ، لأن القانون يحاسب الأفراد، لا الجينات ، ويحاسب الأفعال، لا الأنساب.

قد تحقق الطائفية مكاسب سياسية قصيرة الأجل ، وقد تنجح في شد العصب ، وقد توفر جمهوراً غاضباً لبعض الوقت ، لكنها لم تبنِ دولة واحدة في التاريخ ، ولم تنتج استقراراً دائماً في أي مكان ، بل كانت دائماً الطريق الأسرع إلى تفكيك المجتمعات وإضعاف الدول.

لهذا يبدو المشهد الحالي مثيراً للسخرية بقدر ما هو مثير للقلق ، فبدلاً من بناء جمهورية المواطنة، يجري التبشير بجمهورية الحمض النووي ، وبدلاً من دولة القانون، يجري الترويج لمحاكم التفتيش الوراثية ، وبدلاً من سؤال المواطن: ماذا قدمت لوطنك؟ يُسأل: إلى أي طائفة تنتمي؟
وهو سؤال لا يبني دولة ، ولا يصنع مستقبلاً ، ولا ينتج سوى مزيد من الكراهية التي ستلتهم، عاجلاً أم آجلاً، أولئك الذين أشعلوها قبل غيرهم.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق