مقال جدير بالقراءة: نهب الحضارة واغتيال السيادة: تفكيك استراتيجيات الاستعمار الحديث وسؤال النهضة في العالم العربي وأفريقيا – بقلم: د. نبيلة عفيف غصن

مقدمة: في مواجهة التنين.. بيان الاستفاقة وكسر القيود
​لم يعد الاستعمار الحديث يجرؤ على الإفصاح عن وجهه القبيح الملطخ بالدماء؛ لقد استبدل خوذته العسكرية السميكة بأقنعة ناعمة تتلفع بزيف “نشر الديمقراطية”، وتتباكى على “حماية حقوق الإنسان”، وتتشدق بشعارات “الحرية الاقتصادية”. إنها الخديعة الكبرى التي تُدار بها الجغرافيا السياسية المعاصرة، حيث تحولت الحروب من مواجهات جبهوية في الميدان إلى طحن بنيوي منظم يستهدف تجريد الأمم الصاعدة من مقومات سيادتها، وامتصاص نخاع ثرواتها، وسحق ذاكرتها التاريخية حتى لا تقوم لها قائمة.
​إن ما شهده العالم العربي والقارة الأفريقية في العقود الأخيرة ليس مجرد أزمات سياسية عابرة أو صراعات داخلية عفوية، بل هو تجسيد لـ “بنية نسقية منظمة” وضعتها غرف التخطيط الاستعماري الغربي لإدامة التبعية وإيقاف عجلة أي مشروع نهضوي مستقل. إننا لا نتحدث هنا عن مجرد أرقام ضائعة أو مليارات متبخرة، بل نتحدث عن معركة وجودية، واغتيال معتمد لهوية شعوب تملك تحت أقدامها خزائن الأرض لكنها تعيش في فقر مصطنع [1]. من وسط هذا الرماد، ينطلق هذا المقال التحليلي الناري ليفكك آليات النهب الممنهج، ويطرح في المقابل مانيفستو اليقظة والنهضة لكسر أغلال الاستعباد المالي والثقافي.
​أولاً: الغزو الثقافي والمالي في العراق (2003) – محو الذاكرة وتجفيف المنبع
​في التاسع من أبريل عام 2003، عندما دنت الدبابات الأمريكية من أسوار بغداد، لم يكن الهدف الحقيقي إسقاط نظام سياسي أو تدمير ترسانة عسكرية فحسب، بل كان الهدف الأعمق هو تدشين عملية تصفية شاملة وتجريف كامل لهوية الدولة العراقية وثرواتها التاريخية والمادية؛ إنها محاولة خبيثة لقطع شريان الحضارة من منبعه الأصيل.
​1. اغتيال الذاكرة الحضارية وسرقة التاريخ
​إن أول ملمح من ملامح هذا الغزو البربري تجسد في تركيز عصابات النهب، المحمية بنظرات التغاضي من قوات الاحتلال، على المتحف الوطني العراقي. لم تكن هذه الفوضى عارضة، بل كانت عملية اغتيال معتمدة للذاكرة البشرية في مهدها الأول (سومر، بابل، وآشور). لقد جرى سلب واختفاء أكثر من 15,000 قطعة أثرية لا تُقدر بثمن، من بينها ألواح طينية تحوي أقدم لغات الكتابة والقوانين التي عرفتها الإنسانية [2]. وعندما وُجهت الأسئلة لوزير الدفاع الأمريكي آنذاك، دونالد رامسفيلد، حول صمت قواته أمام هذه الكارثة الثقافية، جاء رده الاستعلائي البارد ليكرس الجريمة ويعلن عن مكنون العقلية الاستعمارية حين قال:
​بالتوازي مع السلب الثقافي الأثيم، انطلقت أضخم عملية “تجفيف” مالي وعمليات سطو مقوننة في العصر الحديث ضد الأصول العراقية. وتشير التقارير والتحقيقات والتدقيق المالي الصارم إلى اختفاء مذهل لـ 8.7 مليار دولار في غياهب الإدارات المؤقتة للاحتلال، ولم تكد الصدمة تخبو حتى كُشف عن عجز كامل عن تحديد مصير 18 مليار دولار أخرى من أموال النفط العراقي والأصول المحجوزة التي كانت تدار تحت ما يسمى بصندوق تنمية العراق (DFI) [4]. هذا الواقع المخزي دفع البرلمان العراقي لاحقاً، وبعد تحقيقات مريرة، إلى توصيف هذا الفعل رسمياً بأنه “جريمة مالية منظمة” ارتكبتها مؤسسات تابعة للولايات المتحدة الأمريكية. لقد تحول العراق، الذي كان يُفترض أنه يخطو نحو “التحرير”، إلى ساحة مفتوحة لنهب دولي منظم أفرغ خزائن الدولة وترك الشعب يئن تحت وطأة انعدام الخدمات والفقر.
​ثانياً: معركة ليبيا (2011) – تدمير الحلم الأفريقي وإعدام البديل النقدي
​إذا كان النموذج العراقي قد ركز على النفط واغتيال التاريخ، فإن المؤامرة التي حيكت ضد ليبيا في عام 2011 كانت ذات أبعاد إستراتيجية مرعبة، تمثلت في السعي الإجرامي لإجهاض مشروع تحرري قاري كاد أن يقلب موازين القوى المالية العالمية وينهي قروناً من الهيمنة النقدية الغربية على القارة السمراء.
​1. مشروع “الدينار الذهبي” واغتيال البترودولار
​في عام 2009، اعتلى القائد الليبي معمر القذافي منصة الاتحاد الأفريقي طارحاً مشروعاً نهضوياً شكل كابوساً وجودياً للمصارف الغربية: إنه مشروع اعتماد “الدينار الذهبي الأفريقي” كعملة موحدة مدعومة بالذهب بالكامل، على أن يتم عبرها حصراً بيع النفط والغاز في الأسواق العالمية [5]. هذا المشروع الثوري كان يعني ببساطة أمرين أحلاهما علقم في فم الغرب:
​أولاً: إنهاء هيمنة “البترودولار” الأمريكي الذي يقتات على دماء ثروات الشعوب دون غطاء حقيقي.
​ثانياً: تحرير 14 دولة أفريقية بشكل فوري ومباشر من التبعية النقدية والإذلال المالي الذي تفرضه فرنسا عبر عملة “فرنك سيفا” (CFA franc) [6]. لقد كان هذا المشروع إعلاناً صريحاً لعصر الاستقلال الأفريقي الحقيقي.
​لم يمهل الغرب هذا مشروع طويلاً؛ فجاءت أحداث عام 2011 لتكون الغطاء المثالي لتدمير البديل النقدي. وقد فضحت رسائل البريد الإلكتروني المسربة لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، في أبريل 2011، النوايا الحقيقية؛ حيث كشفت الوثائق أن التدخل العسكري الذي قادته فرنسا بحماس مريب لم يكن لإنقاذ المدنيين كما ادعوا، بل كان دافعه الأساسي القضاء على مخزون ليبيا الضخم من الذهب البالغ 143 طناً، وكميات مماثلة من الفضة، والتي كانت مخصصة لتأسيس العملة الأفريقية الموحدة [7].
​بعد التدخل الفرنسي وحلف الناتو، واغتيال القذافي في مشهد بربري قوبل بضحكات هيلاري الساخرة والمقززة على شاشات التلفزة العالمية وهي تقول “جئنا، رأينا، فمات”، اختفت تلك الأطنان من الذهب تماماً وتبخرت من الوجود، كما تلاشت واختفت 150 مليار دولار من الاحتياطيات والأصول الليبية المودعة في البنوك الغربية تحت مسمى “التجميد”، دون أن يُفتح تحقيق دولي واحد، دون أي محاسبة، في أكبر عملية سطو صامتة يشهدها القرن الحادي والعشرون [8].
​ثالثاً: المفارقة الأفريقية الكبرى – تشريح الاستنزاف البنيوي والفقر المصطنع
​إن ما جرى في العراق وليبيا ليس مجرد أحداث معزولة، بل هو الشاهد الحي الذي يفسر لنا لغز المفارقة الهيكلية المرعبة التي تعيشها القارة الأفريقية والدول النامية المستهدفة بالنهب. نحن أمام معادلة شاذة جرى تصميمها عن عمد في مختبرات الرأسمالية المتوحشة لوتحويل الموارد الطبيعية الهائلة من رافعة للرفاهية والنهضة إلى “لعنة استراتيجية” تبرر التدخل، والتفتيت، وإشعال الفتن، والهدف النهائي: إبقاء الخزائن الغربية ممتلئة على حساب تجويع الشعوب الأصيلة وإفقارها بشكل مصطنع.
​عندما ننتقل من دراسة الحالات الفردية إلى قراءة الأرقام والمؤشرات الإحصائية الكلية التي تفضح هذا الاستنزاف البنيوي المنظم، تصدمنا الحقائق التي لا يمكن دحضها [9]. تبدأ هذه المفارقة الصارخة من باطن الأرض الأفريقية التي تئن تحت وطأة الثروات المهجورة؛ إذ تحوز القارة السمراء وحدها على 40% من إجمالي احتياطي الذهب العالمي، ومع ذلك، لا تملك هذه الشعوب سلطة صكه أو تحديد سعره الذي يُملى عليها من بورصات لندن ونيويورك. ولا يتوقف الأمر عند الذهب، بل يمتد ليشمل شريان الصناعات التكنولوجية الدقيقة والمستقبلية؛ حيث تتربع أفريقيا على 80% من الاحتياطي العالمي لمعدن البلاتين الحاسم، وهو العصب الحساس الذي تقتات عليه مصانع الغرب التكنولوجية لإنتاج أرقى التقنيات الطبية والعسكرية والكهربائية.
​وعلاوة على هذه المعادن النفيسة، تسهم الجغرافيا الأفريقية بـ 15% من إجمالي احتياطيات النفط العالمية، وهي دماء الطاقة الكفيلة بتحريك قارات بأكملها وتأمين تفوقها الصناعي. ولا تقتصر قوة القارة على الجماد، بل تتعداه إلى ثروة بشرية هائلة وطاقة فنية شابة متجددة، حيث يمثل سكان أفريقيا ما نسبته 13% من إجمالي سكان العالم.
​لكن، هنا تتجلى قمة الفاجعة والجريمة المقوننة: فرغم امتلاك القارة لقرابة نصف ذهب الأرض، وثمانية أخماس بلاتينها، وخُمس نفطها، وطاقة بشرية بمليار ونيف، فإن الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا مجتمعة لا يتجاوز عتبة الـ 2% فقط من الناتج العالمي!
​إن هذا الفارق الساحق والمدمر بين حجم الموارد (التي تتراوح بين 15% و80%) وحجم المساهمة الاقتصادية الفعلية (2% فقط) ليس نتاج فشل تنموي داخلي عارض، أو نتيجة كسل شعبي كما تحاول السرديات الاستعمارية تسويقه عبر آلتها الإعلامية لتبرير وصايتها [10]. إن هذا الفقر هو فقر “مصطنع ومعاد هندسته” عبر نظام تبادل تجاري غير متكافئ؛ نظام يقوم على سرقة المواد الخام بمليمات بخسة، ومنع توطين الصناعات التحويلية، وحرمان القارة من القيمة المضافة لثرواتها، ثم إعادة بيع تلك الثروات للشعوب نفسها في صورة منتجات مصنعة بأسعار فلكية لضمان بقائها في حلقة مفرغة من الديون والتبعية المطلقة.
​خاتمة: مانيفستو النهضة.. بيان المواجهة واسترداد السيادة
​إن القرائن التاريخية القاطعة والدروس المستقاة من دماء بغداد ورماد طرابلس، ومن جراح الكونغو، ومطامع الغرب في مالي وغانا، تضعنا أمام حقيقة واحدة لا غبش فيها: إن السيادة لا تُمنح كصدقة فوق موائد المفاوضات الدولية، بل تُنتزع انتزاعاً بالقوة والوعي والمقاومة، وإن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتم بأدوات أو وصفات استعمارية خبيثة.
​إن نهضة الأمم المنشودة ليست مجرد أمنيات عاطفية، بل هي ضرورة وجودية تتطلب الانتقال الفوري من “مرحلة الصدمة والاستسلام” إلى “مرحلة الوعي الإستراتيجي الشامل والعمل الثوري المنظم”، وذلك عبر صياغة مشروع نهضوي يقوم على ثلاثة مرتكزات حديدية:
​السيادة النقدية والاقتصادية المطلقة: يجب فك الارتباط البنيوي بالعملات المهيمنة (الدولار واليورو) وخلق تكتلات اقتصادية إقليمية متكاملة، وبناء منظومات دفع مستقلة تكون مدعومة بأصول حقيقية ملموسة كالذهب والمعادن الثمينة التي تزخر بها أرضنا، ورفض الخضوع لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين.
​استعادة وحماية الهوية والذاكرة التاريخية: إن الحفاظ على الآثار، والتاريخ، والثقافة، واللغة ليس ترفاً فكرياً، بل هو خط الدفاع الاستراتيجي الأول؛ فالأمة التي تملك وعياً تاريخياً حياً هي أمة يستعصي على أي مستعمر تذويبها أو تطويعها.
​الاعتماد المطلق على الذات ورفع الوصاية: يجب أن تدرك الأجيال الصاعدة والقيادات المخلصة أن الطائرات الغربية والتحالفات الدولية إذا جاءت محملة بالوعود البراقة وشعارات الديمقراطية، فإنها لا ترحل أبداً إلا بعد تفريغ الخزائن، وتدمير البنى التحتية، وزرع الفتن.
​لقد حان الوقت لتستيقظ الشعوب النائمة على بحار من الذهب والنفط، حان الوقت لكي نصنع سرديتنا الخاصة بأيدينا وبقوة فكرنا، وأن ندرك يقيناً أن ثرواتنا المنهوبة ومتاحفنا المستباحة ليست مجرد خسائر في كتاب التاريخ، بل هي الوقود المؤجل والمحفز الناري لمعركة التحرر والنهوض القادمة التي لا مفر من خوضها لاسترداد كرامة الإنسان وسيادة الأوطان.


​[1] سمير أمين، التبعية المتبادلة والتنمية غير المتكافئة: نقد أيديولوجية التنمية المهيمنة، دار الفارابي، بيروت، ص ص. 45-52.
[2] تقرير المنظمة الدولية للمتاحف (ICOM)، نهب الآثار في العراق والأضرار التي لحقت بالمتحف الوطني ببغداد عام 2003، وثيقة رسمية صادرة في جنيف، 2004، ص. 12.
[4] تقرير لجنة النزاهة في البرلمان العراقي، التدقيق المالي الخاص بأموال سلطة الائتلاف المؤقتة وصندوق تنمية العراق، بغداد، 2011، ص ص. 8-14.
[5] الاتحاد الأفريقي، وثائق قمة أديس أبابا لعام 2009: مقترح العملة الأفريقية الموحدة المغطاة بالذهب، أديس أبابا، ص. 34.
[7] وزارة الخارجية الأمريكية، الأرشيف الرقمي لرسائل هيلاري كلينتون المسرفة، رسالة بتاريخ 2 أبريل 2011، تحت عنوان: “ذهب القذافي والتدخل الفرنسي” (بريد إلكتروني مرسل من مستشارها سيدني بلومنتال).
[8] مجلس الأمن الدولي، تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا المنشأ بموجب القرار 1973 (2011)، نيويورك، الأصول المجمدة والمفقودة، ص. 41.
[10] والتر رودني، كيف تسببت أوروبا في تخلف أفريقيا، ترجمة أحمد القصير، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ص ص. 201-215.
د. نبيلة عفيف غصن

=======================

رابط المقال:

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق