

كلما ازداد عدد القضاة في الطرقات فاعلم ان العدالة محتقرة .. لأن العدل الذي يصبح الطريق قاعة محكمته فانه الظلم الذي يسير على قدميه .. وكلما صار الناس يشتكون بعضهم في الطرقات فاعلم انهم يفشون الظلم بينهم .. وانت لاتحتاج دراسات البحوث الاجتماعية لتعرف ان المجتمعات التي يصبح الناس الذين يصبحون قضاة على بعضهم فانها مجتمعات الانحطاط والانقراض .. فأعظم شيء يهدم العمران هو ان يصبح الدهماء قضاة .. ويصبح القضاة من الدهماء ..
ولعل أهم من درس المجتمعات هو ابن خلدون الذي يجب اعتجماد شهادته في مجتمعاتنا أكثر من شهادات غيره لأنه من قلب مجتمعنا وثقافتنا .. وعليه فانه تنبأ بطريقة نهوضنا وهبوطنا ولذلك فانه قال عبارة كثيفة اذا قراناها سنعرف ان سورية التي يقودها الاسلاميون تقترب من خراب كبير .. خراب اجتماعي وأخلاقي وعمراني اكثر مما يتوقعه الكثيرون .. وسيسقط الاسلاميون أنفسهم باسرافهم في الظلم .. فقد قال ابن خلدون: الظلم مؤذن بخراب العمران” .. وكان ابن خلدون يقصد أن الظلم، سواء كان من الحاكم أو من أصحاب النفوذ، يؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي، وإفساد العلاقات الاجتماعية، وهروب الناس من العمل والإنتاج، مما ينتهي بتدهور الدولة والمجتمع. ولكن الاخطر هو ان يصبح الظلم في المجتمع ثقافة وعادة وسلوكا مقبولا لدى العامة ..
كما رأى أن انتشار الظلم والاستبداد من أهم الأسباب التي تُسرّع انهيار الامم والمجتمعات والدول … فالعدالة عنده ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل شرط عملي لاستمرار الدولة وقوة الاقتصاد وازدهار العمران. لذلك يمكن تلخيص رؤية ابن خلدون للعدالة بأنها: الأساس الذي يحفظ العمران والدولة، بينما يؤدي الظلم إلى التدهور والانهيار مهما بلغت قوة الدولة في البداية
الظلم الذي أطلقه الاسلاميون بحجة انهم انتصروا بمعونة من الله وتقديره جعلهم يظلمون بلا حدود .. الى ان صار العامة مثلهم يريدون تقليدهم في التمتع بالظلم .. والتمتع بدور القضاة ..
ولذلك صرنا نرى قضاة الفيسبوك .. وقضاة التكتوك .. وكل من له صفحة يطرح مظلوميته ويشتكي على أحدهم من خصومه ويفتي بقتله او يدعو للانتقام منه .. فتندفع العامة والدهماء الى تطبيق العدالة دون تحقق ودون تبين او تبصر .. ويموت الصالح والطيب .. بسبب الخبيث والسفيه ..
كلما فتحت وسائل التواصل الاجتماعي استمع الى أشخاص يتجثون بعنف ويقين كأنهم قضاة .. ويتهمون أناسا لانعرف مدى براءتهم من تورطهم .. ولكن الجنون الذي يصيب الناس لايترك مجالا لاي تحقق او بينة .. ولذلك صار هؤلاء القضاة الهمج والرعاع والمراهقون والجهلة يظهرون على وسائل التتواصل ويحرضون ويسردون قصصا وحكايات .. ولايسأل الناس البسطاء عن مدى صدقهم وماهي دوافعهم وهل هم يطلون الناس .. وهل دفع لهم أحد مبغض مالا ليسيئوا للابرياء باتهامات كيدية .. وهل لهم الحق في الادعاء دون بينه .. وتأكدوا لو انهم في دول غربية لتم زجهم في السجن او اعدامهم بالكرسي الكهربائي لأنه يفشون الكراهية ويشجعون على القتل ويتسببون في فوضى عارمة في المجتمع وانتشار العنف ..
اليوم سمعت عن أحد الاطباء السورييk الذي تعرض للاغتيال مع زوجته (الدكتور سامر حسن وزوجته سماهر الموسى) بحجة انهما كانا يعملان في مشفى تشvين .. وكانت الدهماء تنشر قصصا خرافية عن المشفى (الذي سمته مسلخا) لتبرير بيعه للأتراك .. وفي الحال تحولت شوارع السوشيال ميديا hgn شوارع للقضاة الذين يحاكمون أجمل وارق طبيبين عرفهما الناس .. ويؤلفون القصص ويكذبون للاحتفال بالقتل والقتلة.. ويحرضون ويبررون ويحتفلون .. وأنا من يعرف ان الدكتور سامر حسن هو أحد أنظف الاطباء واشرفهم .. ولو كان قد تصرف بغير أخلاقه المهنية فانه كان سيصبح ثريا ثراء فاحشا لاطبيبا في بلد فقير مثل اليمن .. بل لكانت له ثروة طائلة تسمح له بالسفر الى اوروبة .. وانا شخصيا عرفت من أحد مساعديه انه كان السبب في ايقاف شبكة فساد تبيع الادوية المجانية للمرضى .. وتسبب في تحويلهم للقضاء .. أما ماأحزنني فهو ان زوجته الدكتورة كانت مهتمة بالبحث العلمي والطبي ولم يكن لها اي نشاط خارج عملها الفكري والطبي وليس لها في العير او النفير .. ولكن قضاة الطرقات الان هم من ينشرون العدل الدموي في سورية .. ويعلمون الناس انه يمنهكم ان يقتلوا وان يظلموا لأنها شطارة الثوار .. وفهلوية الاسلاميين ..
هذا الفلتان وانهيار نظام العدالة سيقصم ظهر الحكام الجدد بسرعة مهما عطرهم ترامب .. لأن نفس القضاة المنتشرين في الطرقات ووسائل التواصل سيرون ان هذه الطريقة تفيدهم دوما وسيقلدهم غيرهم .. وسينتشر هذا النوع من القضاء الاجتماعي .. حتى يصبح المجتمع قطعانا من العصابات التي تفتي بالقتل .. وتروي حكايات بلا براهين ولا تحقيق .. وتتجرأ على الله وعباده .. وتتجرأ على بعضها .. وتستسهل قتل بعضها .. وتصبح مهنة القضاء مهنة من لامهنة له .. وهي لحظة انهيار كل شيء .. الذي نراه ..
وفي كتابه المقدمة، ربط بين العدالة وازدهار الدولة من عدة جوانب:
- حماية حقوق الناس وأموالهم.
- منع التعسف في الجباية والضرائب.
- تطبيق القوانين بصورة منصفة.
- الحفاظ على الأمن والاستقرار.
- تجنب استغلال السلطة لمصالح خاصة.
ومن المعاني التي تتكرر في تحليله أن الحاكم إذا احترم حقوق الرعية وشجعهم على العمل والكسب ازداد الإنتاج والرخاء، أما إذا استولى على أموالهم أو أثقلهم بالضرائب الجائرة فإن ذلك يضعف الدولة نفسها في النهاية.
.