
قراءة في تحولات “الظاهرة الجولانية”تُمثل الحالة الراهنة لأبو محمد الجولاني نموذجاً صارخاً لـ “الهندسة السياسية المعكوسة”، حيث تحول من النقيض إلى النقيض دون سقوط بنيته التنظيمية.
لفهم كيف يبرر مناصروه (بمختلف أطيافهم السابقة والحديثة) هذا التحول، يجب تفكيك المشهد عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:
- سيكولوجية “الانتقال الإجباري” عند النواة الصلبة (القدامى)الأنصار القدامى الذين عاصروه كـ “أمير للمؤمنين” ومحارب لـ “المنظومة الدولية”، يعيشون حالة من “التعامي البراغماتي”، ويبررون المشهد عبر الآتي:
فقه الضرورة والمآلات: يُقنع هؤلاء أنفسهم بأن خلع العباءة الجهادية وارتداء البدلة الغربية ليس تنازلاً عن العقيدة، بل هو “مناورة شرعية” لحماية المكتسبات وتجنب السحق الدولي.
شخصنة الولاء (الكاريزما الفردية): تحول الولاء من “الفكرة العابرة للحدود كخلافة إسلامية” إلى “الشخص والمؤسسة المحلية”.
يرى الأنصار فيه القائد الوحيد القادر على قيادة السفينة وسط الأمواج الدولية، حتى لو ركب حصاناً أمريكياً أو تحرك بضوء أخضر إقليمي (تركي إسرائيلي سعودي ). - متلازمة “الاستقرار المفقود” عند الحواضن الجديدة (الأمويين الجدد)
ـأما الشارع الذي يحتفي به اليوم تحت مسميات “الجمهورية والتشاركية وسوريا لكل السوريين”، فدوافعه تختلف تماماً:
المقايضة بالأمن: عانى المجتمع لسنوات من الحرب والدمار.
الترحيب بـ “الجولاني المدني” ليس إيماناً بجذوره، بل رغبة في استيراد نموذج استقرار مؤسساتي (حكومة، اقتصاد، خدمات) والأهم يظنون (لجهلهم) أنه الحل الوحيد لوقف حمام الدم والانفلات الأمني (مع أن الشواهد على الأرض تؤكد لأي عاقل أن الجولاني سيغرق سوريا بالدماء).
البراغماتية الجيوسياسية:
هناك وعي جمعي بأن أي حركة (لسلطة أمر الواقع) مستحيلة دون غطاء إقليمي ودولي (تركي/أمريكي). لذلك بالنسبة لهم، تصريحات ترامب أو غيره عن “جلب الجولاني” ليست صدمة بقدر ما هي “شهادة واقعية” بأنه صفقة دولية مقبولة ، وهو ما يضمن نوع من الإنفتاح (علما كلنا نرى أنه لا يبيع إلا الوهم وكل الإدعاءات عن صفقات اقتصادية كبرى ليست إلا خداع نكتشف مجرياته يومياً). - خطاب الديمقراطية والتشاركية.. (السحر والمآل)
كيف يستمعون لخطاباته الحديثة بعد تاريخ التكفير؟إعادة تدوير السردية:
يتم تسويق “الديمقراطية والتشاركية” اليوم على أنها “الشورى وإدارة التنوع” بلغة العصر.
الذاكرة الانتقائية: يمارس الجمهور عملية “محي مبرمج” للماضي.
فالخوف من المجهول يجعل العقل الجمعي يفضل تصديق “النسخة الحالية” للجولاني كحاكم مدني، على تذكر “النسخة الانتحارية” السابقة. - مآل التناقضات.. وحتمية الاصطدام المؤجل
لا ينظر الأنصار اليوم إلى الجولاني من زاوية الأخلاق أو الاتساق الفكري، بل من زاوية “الوظيفية والنتائج”؛ فالقدامى يبررونها كـ “تكتيك للحرب”، والجدد يقبلونها كـ “ثمن للاستقرار”.
لكن هذا التعايش المؤقت يطرح سؤالاً جوهرياً ومصيرياً حول حدود الصبر والمناورة:
إلى أي مدى سينجح هذا التوازن الحرج على حافة المتناقضات؟
وإلى متى ستظل النخب المدنية وجمهور الحواضن الجديدة مستعدة لتقديم التنازلات وتبرير الواقع تحت شعار “الواقعية والإنقاذ”.
في المقابل؛ متى ينفد صبر التيارات العقائدية الصلبة والمتشددين الذين يعتبرون كل خطوة نحو “العصرنة والدبلوماسية” انسلاباً هوياتياً وتراجعاً لا يمكن غفرانه؟
إنها باختصار مقامرة الزمن
…… لنرى …….