مقال جدير بالقراءة: إلى إمبراطور اللحمة في سوريــا – بقلم: Mohamad Ater’s post

إلى إمبراطور اللحمة في سوريــا ..

إذا أردت أن تستعير التجربة الألمانية شاهداً .. فلا تستعر منها ما يريح الخزينة .. وتترك ما يصون كرامة الإنسان ..

خذها كلها .. أو دعها كلها ..

أما انتقاء ما يثقل كاهل الفقير ويخفف عبء الدولة فليس اقتصادًا .. وانما انتهازٌ فكري يرتدي ربطة عنق ..

حين تستشهد بألمانيا لتبرير رفع الدعم عن الخبز .. فإن السؤال الحقيقي ليس كيف تبيع ألمانيا رغيفها ..؟

وانما كيف تنظر ألمانيا إلى مواطنها ..؟

أنـا أعرف جيدا ماذا صنعت المانيا لمواطنيها .. ومواطنيك انت .. إن لم تستح فقل ما شئت ..

حين يجلس من صنع ثروته في زمن الأسدين .. حتى كبرت كرشه وتوغلت ..

ليشرح للجائع فضائل اقتصاد السوق .. فإنه لا يكشف عمقًا اقتصاديًا ..

يكشف المسافة الهائلة بين من يقرأ الأرقام على الورق .. ومن يقرأها في عيون أطفاله آخر النهار ..

والدولة التي تعجز عن حماية رغيف مواطنيها .. لن يحميها يومًا فائضٌ في الموازنة .. لأن الأوطان لا تسقط حين تفلس خزائنها .. وانما حين يفلس ضميرها ..

أيها الإمبراطور ..

ليست المشكلة في الخبز ..

فالخبز في النهاية .. ليس سوى الرمز الأكثر تواضعًا لمسألة أكبر بكثير .. علاقة الدولة بالإنسان ..

هناك فرق هائل بين دولة ترى الإنسان أصل الاقتصاد .. ودولة تريد أن تجعل الاقتصاد أصل الإنسان ..

في الأولى ..

تُبنى السياسات حول كرامة الفرد .. وفي الثانية يُطلب من الفرد أن يتكيّف مع قسوة السياسات ..

ألمانيا لا تدعم الخبز لأنها دعمت الإنسان قبل الخبز ..

نزعت الخوف من يومه القادم .. ثم تركت السوق يعمل ..

فالعاطل هناك لا يسقط خارج المجتمع .. وانما تحمله شبكة حماية اجتماعية تمنعه من الانهيار ..

والمريض لا يقف على باب المستشفى حائرًا بين العلاج .. والإفلاس ..

والعامل لا يبيع عمره بثمن الجوع ..

والمتقاعد لا يتحول إلى عبء .. بعد أن أفنى شبابه في خدمة وطنه ..

لهذا يصبح ثمن الرغيف تفصيلًا صغيرًا داخل منظومة كبيرة من الأمان ..

أما أن نستعير النتيجة دون مقدماتها .. فذلك يشبه من يريد قطف الثمرة بعد أن قطع جذور الشجرة ..

أيها الإمبراطور ..

الدولة ليست مؤسسة مالية .. حتى يكون معيار نجاحها هو تخفيض النفقات ..

وليست شركة مساهمة .. حتى تصبح الأرباح والخسائر فلسفتها العليا ..

الدولة .. في معناها العميق هي العقد الأخلاقي الذي يوقّعه الأقوياء مع الضعفاء ..

وجودها يسبق السوق .. لأن السوق لا يعرف الرحمة ..

والاقتصاد قد يفسر الأسعار .. لكنه لا يفسر العدالة.

فالأسواق بطبيعتها تكافئ القادر .. أما الدولة فوظيفتها ألا تترك العاجز فريسة لقانون القوة ..

ولهذا لم تُخترع الحكومات كي تدير المال .. وانما كي تدير العدالة ..

أيها الإمبراطور ..

حين يُقال إن انخفاض أجور العمال ميزة تنافسية .. فإن اللغة نفسها تكون قد انقلبت على معناها ..

فالإنسان لم يعد قيمة تُصان .. ولكنه تكلفة ينبغي تخفيضها ..

وكأن الفقر تحول من كارثة وطنية إلى بند في خطة التنمية ..

أيها المتبجح اقتصاداً هذه ليست ميزة اقتصادية ..

هذه لحظة يفقد فيها الاقتصاد بوصلته الأخلاقية ..

الصين لم تصبح قوة صناعية لأنها دفعت أقل .. وانما لأنها أنتجت أكثر ..

استثمرت في العقل قبل المصنع .. وفي المعرفة قبل الآلة .. وفي البنية التحتية قبل الأرباح ..

أما تحويل جوع العامل إلى عنصر جذب للمستثمر .. فليس اقتصادًا تنافسيًا وانما اقتصاد يستثمر في العوز ..

ثم يُقال لنا لسنا بحاجة إلى مساعدات ولكننا نحتاج إلى شراكات ..

ولا خلاف على ذلك ..

لكن التاريخ يعلمنا أن الاستثمار لا يأتي إلى مجتمع يتآكل من الداخل ..

فالاقتصاد لا يُبنى فوق معدة خاوية .. ولا فوق مجتمع يعيش قلقه اليومي ..

المستثمر يبحث عن الاستقرار ..

والاستقرار لا يبدأ من المؤتمرات وانما من شعور المواطن بأن وطنه لن يتركه وحيدًا إذا تعثر ..

أيها الإمبراطور ..

ليس الدفاع عن الدعم دفاعًا عن الفساد .. لكنه دفاع عن ترتيب الأولويات ..

فالطبيب لا يرفع جهاز التنفس عن المريض لأنه ينوي علاجه لاحقًا ..

والدولة الحكيمة لا تزيل شبكة الأمان قبل أن تبني غيرها ..

إصلاح الدعم ضرورة .. وليس منية ولا فضل ..

أما رفعه قبل إيجاد البديل .. فليس إصلاحًا وانما نقلٌ لكلفة الخلل من مؤسسات الدولة إلى جيوب الفقراء ..

أيها الإمبراطور ..

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة .. ليس أن تفتقر إلى المال .. ولكن أن تفتقر إلى الفلسفة التي تميز بين قيمة الإنسان وقيمة الأرقام ..

فالميزانيات تُكتب بالحساب .. أما الأوطان فتُكتب بالعدالة ..

والدول التي تجعل الإنسان وسيلة لخدمة الاقتصاد .. تنتهي غالبًا بخسارة الاثنين معًا ..

أما الدول التي تجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان .. فهي وحدها التي تنتج الثروة والاستقرار في آن واحد ..

لذلك، قبل أن نسأل كم يكلف دعم الرغيف ..؟

ينبغي أن نسأل سؤالًا أعمق .. كم تكلف الدولة حين تفقد معناها ..؟

وكم يخسر الوطن عندما يصبح المواطن آخر بند في جدول الحسابات ..؟

هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُجاب عنه .. لا السؤال المتعلق بثمن رغيف الخبز ..

و إذا كان همّك أن توازن دفاتر الدولة .. فاعلم أن التاريخ لا يقرأ دفاتر المحاسبين .. ولكنه يقرأ دفاتر العدالة ..

هرطقة لا تُشبع جائع ..

إلى رغيف خبز .. في محرقة وطن ..

رسالة إلى إمبراطور اللحمة في سوريــا ..

التاسع والعشرون من حزيران ..

العام الثامن والخمسون من العمر ..

================

رابط المقال:

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق