
وداعاً حلب
فالمدن ليست حجارتها ولا أبنيتها، بل هي ناسها وروحها. وحلب كانت دائماً مدينة مختلفة عن بقية المدن السورية، حتى عن دمشق نفسها. كانت مدينة منفتحة على أوروبا، ترى في أنطاكية امتداداً طبيعياً لها ومرفأها التاريخي، ومدينة احتضنت مجتمعات متنوعة وثقافات متعددة.
واليوم، ومع رحيل الراهبات الفرانسيسكان عن حلب، أتذكر ما قدمته مدارسهن لكل أبناء المدينة، مسلمين ومسيحيين، من تعليم للموسيقى واللغات والكمبيوتر والفنون. إن رحيلهن ليس مجرد مغادرة مؤسسة تعليمية، بل هو مؤشر مؤلم على أن الحاجة لم تعد موجودة، وأن الطلب على هذه الأنشطة التي شكلت جزءاً من هوية حلب قد تراجع.
الطبقة الحلبية التي أحبت الفن والثقافة والانفتاح غادرت إلى حد كبير. أما الطبقة الجديدة التي صعدت في السنوات الأخيرة، ففي غالبها لا ترى قيمة في هذه الأمور. واليوم نسمع عن حوادث لم تكن تخطر ببال الحلبيين يوماً؛ منع الزغاريد في بعض الأعراس، التضييق على الغناء في مناطق وصالات معينة، ومحاولات فرض نمط اجتماعي جديد على مدينة لم تكن تعرف مثل هذه القيود.
ولا أريد القول إن هناك استهدافاً مباشراً للمسيحيين في حلب. فالأمن المحيط بالكنائس اليوم ربما يفوق بعدده عدد المصلين داخلها. لكن هذا بحد ذاته ليس أمراً طبيعياً، وليس ما يريده المسيحيون. نحن لم نعتد أن نذهب إلى كنائسنا تحت الحراسة. فوجود هذا الكم من الأمن يعني أن هناك شعوراً حقيقياً بوجود تهديد، وأن مجتمعات جديدة دخلت المدينة وغيرت الكثير من ملامحها.
حلب التي عرفناها، حلب الطرب والفن والانفتاح والتنوع، لم تعد هي نفسها. ومع رحيل الفرانسيسكان، ومع هجرة غالب العائلات الحلبية، مسلمة كانت أم مسيحية، تلك العائلات التي حافظت على الروح الحلبية الجميلة، يبدو أننا لا نودع مجرد أشخاص أو مؤسسات، بل نودع مدينة بأكملها.
فوداعاً حلب لأن حلب التي أحببناها لم تعد هي حلب