

كنا نعرف غسيل الاموال، وغسيل السمعة، وربما غسيل الذاكرة ايضا، لكن مصطلح “غسيل الارهاب” لم يدخل قاموسنا السياسي الا مع الامويين الجدد، اولئك الذين اكتشفوا ان افضل طريقة لتبييض تاريخ الارهاب ليست انكار الماضي، بل اعادة تقديمه باعتباره “تراثا وطنيا”.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء.
فالمنظومة التي صنعت لعقود صورة “الارهابي المطلوب” ووضعت الجوائز بالملايين على رؤوس قادة الجماعات الجهادية، ثم فتحت لهم الابواب عندما احتاجتهم، ووفرت لهم التمويل والسلاح والمنابر السياسية والاعلامية، تعود اليوم لتقدم بعضهم على انهم محررو البلاد وبناة الدولة الجديدة. وكأن التاريخ دفتر محاسبة يمكن مسحه بالممحاة، وكأن الدماء تفقد لونها بمجرد تغيير البدلة واللقب والصورة الرسمية.
ثم جاء الجزء الاكثر عبقرية من عملية الغسيل: غسل الذاكرة نفسها.
كان لا بد من اقناع السوري بأن البديل افضل، وان “التحرير” سيجلب الحرية والكرامة ومحاربة الفساد والرخاء. فغمرت البلاد ماكينة اعلامية هائلة، ولم تعد الاخبار اخبارا، بل جرعات يومية من التنويم الجماعي: مشروع هنا، مؤتمر هناك، وعود بالاستثمار، فنادق، ملاعب غولف، تلفريك الى قاسيون، وفراشات تحلق فوق الرؤوس… بينما المواطن يبحث عن الخبز والكهرباء والراتب الذي يكفيه لايام قليلة.
وحين بدأ مفعول المخدر الاعلامي ينحسر، ظهرت المشكلة القديمة: العقل بدأ يستيقظ.
وهنا، وفقا لوصفة “الطب الاموي الجديد”، لا بد من جرعة اضافية من الغريزة.
فالانسان حين يكون خائفا او غاضبا او جائعا يصبح اكثر قابلية لتلقي الرسائل السياسية التي تخاطب انفعاله قبل عقله. وهذه ليست شتيمة للشعوب، بل حقيقة معروفة في علم النفس السياسي: الخوف والغضب والاستقطاب والهوية الجماعية يمكن ان تدفع الفرد الى الحكم من خلال الانتماء والانفعال بدلا من فحص الوقائع والادلة. ولذلك يصبح “العدو” مادة اعلامية مثالية: لا يحتاج الى شرح، يكفي ان تشير اليه باصبعك حتى يبدأ الجمهور بالمطالبة برأسه.
وهكذا ولد المضاد الحيوي الجديد: غسيل الارهاب + العدالة الانتقامية.
اما غسيل الارهاب، فمهمته تحويل الماضي من سجل اتهام الى سيرة ذاتية مشرقة. والذروة ان يتحول تاريخ كان سببا في ملاحقة صاحبه عالميا الى شيء يطلب صاحبه نفسه ان يصبح “جزءا من التراث السوري”. وبقي فقط ان تقوم اليونسكو بتشكيل لجنة خاصة لدراسة كيفية ادراج الجهادية المسلحة ضمن التراث الثقافي غير المادي، ولعل قطر الكريمة تتكفل برسوم التسجيل.
اما “العدالة الانتقامية”، فهي الاختراع الاكثر نجاعة في اشغال الغرائز.
لا خلاف على ان الجرائم الخطيرة يجب الا تمر بلا محاسبة، وان ضحايا السوريين يستحقون العدالة. لكن العدالة ليست مجرد رفع سقف العقوبة الى الاعدام، ولا تتحول المحكمة الى مسرح جماهيري لتوزيع الاحكام قبل استكمال شروط المحاكمة العادلة.
والقانون الدولي هنا اكثر تعقيدا من الهتاف في الشارع وهذا بالضبط ما يجعل التبسيط الدعائي خطيرا.
فنظام روما للمحكمة الجنائية الدولية ينص في مادته 27 على ان الصفة الرسمية، بما فيها صفة رئيس الدولة او الحكومة، لا تعفي الشخص من المسؤولية امام المحكمة، ولا تمنع المحكمة من ممارسة اختصاصها. لكن هذه القاعدة تخص المحكمة الجنائيةالدولية واختصاصها، ولا تعني ان كل محكمة وطنية في العالم تستطيع تلقائيا تجاوز قواعد الحصانة او انشاء اختصاص دولي لنفسها.
اما تسليم شخص الى دولة يواجه فيها خطرا حقيقيا من التعذيب او المعاملة اللاإنسانية فله ايضا قيود دولية شديدة. وقد كرست المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان المبدأ القائل بأن الدولة لا تستطيع تجاهل مخاطر المعاملة المحظورة عند التسليم، حتى عندما يكون الشخص مطلوبا لمحاكمة جنائية.
ولهذا تصبح فكرة تسليم مطلوب الى حكم بالاعدام مسألة قانونية وليست مجرد “قرار سياسي”. روسيا نفسها مثال واضح: فمنذ عام 1996 نشأ فيها وقف فعلي لتنفيذ احكام الاعدام، ثم رسخت المحكمة الدستورية الروسية نظاما دستوريا يمنع تطبيق العقوبة في الظروف القائمة.
فكيف يمكن لمن يرفع شعار “دولة القانون” ان يتعامل مع العدالة وكأنها حفلة انتقام؟
عندما يتحول القاضي الى بوق، والمحكمة الى منصة سياسية، والحكم الى جرعة اعلامية، والاعدام الى عنوان لجذب التصفيق، فهذه ليست عدالة انتقالية. هذه تعبئة انتقالية ، والعدالة التي تحتاج الى خصم كي تثبت وجودها ليست عدالة، والقانون الذي يتغير بحسب هوية المتهم ليس قانونا، والدولة التي تستخدم القضاء لادارة الغرائز بدلا من ادارة العدالة و تمارس الاستبداد بذاته من خلال اشخاص يحكمون باسم “الثورة”، ثم باسم “العدالة”، ثم باسم “الشرعية”، وكل مرة يطلبون من السوري ان يصفق قليلا، ويؤجل عقله قليلا، وينتظر قليلا.
المشكلة ليست ان السوريين لا يعرفون العدالة بل ان هناك من يريدهم ان يخلطوا بينها وبين الانتقام حيث أن الانسان حين يغضب يسهل قيادته ، أما حين يهدأ، ويسأل: اين الدليل؟ اين القانون؟ اين الاختصاص؟ اين حق الدفاع؟ اين المحكمة المستقلة؟ ومن يحاكم من؟ وبأي صفة؟ وعلى اي اساس؟
هنا ينتهي مفعول الجرعة ، وعندها يصبح اخطر سؤال في سوريا الجديدة ليس: “من سيحكم عليه بالاعدام؟”
بل:
من سيحاكم العدالة نفسها عندما تصبح اداة في يد السلطة؟
صديق الصفحة