
المفارقة هنا اكثر تعقيدا من مجرد رجل ثري اكتشف الفقراء بعد ان فقد ثروته. فالرجل يستطيع ان يقول، وبشيء من الحق، انه كان يساعد الفقراء وهو في ذروة نفوذه، من خلال جمعية البستان التي قدمت، بحسب ما كان معلنا عنها، مساعدات علاجية وغذائية ودراسية ومنحا لطلاب من قرى فقيرة.
وهنا لا يصح ان ننكر ما نفع به انسانا محتاجا، ولا ان نقول ان كل عمل خيري كان مجرد خدعة. مريض عولج، وطالب حصل على منحة، وعائلة تلقت مساعدة، هي حالات انسانية حقيقية يستحق اصحابها المساعدة ايا كان مصدرها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العمل الخيري الى صك براءة شامل.
فان تساعد فقيرا لا يعني ان كل ثروتك اكتسبت من طريق مشروع، وان تعالج مريضا لا يمنحك حصانة من النقد، وان توزع منحا دراسية لا يحولك الى مرجعية سياسية او اخلاقية لطائفة كاملة.
وهنا تصبح بعض عبارات نهج البلاغة شديدة القسوة في دلالتها: “وصفهم دواء، وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء”. ليست المشكلة دائما في ان يكون كل ما يقوله الانسان كذبا، بل في ان يستخدم بعض الحقائق الصحيحة لبناء صورة اكبر من الحقيقة نفسها.
نعم، كان يساعد،
لكن السؤال ليس فقط: كم فقيرا ساعدت؟
السؤال ايضا: ما مصدر الثروة التي مكنت من هذه المساعدة؟ وما طبيعة منظومة النفوذ التي جعلت رجل اعمال قادرا على ان يمتلك كل هذا النفوذ الاقتصادي؟ وهل العمل الخيري، مهما كان حجمه، يلغي حق المجتمع في مساءلة صاحب النفوذ عن الجزء الآخر من الصورة؟
مجموعة الخطابات الجديدة شديدة الإغراء، فالرجل لا يحتاج الى اختراع ماض خيري من العدم؛ لديه بالفعل ما يستند اليه. لكنه يريد ان ينتقل من حقيقة “كنت اساعد الفقراء” الى نتيجة اكبر بكثير: “كنت دائما صوتهم، ولذلك انا اليوم المخلص والحامي والعارف بما يحاك ضدهم” ، وهذه قفزة لا يبررها العمل الخيري.
اما الحديث المتكرر عن المؤامرات والمستقبل ومصير الطائفة، مع تقديم الذات كأنها تمتلك مفاتيح تفسير السياسة والاقتصاد والامن، فيمكن نقده بوصفه تضخما في الخطاب وصناعة لصورة المخلص، مع مزيج من الأعراض التي تقترب جداً لتشخيص مرض نفسي معروف .
فالعلوي الفقير ليس رامي مخلوف، والطائفة ليست شركة مساهمة، ومآسي الناس ليست رصيدا سياسيا، والعمل الخيري ليس بطاقة حصانة.
قد تكون يدك قد امتدت يوما الى فقير، وهذا يحسب لك، لكن الفقير الذي ساعدته لا يصبح شاهدا على براءة كل ما فعلته،
والمريض الذي عالجته لا يمنحك شهادة حسن سيرة سياسية، والمنحة التي دفعتها لا تمحو السؤال عن الثروة والنفوذ.
باختصار: لا احد مطالبا بانكار الخير الذي فعلته، لكن لا احد ملزم ايضا بتحويل ذلك الخير الى اسطورة.
فبين “المحسن” و”المخلص” مسافة كبيرة.
وبين العمل الخيري والبراءة التاريخية مسافة اكبر.
ومن حق الناس ان يقولوا: نشكرك على ما فعلت خيرا، لكننا لا نمنحك بذلك حق اعادة كتابة التاريخ.