
ثمة مطلب سياسي بالغ التطرف والوقاحة في سوريا هذه الأيام: أن تستيقظ صباحا، تشرب قهوتك المُرّة، تلعن غلاء الأسعار، تتشاجر مع زوجتك حول مصروف البيت، تتأخر عن عملك، تعود مساءً بظهر منحني، ثم تنام… وفي يوم بعيد جدًا، حين يتجعد وجهك وتسقط أسنانك، تموت بأمان من الشيخوخة!
هذا المطلب البسيط في سوريا أصبح مشروعًا ثوريًا راديكاليًا يهدد الأمن القومي للمنطقة! لأن السوري، بحسب العُرف السياسي السائد، مُطالب بأن يموت من كل شيء في هذا العالم… إلا من الشيخوخة.
تأملوا معي كيف تُدار الأزمات في المؤسسات الدولية: مفوضية اللاجئين تعلن ببساطة أن أكثر من 7.4 ملايين سوري ما زالوا “نازحين داخل بلادهم”، يعلنوها وكأن هذه الملايين قد انتقلت للتو من حيٍّ إلى آخر بحثاً عن شقة أوسع!
أما برنامج الأغذية العالمي فيُدون أن أكثر من سبعة ملايين سوري يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي… عبارة صُيغت ببراعة كي لا يُكتب في التقارير الرسمية أن رب العائلة لا يعرف ماذا سيُطعم أطفاله غداً.
لكن، بعد خمسة عشر عاماً، أين أصبحت سوريا؟
ملايين الجياع، المشردين، القبور بلا أسماء، الأشلاء، الاحتلال، المدن المهدمة، الاقتصاد المحطم، والاهم من ذلك ان المواطن السوري لا يعيش حرباً شاملة تُتيح له الاستنفار، ولا سلاماً حقيقيا كي يتنفس!
لديه شبه كهرباء، شبه راتب، شبه منزل، شبه دولة، شبه أمان، وشبه مستقبل. وفي النهاية تُطالبه المنظومة السياسية أن يكون مواطنًا كاملًا…
أما المجتمع الدولي فقد أوجد التسمية التي تليق بهذا الجحيم: “الملف السوري”!
يا لها من وقاحة…
ثلاثة وعشرون مليون إنسان تحولوا إلى ملف، واجتماعات، وخبراء، ومؤتمرات، واستراحات قهوة لا تنتهي.
في حين ان الانسان السوري لا يملك أحيانًا ثمن القهوة… تخيل!… هذه حياة كاملة أُصيبت بالكسر.
لو انك فقط تقرأ بعض الهراءات المكتوبة عن “الاقتصاد السوري ” للوهلة الأولى تظن أنك تقرأ تقريراً عن سنغافورة جديدة نبتت فجأة بين عشية وضحاها في شرقي المتوسط! يا للمعجزة!
واشنطن تسقط العقوبات وتلقي بـ “قانون قيصر” في سلة المهملات: جيد،
مجلس أوروبا يطوي ملف الحظر: ممتاز،
الوزراء في دمشق يخرجون بابتسامات عريضة … عريضة أكثر من الناتج المحلي نفسه!
نمو!… استثمارات!… مليارات خليجية!… مليارات أوروبية!… رؤوس أموال تتدفق!… يا للروعة!…
لكن بين أرقام النمو في التقارير وبين واقع الرجل السوري الذي يجلس في بيته بلا كهرباء منذ ثماني ساعات، هناك مسافة اتساعها مجرة كُمومية!
لقد تم رفع العقوبات، وفتح المصارف، واختفت طوابير الكبتاغون الباطش، لكن الليرة السورية لم يتم اعادتها الى الحياة… ما زال 90% من السكان يتناولون وجبة واحدة في اليوم ويتظاهرون بالشبع…
هذا ليس مقالاً عن معجزة السوق… هذا مقال عن المذبحة القادمة باسم الوهم!… سوريا ليست دكان تمَّ اغلاقه ثم أعيد فتح أبوابه بعد عطلة الصيف.
سوريا التي تهدمت حتى جذورها هي بلد فقد مقومات وجوده الأساسية: المصانع، الوظائف، المدخرات، البيوت، والشوارع والسنوات الضائعة من حياة أجيال كاملة.
أي اقتصاد هذا الذي يريدون إقامته فوق هذه الخسارات؟ أخبروني! ماذا ستطرحه علينا هذه النيوليبرالية الملعونة غير المزید من الوهم والكلام الفارغ؟
ألا يفهم هؤلاء الأغبياء أن التنمية لا تبدأ بركام البنوك ولا بنطاحات السحاب والمضاربات العقارية ؟.. كلا يا سادة! التنمية تبدأ من هذا الإنسان.. من هذا الانسان السوري المفتت، المحطم، النازف هنا في الداخل، والملقى في أزقة المنفى!
من حقه أن يستعيد شيئاً من إنسانيته التي طحنتها الحرب طحناً في مفرمتها.. لكن كلا! جاء دور التجارة الآن.. جاءت قوانين السوق القذرة، ومعها كل هذا الهراء عن أيام ما بعد الحرب ومهزلة السلام…
لكن ماذا سينتج السوري غدًا؟ وأين سيعمل، بالضبط؟
هذا المواطن المسكين… أين سيكون مكانه في المعجزة الاقتصادية الجديدة؟ داخل المصنع؟ في أرضه؟ في ورشته؟ أو معلّقًا على حبلٍ في الطابق الأربعين، ينظّف زجاج الأبراج التي شُيّدت فوق أنقاض حارته؟
أي عملية سياسية لا تضع هذا المواطن السوري في صدارتها هي عملية فشل منظم…
الدفء، العائلة، اللقمة الكريمة، الأمان والدفئ: لم تكن يوما مطالب مؤجلة تمنحها الدولة بعد بناء الأبراج وتشييد الأسواق البراقة…
أن يعرف أبٌ من قتل ابنه، وأن تجد أمٌّ قبر ولدها، وأن يعود المهجّر إلى بيتٍ حقيقي… والمغترب الة حضن العائلة.
لكن هل يجرؤ السوري اليوم على المطالبة بالبديهيات؟
أن يشتري خبزه دون أن يبيع كرامته؟
أن يرجو توقف هذا العبث الدموي والمجازر الطائفية التي يُساق إليها الفقراء ليقتلوا فقراء آخرين، بينما يقتسم المقاولون الغنائم؟
سوريا ليست نظاما مضى، ولا السلطة التي أتت بعده، ولا راية سوداء أو خضراء، ولا تنحصر بطائفة، وهي لا قاعدة روسية لها إطلالة على المتوسط، ولا شهوة تركية قديمة للخرائط، ولا منطقة امنية إسرائيلية…
سوريا أيضا ليست تلك الفقرة التي يقرأها وزير عربي في مؤتمر… هذه كلها أسماء لما يريده الآخرون من سوريا.
سوريا تُريد أباً ينهض في الخامسة صباحاً.. يشرب جرعة قهوة مرّة مع زوجته، ويمضي إلى دكانه الصغير، ويكون أكبر همومه أن الزبائن قليلون هذا اليوم!
سوريا تريد امرأة تحتفظ بمفتاح في جيبها لأن لديها بيتاً حقيقياً تستطيع اقفاله! و أمّاً ينخلع قلبها على ابنها لأنه تأخر على العشاء..! وطفلاً يعرف أنواع الأشجار والازهار الاتي تنبت في الأرض، بدلا من “السوخوي” والطائرات الأخرى…
تريد سوريا هذه النعمة المفقودة.. الروتين اليومي المقتول.. الملل! نعم، تباً، الملل نفسه!
تريد كهرباء تلعن الظلام.. صيدلية فيها دواء لا يقتل.. ولداً يعود من المدرسة جائعاً.. أن يكبر هذا التعس.. أن يشيب.. أن يزعجه ضغط الدم والكولسترول … ثم في الخامسة والثمانين مثلاً، يموت بسلام في سريره.. من الشيخوخة!
لا من مشروع إقليمي عظيم قرر، للمرة الألف، أن يمرّ من غرفة نومه!
فقط أن يعيش طويلاً بما يكفي ليصير عجوزاً ثقيل الظل، يزعج أبناءه ويكرر نفس الحكايات البايخة، ينسى أين وضع نظارته العتيقة، ويشتكي من ركبتيه الصدئتين، ومن الحكومة، ومن هذا الجيل الجديد الأرعن!
ثم يموت في فراشه، بعد عمر طويل.. موتاً سخيفاً وعادياً لا يستحق حتى جلسة طارئة لمجلس الأمن الملعون!
أن يموت السوري أخيراً من الشيخوخة.. يا له من طموح متواضع!
ويا له، في سوريا، من مشروع ثوري هائل!
اكاديمية وباحثة – بيروت
==========================================
رابط المقال