آراء الكتاب: من الدولة الراعية للارهاب الى الدولة المرغوبة: ماذا تغير في سوريا؟ – صديق صفحة نارام

ثمة سؤال يزداد الحاحا مع التحول السريع في الموقف الاميركي من سوريا: هل تغيرت سوريا فعلا بالسرعة التي تغير بها توصيفها السياسي، ام ان الذي تغير اساسا هو موقعها ووظيفتها في المشروع الجيوسياسي الاميركي للشرق الاوسط؟

كانت سوريا مدرجة منذ عام 1979 على قائمة الدول الراعية للارهاب. وبحسب الرواية الاميركية، ارتبط ذلك بدعم دمشق لحزب الله وحماس والجهاد الاسلامي، وتوفير الدعم والتسهيلات لجماعات تصنفها واشنطن ارهابية. ثم جاء التحول الكبير بعد سقوط بشار الاسد وصعود الجولاني ، القائد السابق لجبهة النصرة، التي كانت واشنطن نفسها تصنفها تنظيما ارهابيا.

في 24 آب 2026 ازالت الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للارهاب، وانهت في الوقت نفسه تصنيف جبهة النصرة كمنظمة ارهابية. وبررت واشنطن القرار بجهود الجولاني في الابتعاد عن الارهاب الدولي وبما اعتبرته تحولا في سلوك السلطة الجديدة.

لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: ما الذي تغير خلال هذه الفترة القصيرة بحيث اصبحت الدولة التي كانت توصف لعقود بانها راعية للارهاب جديرة بالثقة، فيما اصبح قائد تنظيم كان مدرجا على قوائم الارهاب رئيسا يحظى بالدعم والانفتاح؟

الاجابة التي تقدمها واشنطن تتحدث عن تغير السلوك. اما القراءة السياسية الاوسع فتقود الى سؤال مختلف: ما الوظيفة الجديدة التي باتت سوريا تؤديها؟

فالسوريا الجديدة تبتعد عن ايران، وتقطع طرق امداد حزب الله، وتتعامل مع واشنطن، وتدخل في مفاوضات امنية مع اسرائيل، وتقدم ضمانات بعدم تحويل اراضيها الى مصدر تهديد لها. بل ان ترامب قال في لقاء مع الجولاني بتركيا في تموز 2026 ان سوريا يمكن ان تساعد في مواجهة حزب الله، وفي اللقاء نفسه ربط انجازاته لاسرائيل، ومنها الجولان، بسياسته تجاه المنطقة.

وهنا تبدو المفارقة قاسية: عندما كانت سوريا جزءا من محور يساند حزب الله ويعارض اسرائيل، كان ذلك جزءا من الاسباب التي جعلتها دولة راعية للارهاب في المنظور الاميركي. وعندما اصبحت سوريا جزءا من مسار يعزل ايران ويحد من نفوذ حزب الله وقد يحاربه، ويفتح الباب امام ترتيبات امنية مع اسرائيل، ازيل عنها هذا الوصف.

هذا لا يثبت ان التصنيف الاميركي كان مختلقا، ولا يعني ان حزب الله ليس مصنفا ارهابيا في الولايات المتحدة. لكنه يكشف شيئا اكثر اهمية: ان تعريف الخطر الارهابي في السياسة الدولية لا ينفصل دائما عن موقع الدولة داخل ميزان القوى والتحالفات.

والاكثر اثارة للقلق هو ان الضمانات التي حصلت عليها السلطة الجديدة لا تبدو قائمة، حتى الان، على قوة مؤسسات سورية مستقلة قادرة على تقييد الحاكم ومحاسبة اجهزته. فالضمانة التي يجري الحديث عنها تبدو اقرب الى ضمانة وظيفية: ان تظل دمشق بعيدة عن روسيا و ايران، والا تعيد بناء الممرات الى حزب الله، والا تشكل خطرا على اسرائيل، وان تتعاون مع المشروع الاميركي لاعادة تشكيل الاقليم.

وهنا يصبح السؤال عن نوايا الجولاني اقل اهمية من السؤال عن مصالح من تتقاطع معها السلطة الجديدة. قد يكون الرجل تغير فعلا، وقد يكون تعلم ان البقاء في السلطة يتطلب التخلي عن المشروع الجهادي العابر للحدود. لكن السياسة الدولية لا تمنح الثقة عادة بسبب حسن النوايا وحده؛ بل بسبب القدرة على التأثير والضغط والمصالح المتبادلة.

الاختبار الحقيقي لذلك ليس ما يقوله الجولاني اليوم، بل ماذا سيحدث عندما تتعارض مصلحة سوريا مع مصلحة واشنطن او اسرائيل. هل تستطيع دمشق حينها اتخاذ موقف مستقل؟ وهل ستبقى الحدود الجنوبية ورقة تفاوض، ام تتحول الى تنازل دائم؟ وهل سيكون رفض الحرب مع اسرائيل موقفا سياسيا مستقلا، ام التزاما دائما بوظيفة سورية.
لكن جوهر المسألة يبقى قائما: هل انتقلت سوريا من دولة راعية للارهاب الى دولة غير راعية له لان مؤسساتها تغيرت، ام لان وظيفتها الاقليمية تغيرت؟

اذا كانت الضمانة هي المؤسسات، فكان يجب ان يكون معيار الثقة هو استقلال القضاء، والمشاركة واحتكار الدولة للسلاح، وحماية الاقليات، والمحاسبة عن المجازر، والقدرة على منع السلطة من اعادة انتاج العنف، وتعزيز مقومات الدولة ،وهذا مفقود كلياَ،
اما اذا كانت الضمانة هي ان تؤدي السلطة الجديدة دورا محددا في الشرق الاوسط الجديد، فهذه ليست ثقة بالدولة، بل ثقة بالوظيفة.

وهنا تكمن المفارقة الاخطر:
سورية إرهابية ذات سيادة الى سورية لاإرهابية منزوعة السيادة .
سيترجم ذلك بعودتها للإندماج بما يسمى النظام العالمي وسينضم ذلك الى حزمة الوعود والأحلام الوردية التي يعدون الدهماء بها ، وإن غداً لناظره قريب

صديق الصفحة

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا